5 أسباب تبقي «فاغنر» خياراً جذاباً لدول أفريقية

رغم القلق من تداعيات «تمرد» المجموعة الروسية

مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
TT

5 أسباب تبقي «فاغنر» خياراً جذاباً لدول أفريقية

مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)

تدرك الدول الأفريقية، التي تستعين بخدمات «فاغنر»، أن تداعيات التمرد العسكري للمجموعة الروسية، قد يصل إلى أراضيها آجلاً، إن لم يكن في القريب العاجل، لكنها على ما يبدو تُفضل أن تطمئن لأحاديث الحكومة الروسية في موسكو، بشأن «سير الأمور كالمعتاد»، فثمة 5 أسباب تشكل «عوامل جذب» لاستمرار عمل المجموعة في تلك الدول التي تعاني من اضطرابات أمنية وسياسية. من بينها وفق مراقبين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، عدم الثقة في البديل الغربي، والمخاوف من دخول فاعلين آخرين لاستغلال حالة الفراغ، حال التخلي عن «فاغنر»، والتي بدورها لا تمتلك أي طموحات سياسية أو آيديولوجية، وتُركز فقط على استغلال الموارد الاقتصادية، ما يجعلها محل ثقة لدى بعض الحكام الأفارقة.

وطرح «التمرد المجهض»، والذي لم يدم سوى يوم واحد، في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، تساؤلات حول مستقبل المجموعة، التي برزت وبدعم مُعلن من موسكو، كفاعل رئيسي في القارة السمراء، حيث تسهل عبر مشاريع تجارية سرية، النفوذ الروسي. لكن روسيا سعت مبكراً لطمأنة شركائها، وقال وزير الخارجية سيرجي لافروف، في مقابلة تلفزيونية، الاثنين الماضي، إن أحداث تمرد «فاغنر» «لن تؤثر على العلاقات مع الشركاء والأصدقاء».

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وخص مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، باعتبارهما أكثر المناطق وجوداً لـ«فاغنر»، مشيراً إلى أن «المجموعة ستواصل عملياتها هناك»، معتبراً أن «تخلي أوروبا عن أفريقيا الوسطى ومالي» دفع بهذين البلدين إلى الانفتاح على روسيا ومجموعة «فاغنر» للحصول منها على مدربين عسكريين و«ضمان أمن قادتهما».

ورغم ذلك يبدو أن روسيا تركت الباب مفتوحاً لإمكانية إبراء مسؤوليتها مستقبلاً، مشيرة إلى أن «التعامل مع المجموعة أمر متروك للدول المعنية»، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إن «دول أفريقيا هي من تقرر هل ستستمر في تعاونها مع شركة (فاغنر) أم لا، فهذا يعتبر حقاً سيادياً».

وتشير تقارير لمؤسسات بحثية دولية إلى تمركز قوات «فاغنر» في دول أفريقية عدة، منها مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، إضافة إلى تقديم خدمات أمنية بعدد من دول منطقة الساحل والصحراء. ويصف تقرير نشرته شبكة المجتمع المدني «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان (GIATOC)»، خلال العام الحالي، حول «فاغنر» في أفريقيا، المجموعة بأنها «اللاعب الروسي الأكثر نفوذاً في أفريقيا اليوم».

فيما يشير تحليل نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية (The Council on Foreign Relations - CFR)» إلى أن «فاغنر» تمتلك علاقات قوية مع عديد من الحكومات الأفريقية على مدى العقد الماضي من خلال عمليات في 8 دول أفريقية على الأقل، وفقاً لوثائق أميركية مسربة. وتشير تقارير غربية لوجود نحو 1900 خبير لمساعدة القوات الحكومية في أفريقيا الوسطى، ونحو 1200 من عناصر «فاغنر» يعملون في ليبيا، ومقاتلين في مالي وبوركينا فاسو. بينما يعود تاريخ «فاغنر» في السودان إلى حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، قبل أن تواصل المجموعة علاقتها بقوات «الدعم السريع» هناك حالياً.

حاجة أمنية مُلحة

تقدم «فاغنر» الدعم العسكري للحكومات الأفريقية في الدول الموجودة بها، والتي جاء بعضها عبر انقلابات عسكرية، كما تساعد على احتواء الجماعات المتمردة المسلحة، في ظل ضعف المؤسسات العسكرية والأمنية بتلك الدول، وتنامي الإضرابات والحركات المسلحة، ذات النزعة الانفصالية، كما يوضح محمد تورشين، الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، والمقيم في باريس.

يقول تورشين لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مخاطر من انسحاب (فاغنر) من تلك الدول الأفريقية، خاصة أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو، فالإضرابات الأمنية والسياسية وكثرة الحركات المسلحة المتطرفة، مع وجود أزمات إثنية وقبلية وعقائدية، تجعل استعانة تلك الأنظمة الشمولية ذات التوجهات القمعية بـ(فاغنر)، أمراً حتمياً في الوقت الراهن على الأقل».

ويعيش المجلس العسكري الانتقالي في مالي، الذي جاء بعد انقلابين متتاليين الأول في أغسطس (آب) 2020، والثاني في مايو (أيار) 2021، مرحلة حرجة، نظراً لافتراض تسليمه السلطة عقب انتخابات تُجرى العام المقبل، فيما تعاني بوركينا فاسو وقادتها العسكريون من أزمات أمنية واسعة.

ويتزايد اعتماد المجلس العسكري في البلدين على مسلحي مجموعة «فاغنر» التي تتميز بأنها «تعمل خارج أطر القانون الإنساني الدولي»، كما يؤكد الخبير السوداني، ومن ثم فهي «غير معنية بالقيود التي تُوضع على الحكومات، لذا تمارس انتهاكات بشكل مستمر دون النظر إلى أي تداعيات».

وتتهم الأمم المتحدة عناصر «فاغنر» في مالي، بالتورط في عمليات تعذيب واغتصاب، حيث أعربت مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي عن بالغ قلقها بشأن «تزايد مشاركة مزودي الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة في العمليات الإنسانية». فيما أشارت «مجموعة الأبحاث والمعلومات حول السلام والأمن» ومقرها بروكسل، في دراسة نُشرت في مارس (آذار) الماضي، إلى تورط عناصر مرتزقة في ارتكاب جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان دون تردد.

وترى الدكتورة نورهان الشيخ، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، أن الحاجة الأمنية الملحة تجعل غالبية الدول الأفريقية المعنية تتمسك باستمرار «فاغنر» على أراضيها في الوضع المنظور على الأقل، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن دورها «بات مهماً في تثبيت الأنظمة الهشة هناك، ومن ثم فإن أي تغيير سيكون بالغ التكلفة».

عدم وجود طموح سياسي

ميزة ثانية تجعل «فاغنر» مفضلة لدى القادة الأفارقة العسكريين، تشير إليها السياسية المصرية. تقول نورهان الشيخ: «(فاغنر) هي شركة أمن متعاقدة معها وليس لديها طموح أي عسكري أو سياسي في هذه الدول، بعكس التعامل مع حكومات الدول الغربية التي تتدخل سياسياً بتفضيل حكومات بعينها، بينما يتعلق الأمر فقط في (فاغنر) بالأموال والمصالح الاقتصادية».

وبحسب المحلل البوركينابي والخبير بالشؤون الأفريقية محمد الأمين سوادغو، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من واغادوغو، فإن عمليات المجموعة تمتد إلى ما وراء الجهود الأمنية لتشمل قطاعات الذهب وقطع الأشجار والتعدين، حيث توجد شركات تعدين خاصة تابعة لها، متخصصة في تنقيب الذهب والماس واستخراجهما وبيعهما في عدة بلدان أفريقية لها صلة مباشرة بالكرملين، وأعمالها تصب في مصلحة «فاغنر» فرع أفريقيا قبل غيرهم، وبالتالي فلن يفرطوا في تلك المصالح التي جاؤوا من أجلها، وهي التي تمولهم في أوكرانيا وتساعد الدولة الروسية من الانهيار الكلي أمام العقوبات الغربية الشديدة.

وبالنسبة للحكومات الأفريقية التي تواجه قيوداً مالية، فإنها تجد خدمات «فاغنر» جذابة، كما يوضح سوادغو، حيث «يجري سداد المدفوعات غالباً من خلال حقوق التعدين أو امتيازات الوصول إلى السوق».

دعم روسي غير مشروط

رغم الأزمة فإن ارتباط روسيا بـ«فاغنر» أمر لا مفر منه، حيث تثق الدول الأفريقية بالدعم الروسي، غير المرتبط بمطالب حقوقية أو ديمقراطية، كما يقول سوادغو، حيث إن «فاغنر» لا تعمل وحدها في تلك البلدان، بل معهم خبراء عسكريون روس، يقدمون إلى روسيا خدمة كبيرة بتعزيز نفوذها. ويرى الخبير البوركينابي أن كثيراً من المحللين يخطؤون عند حديثهم عن ملف استعانة بعض الدول الأفريقية بـ«فاغنر» ويعتقدون أنه يمكن سحبهم بعد الحادثة التي حصلت مؤخراً بين قائد المجموعة يفغيني بريغوجين والرئيس بوتين، مؤكداً أن «ولاء الوحدة الموزعة في مختلف بلدان أفريقيا للدولة الروسية وبوتين أكثر من ولائها ليفغيني نفسه، وثمة أخبار عن امتعاضها من تصرفات قائد (فاغنر) في أوكرانيا، وطمأنة قادة البلدان بمواصلة عملهم تحت قيادة أوامر القيادة الروسية».

ويضيف: «مهمة (فاغنر) في بعض بلدان أفريقيا تدريبية تسليحية، فحتى لو غادرت اليوم في بعض معسكراتها... فمن الممكن أن يسد ثغرتهم الخبراء الروس المتخصصون في المجال اللوجيستي والتخطيطي وتوصيل الإمدادات العسكرية والمعلومات اللوجيستية».

وقامت مجموعة «فاغنر» بتوسيع نفوذها في أفريقيا مؤخراً من خلال شبكة من الشركات والتحالفات التي تعمل في منطقة قانونية رمادية، كما توضح نورهان الشيخ، التي تعتقد أنه «حتى إذا حدثت إعادة هيكلة في المجموعة كأحد تداعيات التمرد الأخير، فإن الأمر لن يتجاوز القادة في روسيا وأوكرانيا، ولن يمتد لأفريقيا على النحو الذي يعرقل عملها، وثقة القادة الأفارقة بها».

ضعف البديل الغربي

يعتقد المحلل السياسي الأميركي بوبي جوش أن التطورات الأخيرة تقدم للدول الغربية فرصة ذهبية لاقتلاع مجموعة «فاغنر» وعناصرها من الدول الأفريقية التي تنشط فيها، ويرجع ذلك في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ»، الأسبوع الماضي، إلى تراجع محتمل بسبب اهتزاز الثقة بمستقبل المجموعة، لكن السوداني تورشين، يعتبر أن «الاستعانة بـ(فاغنر) مستمرة، وإن كانت بتغيير الوجهات والأسماء، بسبب ضعف البديل الغربي، خاصة أن هذه الدول هي سبب كل الأزمات التي تعيشها أفريقيا»، على حد قوله، وأن القارة تشهد حالياً «تنامياً للتيار التحريري من الاستعمار الفرنسي والغربي بشكل عام... ولذلك فإن التنافس لا يصب في صالح الغرب».

يتفق سوادغو، قائلاً: «استغلت الدول الغربية أزمة (فاغنر) عبر إعلامها لضرب معنويات الشعوب الأفريقية التي تسعى للخروج من عباءة الاستعمار الغربي الذي أثقل كاهل أفريقيا والمواطن الأفريقي إلى استقلالية تامة... لكن سرعان ما فهمت الشعوب الأفريقية أن أزمة (فاغنر) لن تؤثر على شراكتهم مع روسيا في المجال العسكري المؤقت»، وبينما يعترف بأن ثقة الأفارقة اهتزت بسبب الأزمة في روسيا، ففي المقابل إذا استمر الوضع الراهن فسيكون عبر الاعتماد على النفس مع تعدد الشراكات مع جميع القوى العالمية، بعيداً عن الاستغلال الغربي، كتوسعة الشراكة مع الصين وتركيا وكوريا الشمالية».

منع دخول فاعلين آخرين

أحد عوامل الجذب، التي تجعل الأفارقة يفضلون استمرار التعاون مع «فاغنر»، هو الخوف من دخول فاعلين آخرين لاستغلال حالة الفراغ الأمني التي قد يسببها انسحاب تلك القوات، مثل الجماعات المتمردة المسلحة. ويتوقع الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن يؤدي انسحاب قوات «فاغنر» في حالة جمهورية أفريقيا الوسطى، مثلاً، إلى إعطاء فرصة للجماعات المتمردة المسلحة لاكتساب المزيد من الأراضي وزعزعة استقرار البلاد، وينطبق السيناريو نفسه على مالي وبوركينا فاسو، وليبيا التي تساند فيها فاغنر «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر.

الأمر قد يصبح أكثر صعوبةً، وفقاً لعبد الرحمن، إذا قررت موسكو حل مجموعة «فاغنر»، فمن المُحتمل أن تتحول «فاغنر» إلى هياكل مرتزقة فرعية لا يمكن السيطرة عليها، وتؤسس علاقاتها الخاصة مع الحكومات المحلية، متجاهلة نفوذ موسكو.


مقالات ذات صلة

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )

الأمم المتحدة: «إيبولا» يقضي على مصاب كل ثلاثين دقيقة في الكونغو الديمقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: «إيبولا» يقضي على مصاب كل ثلاثين دقيقة في الكونغو الديمقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)

أعلن مسؤول بارز في الأمم المتحدة، الجمعة، أن فيروس «إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يودي بحياة شخص كل ثلاثين دقيقة، داعيا إلى تحرك دولي أكبر لمكافحة تفشيه.

عمال في المجال الطبي يحملون غطاء نعش أحد المتوفين بفيروس «إيبولا» في أحد مستشفيات الكونغو الديمقراطية (إ.ب.أ)

وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في بيان «يُعد هذا التفشي الأسرع انتشارا على الإطلاق»، مضيفا «نحن بحاجة إلى السرعة وتوسيع نطاق الاستجابة والتضامن قبل أن يتقدم الفيروس علينا أكثر».

وأودى تفشي فيروس إيبولا بحياة ما لا يقل عن 2128 شخصا من بين أكثر من 4500 إصابة منذ الإعلان عن ظهوره في الكونغو الديمقراطية في 15 مايو (أيار)، حيث كانت الأمم المتحدة قد نبهت إلى أن هذا التفشي في طريقه ليصبح الأكثر فتكا في تاريخ المرض.

وحذر فليتشر بعد أن استعرض أحدث الجهود لاحتواء الفيروس الذي ينتقل عبر ملامسة سوائل الجسم ويسبب حمى نزفية، من أن «إيبولا ينتصر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا يمكننا السماح للفيروس بأن يتجاوز استجابتنا».

وكشف أن «الوباء يقتل شخصا كل 30 دقيقة»، مشيرا إلى أن «أعدادا أكبر بكثير من الناس معرضون للخطر».

وذكر فليتشر أن الدول تبرعت حتى الآن بنحو 300 مليون دولار لصندوق مخصص لمكافحة هذا التفشي.

وعقب اجتماع لوكالات الأمم المتحدة، أعلن عن تخصيص 30,5 مليون دولار إضافية من صندوق الطوارئ التابع للأمم المتحدة، لتضاف إلى 24 مليون دولار خُصصت لمساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية وأربع دول أخرى في التصدي للوباء.

وسُجلت إصابات في ست مقاطعات في الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى أوغندا، كما رُصدت حالات بالقرب من الحدود مع جنوب السودان.

وأشار فليتشر إلى إرسال 20 موظفا إضافيا إلى «الخطوط الأمامية» لمواجهة إيبولا، لكنه أكد أن هناك حاجة للمزيد.

وقال «نحتاج إلى مضاعفة عدد الفرق التي تضمن عمليات دفن آمنة وكريمة، ومضاعفة القدرة الاستيعابية للعلاج ثلاث مرات وتحسين عمليات تتبع المخالطين ونشر المزيد من المديرين ذوي الخبرة».

وأضاف «والأهم من ذلك، يجب علينا تلبية الاحتياجات الهائلة للمياه والنظافة والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية في المنطقة».

ويعود التفشي الـ17 للإيبولا إلى سلالة بونديبوغيو التي لا يوجد لها علاج أو لقاح معروف.

وأودى فيروس إيبولا بحياة أكثر من 15 ألف شخص في إفريقيا على مدار الخمسين عاما الماضية.

أما التفشي الأكثر فتكا الذي امتد بين عامي 2018 و2020، فقد أدى إلى وفاة نحو 2300 شخص من أصل 3500 إصابة.


مالي: تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
TT

مالي: تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

أعلن في دولة مالي، الخميس، عن تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين الطوارق، وقعوا في الأسر خلال المواجهات العسكرية في شمال مالي منذ 2023، وسط تضارب في الروايات حيال عملية التحرير.

وتشهد دولة مالي مواجهات مسلحة عنيفة بين الجيش المالي المدعوم من القوات الروسية، والمتمردين الطوارق المتحالفين مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، وقد وصلت هذه المواجهات ذروتها في شهر أبريل (نيسان) الماضي، حين هاجم المتمردون وتنظيم «القاعدة» عدة مدن مالية، من بينها العاصمة باماكو، وهي الهجمات التي قتل فيها وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا.

وخلال هذه المعارك، وقع في الأسر عشرات الجنود الماليين، فيما قتل المئات من المتمردين ومسلحي «القاعدة»، حسب إحصائيات الجيش المالي.

تصاعد الدخان في مكان الهجوم في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

رواية المتمردين

وفي تطور جديد، أعلنت «جبهة تحرير أزواد»، المشكَّلة في الغالب من المقاتلين الطوارق، إطلاق سراح 82 عسكرياً مالياً، وهو ما بررته بأنه يأتي امتثالاً لما قالت إنها «قيم الإسلام النبيلة القائمة على الرحمة والإحسان».

كما أكدت الجبهة أنها تفرج عن العسكريين الماليين «استناداً إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني، وإلى اتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة الأسرى»، دون أن تشير إلى وجود أي صفقة، مكتفية بالقول إنها سلمت العسكريين المفرج عنهم إلى ممثلين عن الجيش المالي، «وفقاً للترتيبات التي تم الاتفاق عليها بهذا الشأن».

وأوضحت الجبهة، في بيان صحافي، أنها هي من حدد زمان ومكان تسليم الأسرى، دون أن تضيف أي تفاصيل أخرى.

أرشيفية لهجوم شنه مسلحون انفصاليون في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

رواية الجيش

من جانبها، أعلنت هيئة الأركان العامة للجيوش في مالي، عن تحرير العسكريين من الأسر لدى من وصفتها بأنها «جماعات مسلحة إرهابية تابعة لتحالف (نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)»، وأكدت قيادة الجيش أن «العسكريين المحررين باتوا الآن في أمان، وتتكفل بهم المصالح المختصة».

ولم تفصح هيئة أركان الجيش المالي عن أي تفاصيل حول كواليس تحرير الجنود الأسرى، ولكنها احتفت بتحريرهم وقالت إنه «يأتي تتويجاً لعملية انطلقت منذ لحظة أسرهم، وشهدت تخطيطاً صارماً وتعبئة منسقة للقدرات اللازمة لإدارة هذا النوع من العمليات».

وأشادت قيادة الجيش بما قالت إنه «شجاعة وصمود وكرامة العسكريين خلال فترة احتجازهم»، كما أعربت عن «امتنانها العميق لعائلاتهم على صبرها وثقتها وقوتها المعنوية الملحوظة طوال هذه المحنة».

وفيما يحتفي الطرفان، المتمردون والجيش، بالإفراج عن الجنود الأسرى، يتساءل مراقبون عن الصفقة التي تم بموجبها ذلك، حيث تجري العادة بأن المتمردين يقدمون طلبات مقابل الإفراج عن الأسرى، من أهمها تحرير سجناء لدى باماكو.

حركة مرور على أحد الطرق الرئيسية في العاصمة المالية باماكو (أ.ف.ب)

حصيلة الجيش

على صعيد آخر، كان الجيش المالي قد أعلن، الثلاثاء، أن عملياته العسكرية أسفرت عن مقتل أكثر من 1800 مسلح، وتدمير عشرات القواعد اللوجستية التابعة للمتمردين والجماعات الإرهابية، خلال شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026.

وقال العقيد بكاري بوبكر مايغا، مدير الاتصال والعلاقات العامة في الجيش المالي، إن عمليات الجيش أسفرت عن مقتل 1850 مسلحاً، وتدمير 45 قاعدة للجماعات المسلحة، خلال هذه الفترة، وذلك في أعقاب الهجوم الذي شنه المتمردون ضد قاعدة للجيش في أنفيس.

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

وأضاف مايغا في حصيلة قدمها أمام الصحافة، أن الجيش المالي دمر 153 سيارة من نوع (بيك آب)، وأكثر من 230 دراجة نارية، ومعدات لوجستية مختلفة، مشيراً إلى أن الجيش نفذ خلال هذه الفترة «1545 طلعة جوية، مثلت 5336 ساعة طيران»، أسهمت في «تحييد العديد من المواقع اللوجستية المنسوبة للجماعات المسلحة الإرهابية».

وأشار إلى العمليات العسكرية، التي نفذها الجيش لتأمين الأنشطة الاقتصادية، ومن بينها «مواكبة 15589 صهريجاً»، نحو نصفها محمل بالوقود، ضمنها أكثر من 900 صهريج تم إدخالها في 11 يوليو إلى العاصمة باماكو.


14 مرشحاً يتنافسون في انتخابات رئاسية «شبه محسومة» في زامبيا

صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
TT

14 مرشحاً يتنافسون في انتخابات رئاسية «شبه محسومة» في زامبيا

صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

توجه الناخبون في زامبيا، الخميس، إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للبلاد من بين 14 مرشحاً، يعد أوفرهم حظاً الرئيس المنتهية ولايته هاكايندي هيشيليما، الساعي لولاية رئاسية ثانية، ويراهن في ذلك على ما حققه من نتائج اقتصادية مهمة خلال سنواته الخمس الأولى، في بلد يعد ثاني منتج للنحاس في القارة الأفريقية.

ودُعي نحو 8.7 مليون ناخب للتصويت في البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 22 مليون نسمة، وذلك في إطار انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية تجري في وقت واحد، ويتوقع إعلان النتائج يوم الاثنين المقبل.

الرئيس المنتهية ولايته هاكايندي هيشيليما وسط ناخبين وإعلاميين بعد الإدلاء بصوته في لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

ورقة الاقتصاد

وتُشكل هذه الانتخابات اختباراً جديداً لهذا البلد المشهود له بالاستقرار في منطقة أفريقيا الجنوبية؛ إذ يتولى الرئيس هيشيليما قيادته منذ عام 2021، ويخوض الانتخابات مستنداً إلى سجله الاقتصادي، بعدما قاد زامبيا خلال عملية إعادة هيكلة ديونها وتحقيق التعافي الاقتصادي، في أعقاب تخلفها عن سداد ديونها السيادية عام 2020.

وحصلت حكومته على اتفاق تاريخي لإعادة هيكلة الديون، واستعادت برنامجاً مع صندوق النقد الدولي، لتستأنف النمو المتوقع عند 5 في المائة هذا العام، وحصلت على إشادات من المانحين والمستثمرين الدوليين.

ولكن هيشيليما، الذي وصل إلى السلطة بعد انتقال ديمقراطي سلمي، يواجه اتهامات بالتضييق على الحريات السياسية خلال السنوات الخمس التي حكم فيها البلاد، رغم أنه ظل في صفوف المعارضة لعقود طويلة، وخسر الانتخابات الرئاسية 5 مرات، قبل أن يفوز بها في محاولته السادسة (2021).

وحقق رجل الأعمال الحذق، ذو الأصول المتواضعة، الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 ببراعة، حين أسقط غريمه السياسي إدغار لونغو من السلطة، والذي توفي العام الماضي حين كان يقيم في جنوب أفريقيا.

ناخبون ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

منافسة مفاجئة

وفيما بدت الأمور شبه محسومة لصالح الرئيس المنتهية ولايته، حسب مراقبين محليين، برز اسم عضو البرلمان المخضرم، بريان موندوبيلي (55 عاماً)، بصفته المنافس الجدي الوحيد من بين 13 مرشحاً لمواجهة الرئيس.

ويتزعم موندوبيلي تحالفاً معارضاً يحظى بدعم أنصار ⁠سلف هيشيليما، الرئيس الراحل إدغار لونغو، ولكنه يخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الأولى، ما يعكس انعدام خبرته السياسية، ولكنه يوصف بأنه قادر على إرباك سيناريو الفوز المحسوم مسبقاً للرئيس المنتهية ولايته.

موندوبيلي، الآتي من خلفية قانونية؛ حيث سبق أن عمل محامياً، يعتمدُ في خطابه السياسي على انتقاد السياسات الاقتصادية للحكومة؛ إذ يقدم نفسه على أنه مدافع عن 70 في المائة من السكان، يعيشون بأقل من 3 يوروات يومياً.

واتهم موندوبيلي، الأربعاء، الحكومة بإعاقة حملته الانتخابية، وقال إن الشرطة تدخلت عدة مرات في أنشطته الانتخابية، كما تعرضت حملته لأعمال عنف من أنصار الرئيس، وإلغاء تصاريح الطيران، ما منعه من عقد بعض التجمعات الانتخابية في الأقاليم، وفق تعبيره.

وقال موندوبيلي: «الانتخابات ليست حدثاً عابراً. وما حدث للتو لا يمكن أن يفضي إلا إلى استنتاج واحد ووحيد: الانتخابات لن تكون حرة ولا عادلة».

لوحة انتخابية تحمل صور وأسماء المرشحين الـ14 للانتخابات الرئاسية في لوساكا الخميس (رويترز)

ولكن حظوظ موندوبيلي في الفوز تظل محدودة؛ إذ بدأ حملته الانتخابية في مايو (أيار) الماضي، فلم يكن أمامه سوى وقت قصير لترسيخ حضوره وإقناع الناخبين بالتصويت لحزب يكاد يكون اسمه غير معروف.

الاستقرار أولاً

ويتبع التصويت في زامبيا مناطق نفوذ تقليدية؛ إذ يسيطر هيشيليما وحزبه «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» على الجنوب والغرب، في حين يظل الشمال وحزام النحاس (كوبيربيلت) معاقل لـ«الجبهة الوطنية» التابعة للرئيس السابق لونغو، والتي تُشكّل القاعدة الانتخابية لموندوبيلي.

ورغم أن الاقتراع هذا العام يتسم بـ«تنافسية مفاجئة»، فإنه يُتوقع أن يظل الناخبون الباحثون عن الاستقرار أوفياء لهيشيليما، حسب توقعات باتيانس موسوسا، المتخصصة في الشأن الزامبي في المعهد النوردي لأفريقيا ومقره السويد.

مسؤول انتخابي في مركز اقتراع في لوساكا الخميس (رويترز)

وتُضيف المحللة في حديث مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «رغم الانتقادات الموجهة لبطء تقدمه في معالجة الاختلالات الهيكلية والتصدّي للفساد، والمخاوف المتعلقة بإعطائه الأولوية للمصالح الخاصة، فإنه يُنظر إليه بوصفه قائداً أكثر قدرة على التنبؤ بمساره».

وتتوقع اللجنة الانتخابية الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية بحلول 17 أغسطس (آب)، ويجب أن يحصل المرشح الرئاسي على أكثر من 50 في المائة من الأصوات للفوز ⁠من الجولة الأولى، وإلا تُجرى جولة ثانية بين الاثنين الحاصلين على أعلى عدد من الأصوات.

وإذا ⁠اتجهت الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية فيتعين إجراؤها خلال 37 يوماً من موعد الاقتراع الأول.