أزمة النيجر: فرنسا في عين العاصفة

تساؤلات بشأن أوراق ضغط باريس لإعادة النظام الدستوري

جانب من المظاهرات المشيدة بروسيا في نيامي (أ.ب)
جانب من المظاهرات المشيدة بروسيا في نيامي (أ.ب)
TT

أزمة النيجر: فرنسا في عين العاصفة

جانب من المظاهرات المشيدة بروسيا في نيامي (أ.ب)
جانب من المظاهرات المشيدة بروسيا في نيامي (أ.ب)

«فرنسا في عين العاصفة»، هكذا يمكن تلخيص وضع باريس إزاء التطورات الجارية في النيجر، المستعمرة الفرنسية السابقة التي حازت استقلالها في عام 1960، والتي عاشت خلال العقود الستة الأخيرة على وقع تعاقب الانقلابات العسكرية، في منطقة هي من الأكثر فقراً في العالم.

جاءت مظاهرة، الأحد، على مدخل السفارة الفرنسية في نيامي، ومحاولة بعض المتظاهرين اقتحامها ونزع لوحتها الرسمية ودوسها، والهتاف بخروج القوات الفرنسية المرابطة في البلاد، في دليل إضافي مفاده بأن الحضور الفرنسي في هذا البلد لم يعد مرغوباً به.

تحذير عنيف

وكان من الطبيعي أن تصدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وفق ما نقلت عنه مصادر قصر الإليزيه، ردة فعل تحذيرية عنيفة، إذ لا يمكن للسلطات الفرنسية أن تسكت أو أن تتساهل إزاء استهداف ممثليتها الدبلوماسية، والقنصلية، ومصالح مواطنيها. وأفاد «الإليزيه» بأن الرئيس ماكرون «لن يتسامح مع أي هجوم ضد فرنسا ومصالحها» في النيجر، وبأن باريس ستردّ «فوراً وبشدّة»، وذلك إثر تظاهر آلاف الأشخاص أمام السفارة الفرنسية في نيامي؛ دعماً للعسكريين الانقلابيين. وأضاف «الإليزيه» أن «أي شخص يهاجم الرعايا الفرنسيين والجيش والدبلوماسيين والمقرّات الفرنسية، سيواجه بردّ فرنسي فوري وشديد، وبالتالي لن يتسامح رئيس الجمهورية مع أيّ هجوم على فرنسا ومصالحها».

متظاهرون ينتزعون لافتة السفارة الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)

سبق لفرنسا أن قررت، عقب اجتماع لمجلس الدفاع الأعلى برئاسة ماكرون، يوم (السبت)، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية «تجميد كل أشكال المساعدات المخصصة للتنمية ودعم الميزانية» النيجرية، مجدّدة مطالبتها بالعودة إلى النظام الدستوري، والإفراج عن الرئيس المرتهن محمد بازوم. وسبق للخارجية أن أكدت أن باريس «لن تعترف» بالوضع الجديد الناشئ عن الانقلاب، وهو الموقف الذي تبناه الاتحاد الأوروبي، و«مجموعة غرب أفريقيا الاقتصادية»، والاتحاد الأفريقي، فضلاً عن الولايات المتحدة الأميركية.

وكما في كل مرة، تعمل باريس على حض الأفارقة ودفعهم للتحرك، وهي بذلك تعيد تأهيل المفهوم الأميركي المسمى «القيادة من الخلف» حتى لا تُتهم بالتدخل بشؤون النيجر الداخلية. وجدد «الإليزيه» تأكيد أن فرنسا «تدعم المبادرات الإقليمية كلها»، وكل الجهود الآيلة إلى «استعادة النظام الجمهوري... وعودة الرئيس المنتخب محمد بازوم» إلى ممارسة مهامه على رأس الدولة النيجرية.

موقف حرج

بيد أن استهداف المصالح الفرنسية بشكل مباشر يضع فرنسا في موقع حرج للغاية، وينقل علاقتها مع نيامي من النقيض إلى النقيض. ومن المفيد التذكير بأن النيجر كانت، حتى وقوع الانقلاب، من أقرب بلدان الساحل لفرنسا التي تقيم معها علاقة خاصة وشراكة «قتالية»؛ لغرض محاربة التنظيمات الإرهابية، خصوصاً تنظيم «القاعدة». وكما هو معروف، لفرنسا قوة عسكرية متمركزة في محيط العاصمة النيجرية، وفي المنطقة المسماة «الحدود المثلثة»، أي حيث تتقاطع حدود النيجر مع مالي وبوركينا فاسو، وحيث تنشط المنظمات الإرهابية.

لقاء جمع ماكرون ببازوم في الإليزيه في 23 يونيو (أ.ف.ب)

من هنا، تكمن أهمية أن تبقى النيجر في الحضن الغربي والفرنسي. إذ إن بعد خروج القوات الفرنسية من مالي أولاً، ثم من بوركينا فاسو ثانياً، لم يعد لباريس موطئ قدم قريب من ساحة المواجهة مع التنظيمات الإرهابية. وسبق لباريس أن أعادت نشر جزء من قوة «برخان»، التي كانت منتشرة بشكل خاص في مالي في النيجر، حيث لها راهناً 1500 رجل، ما يعطيها القدرة على حماية مؤسساتها ومواطنيها في حال دعت الحاجة. ولأن باريس لا ترغب في أن يتدخل جنودها بشؤون النيجر الداخلية، فإنها عمّمت «التحذير الاستباقي» الصادر عن رئاسة الجمهورية، وكشرت عن أنيابها حتى لا تكون مضطرة للتدخل الفعلي الذي ستكون له مضاعفات كبرى في حال حصوله.

وبالتوازي مع التحذير العسكري، نددت الخارجية الفرنسية، في بيان، بـ«العنف الذي يستهدف الهيئات الدبلوماسية التي يقع توفير أمنها على عاتق الدولة المستضيفة». وجاء في البيان أيضاً أن «من واجبات القوات النيجرية توفير (الحماية) لهيئاتنا الدبلوماسية والقنصلية وفق معاهدة فيينا». واستطرد البيان: «ندعو (القوات النيجرية) إلى أن تقوم فوراً بالواجبات المفروضة عليها بموجب القانون الدولي».

وما يضاعف من النقمة الفرنسية أن المتظاهرين استبدلوا الأعلام النيجرية والروسية باللوحة الخاصة بالسفارة الفرنسية. ولدى كل مظاهرة تحصل، رغم المنع، تُسمع أصوات تنادي بخروج القوات الفرنسية، كما تُرفع الأعلام الروسية، إلى جانب التعبير عن دعم الانقلابيين. وترى فرنسا في المظاهرات المعادية لها بصمات روسيا عبر الحركة المدنية المسماة «إم 62»، التي سبق لها أن نظّمت مظاهرات مماثلة في السابق.

قواعد عسكرية

ليست فرنسا الدولة الغربية الوحيدة المعنية مباشرة بتطورات الوضع النيجري، إذ إن وضعها قريب من وضع الولايات المتحدة الأميركية التي تملك هي الأخرى قاعدتين عسكريتين؛ إحداهما تقع في شمال شرقي البلاد، ومنها تنطلق المسيرات، إما لجمع المعلومات أو لاستهداف الإرهابيين في منطقة الساحل وفي وسط وغرب أفريقيا. إلا أن النقمة على الدولة المستعمرة السابقة (فرنسا) هي الأقوى. والسؤال المطروح اليوم يتناول الوسائل والأوراق التي تمتلكها باريس للتأثير في مسار الأحداث في النيجر.

متظاهرون يحملون لافتات تدعو فرنسا إلى الخروج من النيجر وتشيد بروسيا (رويترز)

من الواضح أن باريس التي تنشط علناً، ومن وراء الستارة، كانت تأمل بتراجع الانقلابيين عن عمليتهم. ولكن مع اصطفاف القوات المسلحة إلى جانب الحرس الجمهوري الذي كان في أساس الحركة الانقلابية، يبدو أن هذا الرهان فقد أي إمكانية لنجاحه. من هنا، فإن باريس تلعب بقوة الورقتين الأفريقية والأوروبية، والأرجح أنها تعتبر أن دولة مثل النيجر، يبلغ عدد سكانها 20 مليون نسمة وهي من البلدان الأفقر في العالم، لا تستطيع العيش من دون المساعدات الدولية.

وبحسب البنك الدولي، فإن النيجر تحصل على ما يقارب ملياري دولار سنوياً من المساعدات، منها 122 مليون يورو من فرنسا وضعفها من الاتحاد الأوروبي. بيد أن التجربة السابقة مع مالي وبوركينا فاسو بيّنت أن العقوبات والعزلة الاقتصادية لا تكفيان لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. من هنا، فإن الإنذار الضمني باللجوء إلى التدخل العسكري الصادر عن «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا» التي أعطت نيامي مهلة لمدة أسبوع واحد للعودة إلى النظام الدستوري يشكّل التطور الأبرز في معالجة هذه الحالة الانقلابية.

ولكن، هل تستطيع المجموعة القيام بذلك من غير ضوء أخضر من مجلس الأمن الدولي، ما سيعني الحاجة لموافقة روسيا؟ هذا الأمر غير مضمون، ولذا فإن الضبابية ستبقى العنوان الأبرز ، بينما لا يستبعد أن تكون هناك جهود تُبذل لشق صف القوات المسلحة، ودفع بعض قطعاتها للتخلي عن دعم الحرس الجمهوري، وعن قائد الحركة الانقلابية، عبد الرحمن تياني، الذي نصب نفسه رئيساً للبلاد.


مقالات ذات صلة

العثور على 170 جثة في مقابر جماعية بالكونغو

أفريقيا المتحدث باسم حركة «إم 23» ويلي نغوما (وسط) خلال إطلاق سراح مرتزقة قرب نقطة حدودية شرق الكونغو - 29 يناير 2025 (أ.ب)

العثور على 170 جثة في مقابر جماعية بالكونغو

قال مسؤول إنه تم العثور على ما لا يقل عن 170 جثة في مقابر جماعية في شرق الكونغو، بمنطقة انسحبت منها حركة «إم 23» مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا فيستوس أوموامبا مؤسس وكالة التوظيف «غلوبال فايس للموارد البشرية» (رويترز)

اتهام كيني أرسل مواطنين للقتال في روسيا بـ«الاتجار بالبشر»

أعلن الادعاء العام في نيروبي الخميس توجيه تهمة الاتجار بالبشر لعنصر رئيسي في شبكة أرسلت أكثر من ألف كيني للقتال في صفوف الجيش الروسي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
أفريقيا دورية للجيش النيجيري (أرشيفية - رويترز)

مسلحون يقتلون 38 شخصاً على الأقل في هجوم بشمال غرب نيجيريا

قتل مسلحون ليل الخميس الجمعة 38 شخصاً على الأقل في قرية بولاية زامفارا بشمال غرب نيجيريا.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
العالم أقارب مواطنين كينيين جُندوا من قِبَل الجيش الروسي في أوكرانيا يقفون مع صور لأفراد عائلاتهم خلال صلاة ومظاهرة سلمية للمطالبة باتخاذ الحكومة إجراءات عاجلة لإعادة أقاربهم إلى الوطن... نيروبي 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تقرير استخباراتي: روسيا استدرجت أكثر من ألف كيني للقتال في أوكرانيا

أفاد تقرير استخباراتي عُرض على البرلمان الكيني بأنّ أكثر من ألف كيني توجّهوا للقتال في صفوف الجيش الروسي في أوكرانيا، وقد خُدع معظمهم لتوقيع عقود عسكرية.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الاقتصاد طريق نيروبي السريع المنفَّذ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص (رويترز)

كينيا: استئناف محادثات التجارة مع أميركا الأسبوع المقبل

قال لي كينيانجوي وزير التجارة الكيني، الأربعاء، إن بلاده والولايات المتحدة ستستأنفان المفاوضات في واشنطن الأسبوع المقبل، سعياً للتوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

ارتفاع حصيلة هجوم في جنوب السودان إلى 169 قتيلاً

أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
TT

ارتفاع حصيلة هجوم في جنوب السودان إلى 169 قتيلاً

أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)

قال وزير الإعلام في منطقة روينج في جنوب السودان، اليوم الاثنين، إن حصيلة الهجوم الذي نفذه مجهولون على بلدة في المنطقة، أمس الأحد، ارتفعت إلى 169 قتيلاً، مقارنة بحصيلة أولية بلغت 122 قتيلاً.

وتصاعدت وتيرة العنف في البلاد خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ يهدد الصراع السياسي الداخلي اتفاقية السلام الهشة التي أبرمت عام 2018.

وقال وزير الإعلام جيمس مونيلواك ماجوك إن أحدث هجوم وقع في بلدة أبيمنوم في روينج، التي تعرضت لاقتحام من شبان من منطقة مايوم في ولاية الوحدة المجاورة، حيث وقعت معارك استمرت لأكثر من ثلاث ساعات.

ويعتقد أن تسعين من القتلى مدنيون، بالإضافة إلى 79 جندياً حكومياً. وأضاف مونيلواك أن عدد القتلى قد يرتفع.

رئيس جنوب السودان سلفا كير (أرشيفية - رويترز)

وقال مونيلواك لـ«رويترز»: «نعتقد أن هذا العدد قد يرتفع، لأن العديد من الأشخاص فروا إلى الغابات عند وقوع الهجمات، ولا يزال هناك بعض المفقودين». وأضاف أن الحكومة لا تعرف دوافع الهجوم.

ويسلط هذا العنف الضوء على مخاوف، بعضها من الأمم المتحدة، من تفاقم حالة عدم الاستقرار منذ اعتقال النائب الأول السابق للرئيس، ريك مشار، قبل عام.

ووقع الرئيس سلفا كير اتفاقية سلام مع مشار عام 2018 لإنهاء خمس سنوات من الحرب الأهلية التي خلفت نحو 400 ألف قتيل.

لكن تنفيذ الاتفاقية يسير ببطء، وتكررت الاشتباكات بين القوات المتنازعة بسبب خلافات حول كيفية تقاسم السلطة.


بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام

وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات
وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات
TT

بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام

وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات
وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات

تصاعدت وتيرة الهجمات الإرهابية التي يشنها تنظيم القاعدة في بوركينا فاسو، بينما تشير تقارير إلى أن أكثر من 130 قتيلاً سقطوا في غضون 10 أيام فقط، خلال هجمات دامية في مناطق من شمال وشرق البلاد الواقع في غرب أفريقيا.

وتقف خلف هذا التصعيد الدموي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم القاعدة، وتنشط في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ومؤخراً توسعت نحو نيجيريا وبنين وتوغو.

وبحسب تقرير صادر في فبراير (شباط) الحالي، عن مجلس الأمن الدولي، فإن «وتيرة الهجمات» تراجعت في سبتمبر (أيلول) 2025، بعدما أعاد تنظيم «القاعدة» نشر جزء من مقاتليه في دولة مالي المجاورة لفرض حصار العاصمة باماكو، ومنع إمدادات الوقود عنها.

وحدة من جيش بوركينا فاسو خلال التدريبات

وأكد هيني نسايبيا، المحلل في منظمة «ACLED» المتخصصة في رصد ضحايا النزاعات، أن عمليات تنظيم «القاعدة» في مالي شكلت أولوية لها منذ سبتمبر الماضي، غير أن الهجمات داخل بوركينا فاسو لم تتوقف بالكامل.

رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري خلال زيارة للعاصمة الروسية موسكو يوم 10 مايو 2025 (أ.ب)

أكثر من 130 قتيلاً

منذ منتصف الشهر الحالي، كثّف تنظيم «القاعدة» من هجماته في شمال وشرق بوركينا فاسو؛ ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى، من بينهم مدنيون، وكان من أشهر تلك الهجمات استهداف ثكنة عسكرية في مدينة (تيتاو) شمال غربي البلاد، يوم 15 فبراير.

وأكد تنظيم «القاعدة» أن هجومه على الثكنة أسفر عن مقتل «عشرات الجنود»، كما قُتل نحو 10 مدنيين في (تيتاو)، بينهم 7 تجار من غانا، وهاجم التنظيم في اليوم نفسه عناصر من جهاز المياه والغابات في منطقة (تانجاري) شرقاً؛ ما أسفر عن مقتل نحو 50 عنصراً.

ويشير محللون تحدثوا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن ما يزيد على 130 شخصاً، من جنود بوركينابيين ومقاتلين مدنيين موالين للجيش وعناصر من الجماعة، سقطوا خلال سلسلة المواجهات بين 12 و22 فبراير. ويرى خبراء أن هذه الموجة الأخيرة اتسمت بدرجة عالية من التنسيق؛ نظراً لتزامن عدة هجمات كبرى خلال مدة زمنية قصيرة.

صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

تصعيد في رمضان

لم يصدر بيان رسمي من تنظيم «القاعدة»، يفسر أسباب هذا التصعيد، إلا أن باحثين يلفتون إلى أن التنظيمات الإرهابية غالباً ما تكثف عملياتها قبيل وخلال شهر رمضان، وهو نمط متكرر في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

كما أن الموسم الجاف الحالي يسهل التحركات السريعة في الميدان، بسبب جفاف أفرع الأنهار وتوقف الأمطار؛ ما يمنح المقاتلين قدرة أكبر على تنفيذ عمليات معقدة ومتزامنة.

وتركزت الهجمات الأخيرة في منطقتين تمثلان أهمية استراتيجية ومالية للتنظيم، أولاهما شمال بوركينا فاسو حيث يشكل جسراً نحو القيادة المركزية للتنظيم في مالي، وثانيتهما الشرق الذي يضم مجمع الغابات المعروف على الحدود مع النيجر وبنين؛ ما يتيح توسيع العمليات نحو دول الجوار.

وتوفر هذه الغابات الشاسعة ملاذاً طبيعياً يحمي المقاتلين من الضربات الجوية، كما تمثل مصدر دخل مهماً عبر التجارة غير المشروعة في الأخشاب والسيطرة على مواقع التنقيب الأهلي عن الذهب.

ويرى محللون أن الهجوم على (تانجاري)، القريبة من العاصمة الإقليمية فادا نغورما، يعكس هامش الحركة الواسع الذي اكتسبته الجماعة في الشرق خلال السنوات الأخيرة.

يثير هذا التصعيد تساؤلات حول قدرة جيش بوركينا فاسو على الحد من الخسائر البشرية، رغم أنه أكد في أكثر من مرة تحسن التجهيز والتنظيم والقدرة على التدخل السريع والدعم الناري.

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو في أغسطس 2020 (أ.ب)

وكان الجيش قد أعلن في منتصف فبراير أنه يسيطر على 74 في المائة من أراضي البلاد، مشيراً إلى «استعادة 600 قرية» من قبضة الإرهابيين.

لكن تقرير مجلس الأمن الدولي أشار إلى أن تنظيم «القاعدة» عيّن مؤخراً قيادياً رفيعاً في شرق البلاد، يدعى (سيكو مسلمو)، وهو بوركينابي الجنسية، مكلف بتوسيع نشاط التنظيم نحو بنين وكوت ديفوار وغانا والنيجر وتوغو؛ ما يعكس بعداً إقليمياً متنامياً للتهديد.

وقبل أسبوع، أصدرت «مجموعة الأزمات الدولية» (International Crisis Group)، تقريراً تحت عنوان «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ومعضلة التوسع إلى ما وراء الساحل»، تناولت فيه مخاطر توسيع التنظيم. وتحدثت المجموعة عن التحديات والفرص التي تواجه تنظيم «القاعدة»، في سعيه للتمدد نحو دول خليج غينيا، حيث أشارت المجموعة إلى أن تنظيم القاعدة بدأ الزحف من مالي نحو الجنوب عام 2019، ولكن هدفه لم يكن «السيطرة الإقليمية الكاملة»، وإنما في بعض الأحيان يسعى إلى «خلق مناطق خلفية للانسحاب، أو تخفيف الضغط العسكري في الساحل».

الرئيس الغاني جون ماهاما لدى زيارته أحد مواطنيه المصابين في الهجوم الذي شنه متشددون بشمال بوركينا فاسو الأسبوع الماضي (رويترز)

ضربة في النيجر

على صعيد آخر، أعلن جيش النيجر تنفيذ سلسلة عمليات أمنية واسعة، الأسبوع الماضي، أسفرت عن تحييد 17 عنصراً إرهابياً، واعتقال 33 شخصاً متورطين في أنشطة إجرامية عبر مختلف أنحاء البلاد.

وتواجه النيجر تحديات أمنية كبيرة بسبب تزايد نفوذ جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، تمتلك قدرة كبيرة على تنفيذ هجمات منسقة في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك العاصمة نيامي. وقال الجيش في نشرته الأسبوعية، إن عملياته الأخيرة شملت مهام تأمين ومداهمات واستناداً إلى معلومات استخباراتية، ما مكّن من توقيف مطلوبين وتسليمهم إلى الجهات القضائية المختصة.

وأعلن الجيش أنه استعاد السيطرة على أسلحة وذخيرة، كما رصد 3 عبوات ناسفة بدائية الصنع؛ حيث نجحت الفرق المتخصصة في تفكيك اثنتين منها، بينما انفجرت الثالثة دون تسجيل خسائر بشرية، بينما لحقت أضرار مادية طفيفة بمركبة عسكرية.


رئيس جنوب أفريقيا يأمر بفتح تحقيق في مشاركة إيران بمناورات بحرية

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)
TT

رئيس جنوب أفريقيا يأمر بفتح تحقيق في مشاركة إيران بمناورات بحرية

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا (رويترز)

أمرت رئاسة جنوب أفريقيا، الخميس، بإجراء تحقيق في مشاركة إيران بمناورة بحرية قبالة سواحل كيب تاون، خلافاً لتعليمات سيريل رامابوزا.

وأفادت الرئاسة، في بيان، بأن تشكيل لجنة التحقيق المكونة من ثلاثة قضاة «يتعلق بمخالفة تعليمات الرئيس بعدم مشاركة بحرية إيران في مناورة (إرادة السلام) 2026 التي قادتها الصين وجرت في مياه جنوب أفريقيا».

وشاركت الصين وروسيا في المناورات إلى جانب قوات من دول مجموعة «بريكس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان رامابوزا قد أعطى توجيهات لوزير الدفاع بسحب السفن الحربية الإيرانية الثلاث من المناورات التي تزامنت مع حملة قمع نفذتها السلطات في طهران بحق محتجين. واعتبرت الولايات المتحدة في حينه أن مشاركة إيران كانت «غير مقبولة».

وذكرت وسائل إعلام محلية في ذلك الوقت أن رامابوزا طلب أن تشارك إيران كمراقب فقط، لكن دون جدوى.

وفي أعقاب الجدل الذي أثاره استمرار إيران في المناورات، أعلنت وزارة الدفاع في جنوب أفريقيا منتصف يناير (كانون الثاني) عن فتح تحقيق. لكن الرئاسة قررت تعيين لجنة خاصة بها؛ «لضمان إجراء تحقيق مستقل وفي الوقت المناسب»، بحسب البيان.

وأضافت أن «اللجنة ستحقق وتقدم توصيات فيما يتعلق بالظروف المحيطة بالتدريبات، والعوامل التي ربما أسهمت في عدم مراعاة أمر الرئيس، والشخص المسؤول والعواقب التي ستتبع ذلك». وحدد رامابوزا مهلةً شهراً واحداً للقضاة لإكمال عملهم وتقديم تقريرهم.

وذكّر البيان بأن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الخلافات بين الحكومة والجيش في جنوب أفريقيا إلى العلن.

ففي أغسطس (آب) من العام الماضي، قالت وزارة الخارجية إن «التصريحات التي يدلي بها أفراد أو إدارات غير مسؤولة عن السياسة الخارجية لا ينبغي اعتبارها الموقف الرسمي» للحكومة. وجاء ذلك بعد تصريحات أدلى بها ضابط رفيع المستوى في أثناء زيارته لإيران ونقلتها وسائل الإعلام المحلية في طهران.