5 أسباب تبقي «فاغنر» خياراً جذاباً لدول أفريقية

رغم القلق من تداعيات «تمرد» المجموعة الروسية

مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
TT

5 أسباب تبقي «فاغنر» خياراً جذاباً لدول أفريقية

مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)

تدرك الدول الأفريقية، التي تستعين بخدمات «فاغنر»، أن تداعيات التمرد العسكري للمجموعة الروسية، قد يصل إلى أراضيها آجلاً، إن لم يكن في القريب العاجل، لكنها على ما يبدو تُفضل أن تطمئن لأحاديث الحكومة الروسية في موسكو، بشأن «سير الأمور كالمعتاد»، فثمة 5 أسباب تشكل «عوامل جذب» لاستمرار عمل المجموعة في تلك الدول التي تعاني من اضطرابات أمنية وسياسية. من بينها وفق مراقبين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، عدم الثقة في البديل الغربي، والمخاوف من دخول فاعلين آخرين لاستغلال حالة الفراغ، حال التخلي عن «فاغنر»، والتي بدورها لا تمتلك أي طموحات سياسية أو آيديولوجية، وتُركز فقط على استغلال الموارد الاقتصادية، ما يجعلها محل ثقة لدى بعض الحكام الأفارقة.

وطرح «التمرد المجهض»، والذي لم يدم سوى يوم واحد، في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، تساؤلات حول مستقبل المجموعة، التي برزت وبدعم مُعلن من موسكو، كفاعل رئيسي في القارة السمراء، حيث تسهل عبر مشاريع تجارية سرية، النفوذ الروسي. لكن روسيا سعت مبكراً لطمأنة شركائها، وقال وزير الخارجية سيرجي لافروف، في مقابلة تلفزيونية، الاثنين الماضي، إن أحداث تمرد «فاغنر» «لن تؤثر على العلاقات مع الشركاء والأصدقاء».

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وخص مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، باعتبارهما أكثر المناطق وجوداً لـ«فاغنر»، مشيراً إلى أن «المجموعة ستواصل عملياتها هناك»، معتبراً أن «تخلي أوروبا عن أفريقيا الوسطى ومالي» دفع بهذين البلدين إلى الانفتاح على روسيا ومجموعة «فاغنر» للحصول منها على مدربين عسكريين و«ضمان أمن قادتهما».

ورغم ذلك يبدو أن روسيا تركت الباب مفتوحاً لإمكانية إبراء مسؤوليتها مستقبلاً، مشيرة إلى أن «التعامل مع المجموعة أمر متروك للدول المعنية»، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إن «دول أفريقيا هي من تقرر هل ستستمر في تعاونها مع شركة (فاغنر) أم لا، فهذا يعتبر حقاً سيادياً».

وتشير تقارير لمؤسسات بحثية دولية إلى تمركز قوات «فاغنر» في دول أفريقية عدة، منها مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، إضافة إلى تقديم خدمات أمنية بعدد من دول منطقة الساحل والصحراء. ويصف تقرير نشرته شبكة المجتمع المدني «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان (GIATOC)»، خلال العام الحالي، حول «فاغنر» في أفريقيا، المجموعة بأنها «اللاعب الروسي الأكثر نفوذاً في أفريقيا اليوم».

فيما يشير تحليل نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية (The Council on Foreign Relations - CFR)» إلى أن «فاغنر» تمتلك علاقات قوية مع عديد من الحكومات الأفريقية على مدى العقد الماضي من خلال عمليات في 8 دول أفريقية على الأقل، وفقاً لوثائق أميركية مسربة. وتشير تقارير غربية لوجود نحو 1900 خبير لمساعدة القوات الحكومية في أفريقيا الوسطى، ونحو 1200 من عناصر «فاغنر» يعملون في ليبيا، ومقاتلين في مالي وبوركينا فاسو. بينما يعود تاريخ «فاغنر» في السودان إلى حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، قبل أن تواصل المجموعة علاقتها بقوات «الدعم السريع» هناك حالياً.

حاجة أمنية مُلحة

تقدم «فاغنر» الدعم العسكري للحكومات الأفريقية في الدول الموجودة بها، والتي جاء بعضها عبر انقلابات عسكرية، كما تساعد على احتواء الجماعات المتمردة المسلحة، في ظل ضعف المؤسسات العسكرية والأمنية بتلك الدول، وتنامي الإضرابات والحركات المسلحة، ذات النزعة الانفصالية، كما يوضح محمد تورشين، الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، والمقيم في باريس.

يقول تورشين لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مخاطر من انسحاب (فاغنر) من تلك الدول الأفريقية، خاصة أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو، فالإضرابات الأمنية والسياسية وكثرة الحركات المسلحة المتطرفة، مع وجود أزمات إثنية وقبلية وعقائدية، تجعل استعانة تلك الأنظمة الشمولية ذات التوجهات القمعية بـ(فاغنر)، أمراً حتمياً في الوقت الراهن على الأقل».

ويعيش المجلس العسكري الانتقالي في مالي، الذي جاء بعد انقلابين متتاليين الأول في أغسطس (آب) 2020، والثاني في مايو (أيار) 2021، مرحلة حرجة، نظراً لافتراض تسليمه السلطة عقب انتخابات تُجرى العام المقبل، فيما تعاني بوركينا فاسو وقادتها العسكريون من أزمات أمنية واسعة.

ويتزايد اعتماد المجلس العسكري في البلدين على مسلحي مجموعة «فاغنر» التي تتميز بأنها «تعمل خارج أطر القانون الإنساني الدولي»، كما يؤكد الخبير السوداني، ومن ثم فهي «غير معنية بالقيود التي تُوضع على الحكومات، لذا تمارس انتهاكات بشكل مستمر دون النظر إلى أي تداعيات».

وتتهم الأمم المتحدة عناصر «فاغنر» في مالي، بالتورط في عمليات تعذيب واغتصاب، حيث أعربت مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي عن بالغ قلقها بشأن «تزايد مشاركة مزودي الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة في العمليات الإنسانية». فيما أشارت «مجموعة الأبحاث والمعلومات حول السلام والأمن» ومقرها بروكسل، في دراسة نُشرت في مارس (آذار) الماضي، إلى تورط عناصر مرتزقة في ارتكاب جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان دون تردد.

وترى الدكتورة نورهان الشيخ، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، أن الحاجة الأمنية الملحة تجعل غالبية الدول الأفريقية المعنية تتمسك باستمرار «فاغنر» على أراضيها في الوضع المنظور على الأقل، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن دورها «بات مهماً في تثبيت الأنظمة الهشة هناك، ومن ثم فإن أي تغيير سيكون بالغ التكلفة».

عدم وجود طموح سياسي

ميزة ثانية تجعل «فاغنر» مفضلة لدى القادة الأفارقة العسكريين، تشير إليها السياسية المصرية. تقول نورهان الشيخ: «(فاغنر) هي شركة أمن متعاقدة معها وليس لديها طموح أي عسكري أو سياسي في هذه الدول، بعكس التعامل مع حكومات الدول الغربية التي تتدخل سياسياً بتفضيل حكومات بعينها، بينما يتعلق الأمر فقط في (فاغنر) بالأموال والمصالح الاقتصادية».

وبحسب المحلل البوركينابي والخبير بالشؤون الأفريقية محمد الأمين سوادغو، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من واغادوغو، فإن عمليات المجموعة تمتد إلى ما وراء الجهود الأمنية لتشمل قطاعات الذهب وقطع الأشجار والتعدين، حيث توجد شركات تعدين خاصة تابعة لها، متخصصة في تنقيب الذهب والماس واستخراجهما وبيعهما في عدة بلدان أفريقية لها صلة مباشرة بالكرملين، وأعمالها تصب في مصلحة «فاغنر» فرع أفريقيا قبل غيرهم، وبالتالي فلن يفرطوا في تلك المصالح التي جاؤوا من أجلها، وهي التي تمولهم في أوكرانيا وتساعد الدولة الروسية من الانهيار الكلي أمام العقوبات الغربية الشديدة.

وبالنسبة للحكومات الأفريقية التي تواجه قيوداً مالية، فإنها تجد خدمات «فاغنر» جذابة، كما يوضح سوادغو، حيث «يجري سداد المدفوعات غالباً من خلال حقوق التعدين أو امتيازات الوصول إلى السوق».

دعم روسي غير مشروط

رغم الأزمة فإن ارتباط روسيا بـ«فاغنر» أمر لا مفر منه، حيث تثق الدول الأفريقية بالدعم الروسي، غير المرتبط بمطالب حقوقية أو ديمقراطية، كما يقول سوادغو، حيث إن «فاغنر» لا تعمل وحدها في تلك البلدان، بل معهم خبراء عسكريون روس، يقدمون إلى روسيا خدمة كبيرة بتعزيز نفوذها. ويرى الخبير البوركينابي أن كثيراً من المحللين يخطؤون عند حديثهم عن ملف استعانة بعض الدول الأفريقية بـ«فاغنر» ويعتقدون أنه يمكن سحبهم بعد الحادثة التي حصلت مؤخراً بين قائد المجموعة يفغيني بريغوجين والرئيس بوتين، مؤكداً أن «ولاء الوحدة الموزعة في مختلف بلدان أفريقيا للدولة الروسية وبوتين أكثر من ولائها ليفغيني نفسه، وثمة أخبار عن امتعاضها من تصرفات قائد (فاغنر) في أوكرانيا، وطمأنة قادة البلدان بمواصلة عملهم تحت قيادة أوامر القيادة الروسية».

ويضيف: «مهمة (فاغنر) في بعض بلدان أفريقيا تدريبية تسليحية، فحتى لو غادرت اليوم في بعض معسكراتها... فمن الممكن أن يسد ثغرتهم الخبراء الروس المتخصصون في المجال اللوجيستي والتخطيطي وتوصيل الإمدادات العسكرية والمعلومات اللوجيستية».

وقامت مجموعة «فاغنر» بتوسيع نفوذها في أفريقيا مؤخراً من خلال شبكة من الشركات والتحالفات التي تعمل في منطقة قانونية رمادية، كما توضح نورهان الشيخ، التي تعتقد أنه «حتى إذا حدثت إعادة هيكلة في المجموعة كأحد تداعيات التمرد الأخير، فإن الأمر لن يتجاوز القادة في روسيا وأوكرانيا، ولن يمتد لأفريقيا على النحو الذي يعرقل عملها، وثقة القادة الأفارقة بها».

ضعف البديل الغربي

يعتقد المحلل السياسي الأميركي بوبي جوش أن التطورات الأخيرة تقدم للدول الغربية فرصة ذهبية لاقتلاع مجموعة «فاغنر» وعناصرها من الدول الأفريقية التي تنشط فيها، ويرجع ذلك في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ»، الأسبوع الماضي، إلى تراجع محتمل بسبب اهتزاز الثقة بمستقبل المجموعة، لكن السوداني تورشين، يعتبر أن «الاستعانة بـ(فاغنر) مستمرة، وإن كانت بتغيير الوجهات والأسماء، بسبب ضعف البديل الغربي، خاصة أن هذه الدول هي سبب كل الأزمات التي تعيشها أفريقيا»، على حد قوله، وأن القارة تشهد حالياً «تنامياً للتيار التحريري من الاستعمار الفرنسي والغربي بشكل عام... ولذلك فإن التنافس لا يصب في صالح الغرب».

يتفق سوادغو، قائلاً: «استغلت الدول الغربية أزمة (فاغنر) عبر إعلامها لضرب معنويات الشعوب الأفريقية التي تسعى للخروج من عباءة الاستعمار الغربي الذي أثقل كاهل أفريقيا والمواطن الأفريقي إلى استقلالية تامة... لكن سرعان ما فهمت الشعوب الأفريقية أن أزمة (فاغنر) لن تؤثر على شراكتهم مع روسيا في المجال العسكري المؤقت»، وبينما يعترف بأن ثقة الأفارقة اهتزت بسبب الأزمة في روسيا، ففي المقابل إذا استمر الوضع الراهن فسيكون عبر الاعتماد على النفس مع تعدد الشراكات مع جميع القوى العالمية، بعيداً عن الاستغلال الغربي، كتوسعة الشراكة مع الصين وتركيا وكوريا الشمالية».

منع دخول فاعلين آخرين

أحد عوامل الجذب، التي تجعل الأفارقة يفضلون استمرار التعاون مع «فاغنر»، هو الخوف من دخول فاعلين آخرين لاستغلال حالة الفراغ الأمني التي قد يسببها انسحاب تلك القوات، مثل الجماعات المتمردة المسلحة. ويتوقع الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن يؤدي انسحاب قوات «فاغنر» في حالة جمهورية أفريقيا الوسطى، مثلاً، إلى إعطاء فرصة للجماعات المتمردة المسلحة لاكتساب المزيد من الأراضي وزعزعة استقرار البلاد، وينطبق السيناريو نفسه على مالي وبوركينا فاسو، وليبيا التي تساند فيها فاغنر «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر.

الأمر قد يصبح أكثر صعوبةً، وفقاً لعبد الرحمن، إذا قررت موسكو حل مجموعة «فاغنر»، فمن المُحتمل أن تتحول «فاغنر» إلى هياكل مرتزقة فرعية لا يمكن السيطرة عليها، وتؤسس علاقاتها الخاصة مع الحكومات المحلية، متجاهلة نفوذ موسكو.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».