تسعى باكستان إلى تحويل المكاسب الدبلوماسية التي حقّقتها بفضل وساطتها في حرب إيران إلى تعاون أمني أوسع واستثمارات أميركية في قطاع المعادن، من خلال «عقد ضغط» في واشنطن بقيمة 1.2 مليون دولار، وفق وثيقة رسمية.
وأُودع العقد الذي يمتد لعامَيْن في قاعدة بيانات رسمية متاحة للجمهور وبدأ سريانه في مايو (أيار). ويُغطّي العقد فترة يرى مسؤولون وخبراء أنها حاسمة لتحويل رصيد حسن النية الذي اكتسبته باكستان لدى إدارة دونالد ترمب إلى مكاسب ملموسة في العلاقات الثنائية.
لكن إسلام آباد قد تواجه مهمة صعبة. وقالت السفيرة الباكستانية السابقة في واشنطن، مليحة لودهي: «لا يمكن الجزم بمدة استمرار هذا التحسن اللافت في العلاقات في ظل ما اتسمت به من تقلبات».
وأضافت: «والسؤال المطروح أيضاً: هل سيستمر هذا التحسن بعد انتهاء ولاية دونالد ترمب؟»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».
وينص العقد على تكليف مجموعة «إرفين غريفز ستراتيجي»، ومقرها في مبنى الكابيتول، بالتواصل مع الكونغرس الأميركي والحكومة، وتيسير الاجتماعات بما في ذلك اجتماعات مع مسؤولين من البنتاغون ومجلس الأمن القومي.
تعزيز الحضور
يُعدّ هذا العقد امتداداً لاتفاقية قصيرة الأجل أُبرمت بين السفارة الباكستانية في واشنطن والمجموعة في أكتوبر (تشرين الأول)، إلا أن الترتيب الجديد يُضاعف الدفعة الشهرية إلى 50 ألف دولار.
ولم ترد وزارة الخارجية الباكستانية على طلب «وكالة الصحافة الفرنسية» للتعليق على العقد.
وقال متحدث باسم «الخارجية الأميركية» إن البلدين «يواصلان تحديد مجالات التعاون التي تعود بالنفع على بلدينا فيما يتعلق بالتجارة وبعض الأولويات الأمنية».
وتستعين الحكومات عادة بمؤسسات ضغط لتعزيز حضورها لدى دوائر صنع القرار في واشنطن.
ويتيح أحدث عقد أبرمته باكستان، الذي تم الكشف عنه بموجب القانون الأميركي المتعلق بتسجيل الوكلاء الأجانب، الاطلاع بشكل مباشر على الأولويات الاستراتيجية لإسلام آباد.
وتضع الاتفاقية أطر الجهود لإعادة تفعيل آليات التعاون الدفاعي التي كانت قائمة خلال حرب أفغانستان، وجذب الاستثمارات إلى قطاع المعادن الذي تهيمن عليه الصين حالياً.
وقالت الدبلوماسية الأميركية السابقة في باكستان، رئيسة برنامج جنوب آسيا في مركز «ستيمسون»، إليزابيث ثريلكيلد، إن «العقد يُبرز جوانب من العلاقة تتوافق مع أولويات إدارة ترمب، بما في ذلك المعادن الحيوية ومكافحة الإرهاب».
منظور أمني
وأوضحت إليزابيث ثريلكيلد أن النص يُظهر أيضاً «اهتماماً بالتواصل مع (الكونغرس) لتوسيع قاعدة الدعم للشراكة».
ويتضمن توجيهاً لتأكيد «التهديدات الناجمة عن أفغانستان» و«تشجيع مواصلة الدعم الأميركي لجهود باكستان في مكافحة الإرهاب»، في وقتٍ تشن إسلام آباد ضربات على جارتها، رداً على أعمال عنف ينفذها مسلحون.
وتنفي حكومة «طالبان» الأفغانية تورّط كابل في أي أعمال عنف مسلحة في باكستان.
وعززت علاقة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع ترمب حضور إسلام آباد في علاقة ثنائية لطالما ركزت على البُعد الأمني.
ويصف الرئيس الأميركي منير بأنه «قائده الميداني المفضل»، وذلك بعد تعارفهما عقب نزاع مع الهند بذل ترمب جهود وساطة لوضع حد له العام الماضي.
وقال مصدر مُطلع إن المساعدة التي قدمتها باكستان في المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي أفضت إلى مذكرة التفاهم في يونيو (حزيران) الماضي، أتاحت فرصة سانحة لذلك.
وأكد مصدر طلب عدم الكشف عن هويته: «نسعى إلى أن تتجاوز العلاقات الطابع الشخصي، وأن تصبح مؤسسية بما يكفل استمرارها رغم تغير الحكومات».
فتور
عموماً، شهدت علاقات إسلام آباد مع واشنطن فتوراً منذ انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان عام 2021، بعد حرب استمرت 20 عاماً شكلت جزءاً كبيراً من طبيعة هذه العلاقة.
وكلّفت باكستان مجموعة «إرفين غريفز» بالعمل على «استئناف... آليات الحوار الثنائي الرفيعة المستوى المناسبة في مجالي الدفاع والأمن».
وحسب العقد، قد يتخذ ذلك شكل إعادة تفعيل المجموعة الاستشارية للدفاع، وهي المنتدى الذي دعم التعاون الأميركي-الباكستاني خلال حرب أفغانستان.
وقال الزميل في مركز «أتلانتيك كاونسيل» البحثي، مؤلف كتاب «معركة باكستان: الصداقة الأميركية المريرة والجوار المتوتر»، شجاع نواز، إن المجموعة الاستشارية للدفاع «تراجعت تدريجياً مع انخفاض المساعدات الأمنية المقدمة إلى باكستان».
وفي أوج هذه الشراكة، حصلت باكستان على مليارات الدولارات من التمويل الأميركي، فيما اعتمدت عليها واشنطن في تأمين خطوط الإمداد العسكرية والتعاون في مكافحة الإرهاب.
انتكاسة
غير أن هذه العلاقة تعرضت لانتكاسة عام 2011، عندما عثرت القوات الأميركية على أسامة بن لادن، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) التي أودت بقرابة 3000 شخص، خلال عملية مداهمة لمجمع سكني في باكستان.
وقال نواز: «اليوم، لا مساعدات أميركية مباشرة جديرة بالذكر».
وصرح مصدر أمني باكستاني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن العلاقات الدفاعية مستمرة.
وأضاف المصدر: «رغم تذبذب نطاق التعاون ومستوى كثافته، فإن التعاون الأمني لم ينقطع إلا نادراً»، مشدداً على أن التعاون الاستخباراتي أفضى العام الماضي إلى اعتقال عنصر من تنظيم «داعش» يُشتبه في ضلوعه في هجوم مميت على مطار كابل عام 2021.
استثمار ومعادن
وثمة قسم من عقد الضغط مخصص لقطاع المعادن، وهو أولوية استراتيجية عالمية لإدارة ترمب، إذ يُوجه الشراكة إلى «دعم الجهود المبذولة لتحديد فرص التعاون».
ويتعيّن على مؤسسة «إرفين غريفز» تقديم توصيات بشأن سياسات باكستان واستراتيجياتها في مجال الاستثمار، وتحديد المستثمرين المحتملين، وفقاً لما جاء في العقد.
ومن شأن ذلك أن يعزز اهتمام الولايات المتحدة بقطاع التعدين في إقليم بلوشستان الشاسع جنوب غربي باكستان، الذي يضم أحد أكبر احتياطيات النحاس غير المستغلة في العالم، وهو معدن يزداد الطلب عليه في بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وفي ديسمبر (كانون الأول)، تعهدت واشنطن تقديم 1.25 مليار دولار إلى منجم «ريكو ديك» للنحاس والذهب في بلوشستان. لكن إقليم بلوشستان، الأقل نمواً في باكستان، يشهد تمرداً انفصالياً متصاعداً استهدف أيضاً استثمارات التعدين الصينية.
ولاحظ نواز أن العلاقات الأميركية-الباكستانية بحاجة إلى معالجة هذه التحديات لتجاوز الاعتماد على الودّ الذي قد يكون عابراً بين قادة البلدين.
وأضاف: «على باكستان إصلاح أوضاعها الداخلية بما يعزز اقتصادها ويجعلها وجهة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية. عندئذ، سيزداد اهتمام الولايات المتحدة بها».