«طالبان» تتعهد بتغيير كابل... والبداية بتغيير نهج الحركة

العاصمة الأفغانية شكلت تحدياً مليئاً بالإغراءات

علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)
علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)
TT

«طالبان» تتعهد بتغيير كابل... والبداية بتغيير نهج الحركة

علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)
علم «طالبان» يرفرف فوق مطار كابل (غيتي)

يشعر بعض مقاتلي حركة «طالبان» الآن، بالندم على النجاح المادي الذي ضحوا به لشن حملتهم المسلحة، ويتذكر رحماني أن مقاتلاً آخر من الحركة أخبره بأنه حزين لأنه هو وشقيقه تركا دراستهما، وقال لرحماني: «لو كنا قد درسنا، لكنا نجلس في المكاتب الآن».

المبعوث الباكستاني الخاص آصف دوراني يجتمع مع وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي في كابل (متداولة)

ولا توجد علامات تشير إلى أن هذه التغييرات قد أدت إلى تخفيف سياسات «طالبان» القمعية، لا سيما حملة الحركة ضد حقوق المرأة، ومما لا شك فيه أن هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة، تشكل خيبة أمل بالنسبة لكثير من المقاتلين الذين هرعوا إلى العاصمة الأفغانية في شاحنات صغيرة عام 2021، ويقولون إن الحياة في المدينة أكثر إرهاقاً وأقل تديناً مما كانوا يتصورون، كما أنها تجعلهم يشعرون بالوحدة.

فتيات أفغانيات يحضرن حصة تعليمية بمدرسة في الهواء الطلق بكابل (إ.ب.أ)

وقد نشأ بعض مقاتلي «طالبان» في العاصمة قبل مغادرتهم إلى الريف الأفغاني للانضمام إلى حركة التمرد، فيما لم يغادر البعض الآخر قط وظلوا يدعمون «طالبان» كمخبرين، ولكن بالنسبة لمعظم الرجال الذين سيطروا على العاصمة الأفغانية، فإن أضواء المدينة الساطعة لم تكن مألوفة، وشكّلت كابل تحدياً مليئاً بالإغراءات.

ويحلم رحماني بأن تصبح كابل يوماً ما المعادل الأفغاني لدبي، ذلك المركز التجاري البراق في دولة الإمارات العربية المتحدة، قائلاً: «بمجرد حل المشاكل الاقتصادية، ستتغير الأمور بشكل كبير».

امرأة أفغانية ترتدي البرقع تحمل مظلة تسير على طول الرصيف أثناء تساقط الثلوج في فايز آباد بمقاطعة بدخشان الاثنين (أ.ف.ب)

وبدأ بعض أعضاء «طالبان» بالفعل في استحداث ذوق أكثر تكلفة، إذ يقول الباعة إنه في حين كان المسؤولون في الحكومة الجديدة يتسوقون في البداية لشراء الدراجات النارية، فقد باتوا الآن أكثر اهتماماً بشكل مزداد بشراء سيارات «لاند كروزر» البراقة.

ويبدو أن الحياة في المدينة قد تركت بالفعل بصمة على جندي «طالبان» عبد المبين منصور (19 عاماً) ورفاقه، إذ يتفق جميعهم على أن اتصالهم بالإنترنت، على سبيل المثال، هو أمر له أهمية مزدادة بالنسبة لهم.

مسلح من «طالبان» في أحد شوارع كابل (أ.ب)

ويقول عبد المبين ورفاقه إنهم باتوا مدمنين على كثير من المسلسلات التلفزيونية التي تكون مشاهدتها بشكل أفضل بدقة عالية، كما يفضلون حلقات دراما الجريمة التركية «وادي الذئاب» و«جومونج»، وهو مسلسل تاريخي كوري جنوبي تدور أحداثه حول أمير يغزو أراضي بعيدة، بحسب تقرير لـ«واشنطن بوست»، الاثنين.

وقال منصور إنه لا يزال يفضل الحياة في الريف، حيث يوجد بيته الذي قد يعود إليه في نهاية المطاف، مضيفاً: «لكنني آمل بشدة في أن تكون هناك كهرباء وغيرها من المرافق الحديثة الأخرى بحلول ذلك الوقت».

استنفار أمني وسط العاصمة الأفغانية (رويترز)

ويقول بعض الجنود، مثل حسام خان البالغ من العمر 35 عاماً، إنهم لا يستطيعون تخيل أنهم قد يضطرون إلى العودة للريف مرة أخرى، مشيراً إلى أنه واجه صعوبة في التكيف مع المدينة بالبداية، إذ كان يشعر بأن سكان كابل يخشونه، كما كانت عيناه تؤلمانه عندما كان يحدق في الكومبيوتر لفترة طويلة، ولكن الحصول على الكهرباء والماء، وحصوله على دروس اللغة الإنجليزية وعلوم الكومبيوتر، كل ذلك غيّر رأيه وجعله يقول: «أحب هذه الحياة».

ويقول بعض الأفغان الذين عارضوا استيلاء «طالبان» على الحكم، إنهم لاحظوا اختلافاً أيضاً، إذ يقول طارق أحمد، وهو بائع نظارات يبلغ من العمر 20 عاماً، إن لديه شعوراً مزداداً بأن «(طالبان) تحاول تبني أسلوب حياتنا نفسه»، مضيفاً: «لقد جاءوا من الجبال، ولم يتمكنوا من فهم لغتنا ولم يعرفوا شيئاً عن ثقافتنا».

وتابع: «عندما وصلوا إلى العاصمة استنكروا ارتداء الجينز والملابس الغربية الأخرى ودمروا الآلات الموسيقية»، لافتاً إلى أنه عندما وصل بالسيارة مع أصدقاؤه إلى إحدى نقاط التفتيش الأمنية، مؤخراً، وهم يسمعون الموسيقى داخل سياراتهم، لوَح لهم جنود «طالبان» بالمرور ببساطة.

عناصر من «طالبان» في جامعة كابل (أفغانستان) 14 يونيو 2023 لاستكمال تعليمهم (رويترز)

وعلى الرغم من أن الملابس المدنية الغربية أصبحت مشهداً نادراً في شوارع كابل، فقد فوجئ بعض السكان برؤية رجال «طالبان» يرتدون الزي العسكري الذي يشبه بشكل ملحوظ ذلك الذي كان يرتديه أعداؤهم السابقون.

وعدّ أكثر من 6 موظفين لدى نظام «طالبان»، من الشباب وكبار السن، في مقابلات أُجريت معهم، أن السماح لهم بالتعليم كان أكبر مكافأة لكفاحهم، وقال لال محمد ذاكر (25 عاماً)، من مؤيدي «طالبان» والذي أصبح موظفاً بوزارة المالية الأفغانية: «عندما استولينا على كابل، تعهدنا بأن نصبح نسخة أفضل من أنفسنا»، مشيراً إلى أنه قام بالتسجيل في دورة مكثفة لتعلم اللغة الإنجليزية حتى يتمكن من الدراسة في الخارج يوماً ما.

ولكن المدينة الكبيرة لا تغري الجميع، فقد كان ذبيح الله مصباح وصديقه أحمدزاي فاتح، وكلاهما يبلغ من العمر 25 عاماً، من بين أوائل المقاتلين الذين هرعوا إلى كابل عام 2021، ولكن لا يزال مصباح يربط كابل في المقام الأول بـ«الأفعال السيئة» مثل الزنا، قائلاً: «نكون أكثر ارتباطاً بالله عندما نكون في القرية، فمع وجود عدد أقل من عوامل التشتيت، غالباً ما يكون المرء مشغولاً بالصلاة».

وتابع مصباح: «الروابط الاجتماعية في القرى تكون أقوى، والحياة هناك أقل شعوراً بالوحدة»، بينما يقول فاتح: «عندما تسعى إلى الجهاد، فإنك تشعر بالارتياح، ولكن عندما وصلنا إلى هنا لم نجد هذا الارتياح».

وبينما فر كثير من الأفغان من كابل أثناء استيلاء «طالبان» عليها، إلا أنهم عادوا مرة أخرى إلى العاصمة المزدحمة التي كانت عليها في السابق، إذ يستغرق الأمر عدة ساعات لعبور المدينة المليئة بالضباب الدخاني من جانب إلى آخر.

وأقر منصور وأصدقاؤه بأن الهواء الملوث والابتعاد عن عائلاتهم في الريف الأفغاني يجعلهم يعيدون النظر في الحياة بالمدينة، وقال منصور الذي لم يتزوج بعد: «إن الذين أحضروا عائلاتهم إلى هنا هم أكثر سعادةً منا، ولكن إيجار الشقق في المدينة باهظ الثمن والشقق صغيرة للغاية».

وعندما يحتاج جنود «طالبان» إلى الهروب من حياة المدينة، فإنهم يتسلقون تلة في وسط كابل، التي قام النظام الجديد بتثبيت علم عملاق للحركة فيها، أو يتوجهون إلى خزان القرغا الذي يوجد على مشارف المدينة، حيث يتناولون الفستق في شاحناتهم الصغيرة.

وبحثاً عن علامات الاعتدال، يقول سكان كابل، الذين راقبوا بخوف وصول «طالبان» في عام 2021، إنهم يأملون في أن يفوق عدد المقاتلين السابقين الذين يعتنقون حياة المدينة الكبيرة أولئك الذين يرفضونها، وأن تصبح «طالبان» أكثر اعتدالاً.

ولكن يقول كثير من النساء إنهن لم يلاحظن مثل هذا التطور، فلا تزال الجامعات مغلقة أمامهن، كما تُمنع الفتيات فوق الصف السادس من استكمال الدراسة، وتقول الأمم المتحدة إن القيادة العليا لحركة «طالبان» حولت أفغانستان من مدينة قندهار المنعزلة إلى الدولة الأكثر قمعاً للنساء في العالم.

وتقول رقية (25 عاماً): «(طالبان) لن تتغير»، مشيرة إلى أن المبيعات في الكشك الخاص بها في سوق الملابس النسائية انخفضت فجأة الشهر الماضي، بعد أن احتجزت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تديرها «طالبان» النساء مؤقتاً بسبب مخالفة قواعد اللباس.

وتابعت رقية، التي حصلت على درجة البكالوريوس في الفيزياء قبل استيلاء «طالبان» على السلطة مباشرةً: «لم تعد فتاة من الفتيات تجرؤ على الخروج بمفردها»، لافتة إلى أنها عندما لا يكون هناك مَن ينظر إليها، تقوم بقراءة الكتب العلمية خلف مكتبها.

ولدى «طالبان» خطط كبيرة لإعادة الإعمار بعد الحرب، ولكن القيود المفروضة على النساء يمكن أن تصبح العقبة الأساسية، وقد تخلى كثير من المانحين الأجانب عن البلاد احتجاجاً على أوضاعها خلال العامين ونصف العام الماضيين، ولا يزال وجود المستثمرين من القطاع الخاص أمراً نادراً، فهل يمكن للإغراءات من ناطحات السحاب باهظة الثمن، والمساجد الجديدة والطرق الخالية من الحفر، أن تدفع «طالبان» إلى تقديم تنازلات في نهاية المطاف كما يأمل بعض الأفغان؟

في الأشهر الأخيرة، مضت «طالبان» قدماً في خططها لاستئناف العمل في مدينة نموذجية على مشارف كابل، التي تم تصميمها لأول مرة قبل أكثر من عقد من الزمن في عهد الحكومة السابقة المدعومة من الولايات المتحدة، ولكن لم يتم بناؤها، ويقول حميد الله نعماني، وزير التنمية العمرانية في حكومة «طالبان»: «سنطلق عليها اسم مدينة كابل الجديدة».

ويقول مقدم أمين، وهو مدير عملية البناء في المدينة (57 عاماً)، إن المناقشات الأولية بين شركته والحكومة الجديدة تشير إلى أن «طالبان» تريد مشروعاً أقل طموحاً مع خيارات سكنية أقل كلفة، ولكن يبدو أن «طالبان» الآن باتت تدعم الخطط الأصلية للمشروع، التي تشمل بناء ناطحات سحاب ومدارس وجامعات وحمامات سباحة ومتنزهات ومراكز تسوق.

وفي حال تم الانتهاء من بناء «المدينة الجديدة» في كابل، فقد يستغرق بناؤها عقوداً من الزمن، ولكن في الوقت الحالي، لا يمكن الوصول إلى المكان هناك إلا عبر طرق مؤقتة يصطف على جانبيها الطوب والأحجار، بينما يجلس المطورون العقاريون هناك على سجاد على الرمال.


مقالات ذات صلة

مقرر أممي يطلب فتح تحقيق في «اغتيال» مسؤولين أفغان سابقين بإيران

آسيا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان ريتشارد بينيت (أ.ب)

مقرر أممي يطلب فتح تحقيق في «اغتيال» مسؤولين أفغان سابقين بإيران

طالب المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأفغانستان ريتشارد بينيت بفتح تحقيق مستقل بشأن اغتيالات طالت مؤخراً في إيران عناصر سابقين في قوات الأمن الأفغانية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا لاجئون أفغان ينتظرون التسجيل في مخيم بالقرب من الحدود الباكستانية - الأفغانية في تورخام بأفغانستان يوم السبت 4 نوفمبر 2023 (أرشيفية - أ.ب)

باكستان ترحّل أكثر من 2600 مهاجر أفغاني في يوم واحد

أعلنت «المفوضية العليا لشؤون المهاجرين» التابعة لحركة «طالبان» أن السلطات الباكستانية رحّلت، الأحد، 2628 مهاجراً أفغانياً، أعيدوا إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا شرطي يحرس كاتدرائية القديس يوحنا المركزية في بيشاور خلال قداس عيد الميلاد (د.ب.أ)

قوات الأمن الباكستانية تعلن «تحييد» 12 مسلحاً في إقليمَي خيبر وبلوشستان

أعلنت قوات الأمن الباكستانية «تحييد» 12 مسلحاً في عمليتين نفذتهما في إقليمَي خيبر بختونخوا وبلوشستان المحاذيين لأفغانستان.

«الشرق الأوسط» (راولبندي - إسلام آباد (باكستان))
آسيا يقف أحد أفراد أمن «طالبان» على ظهر مركبة بينما يصل لاجئون أفغان إلى نقطة الصفر عند معبر إسلام قلعة الحدودي بين أفغانستان وإيران يوم 28 يونيو الماضي بعد ترحيلهم من إيران (أ.ف.ب)

تحقيق يكشف: أفغان يواجهون القتل والتعذيب بعد إعادتهم من إيران

كشف تحقيق صحافي عن تعرّض أفغان لعمليات قتل خارج نطاق القضاء وتعذيب واحتجاز تعسفي، عقب إعادتهم قسراً من إيران إلى بلادهم، موثقاً ما لا يقل عن 6 حالات.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد - كابل)
اليابان تقدم مساعدات إنسانية قيمتها مليونا دولار للعائدين إلى أفغانستان

اليابان تقدم مساعدات إنسانية قيمتها مليونا دولار للعائدين إلى أفغانستان

ذكرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن اليابان قدمت مليونَي دولار كمساعدات إنسانية للعائدين إلى أفغانستان، حيث تتفاقم تحديات النزوح.

«الشرق الأوسط» (كابل )

زعيم كوريا الشمالية يزور ضريح عائلته رفقة ابنته للمرة الأولى

كيم جونغ أون وزوجته ري سول جو وابنتهما كيم جو آي في قصر شمس كومسوسان  في بيونغ يانغ (رويترز)
كيم جونغ أون وزوجته ري سول جو وابنتهما كيم جو آي في قصر شمس كومسوسان في بيونغ يانغ (رويترز)
TT

زعيم كوريا الشمالية يزور ضريح عائلته رفقة ابنته للمرة الأولى

كيم جونغ أون وزوجته ري سول جو وابنتهما كيم جو آي في قصر شمس كومسوسان  في بيونغ يانغ (رويترز)
كيم جونغ أون وزوجته ري سول جو وابنتهما كيم جو آي في قصر شمس كومسوسان في بيونغ يانغ (رويترز)

زار زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ضريح العائلة المخصص لوالده وجده الراحلين في يوم رأس السنة الجديدة، ترافقه ابنته جو-إيه للمرة الأولى، وفقاً لصور نشرتها وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية اليوم الجمعة.

وذكرت وكالة أنباء يونهاب الكورية الجنوبية، أن كيم قام بالزيارة إلى قصر شمس كومسوسان يوم الخميس. ورافقه في الزيارة أيضاً زوجته بالإضافة إلى

كبار مسؤولي الحزب والحكومة.

وذكرت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية: «تعهد جميع الزوار بصلابة بالوفاء بمسؤوليتهم وواجبهم في طليعة إنجاز القضية المقدسة من أجل الازدهار والتنمية الأبديين لجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية- كوريا الشمالية- العظيمة وتعزيز رفاهية الشعب، مخلصين لأفكار وقيادة كيم جونغ أون بولاء منقطع النظير».


لماذا تواجه الهند عاماً صعباً في 2026؟

الرئيسان الصيني والروسي وبينهما رئيس الوزراء الهندي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)
الرئيسان الصيني والروسي وبينهما رئيس الوزراء الهندي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)
TT

لماذا تواجه الهند عاماً صعباً في 2026؟

الرئيسان الصيني والروسي وبينهما رئيس الوزراء الهندي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)
الرئيسان الصيني والروسي وبينهما رئيس الوزراء الهندي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)

تدخل الهند عام 2026 وهي تواجه مزيجاً معقداً من التحديات الخارجية، يتداخل فيه تصاعد الضغوط الإقليمية مع تحولات عميقة في موازين القوى الدولية. فبين تهديدات صينية مستمرة، وبيئة إقليمية باتت أكثر عدائية، وتراجع موثوقية الشراكات الكبرى، تجد نيودلهي نفسها أمام اختبارات صعبة ستحدد قدرتها على المناورة، وحماية مصالحها الاستراتيجية في المرحلة المقبلة.

هذا ما أكد عليه الباحث محمد أيوب، أستاذ جامعي فخري للعلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان، وزميل أول في مركز السياسات العالمية، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست». ويقول أيوب إن المصائب لا تأتي فرادى، مشيراً إلى أن هذا المثل ينطبق تماماً على المأزق الراهن للسياسة الخارجية الهندية. فمنذ أزمة حرب بنغلاديش عام 1971، لم تواجه مؤسسة صنع القرار في السياسة الخارجية الهندية هذا التراكم من التحديات كما هو الحال اليوم.

مصافحة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في بيت الضيافة الرسمي «حيدرآباد» بنيودلهي يوم 5 ديسمبر (رويترز)

فالتهديد الصيني للأمن القومي الهندي مستمر بلا هوادة، رغم التخفيف الحالي في حدة الخطاب من الجانبين، وذلك بفضل حالة عدم اليقين التي أدخلتها السياسة الخارجية غير المتوقعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب على علاقات كل من بكين ونيودلهي مع الولايات المتحدة. ورغم القيود المؤقتة على المستوى الخطابي، تظل الصين التهديد الأساسي لوحدة الأراضي الهندية، سواء في الشمال الغربي، أو الشمال الشرقي، ولطموحات الهند في أن تصبح قوة كبرى في آسيا، وخارجها.

وقد أدرك مراقبون فطنون داخل الحكومة وخارجها هذه الحقيقة منذ زمن طويل. غير أن الخطاب الهندي بشأن إدراك التهديد ركز في الأساس على الجار الأصغر، والأضعف، باكستان، وذلك تفادياً لتفاقم التوترات مع جار أقوى عسكرياً، واقتصاديا.

ويرى أيوب أن ثمة عدة عوامل أسهمت في هذا النهج التحويلي. أولاً: إن استمرار النزعة التوسعية الباكستانية، ودعمها للعنف المسلح في كشمير يتصدران عناوين وسائل الإعلام، ما يجعلهما يبدوان تهديداً أكبر مما هو عليه في الواقع.

ثانياً: العداء المتجذر تجاه باكستان، الذي يعود إلى تقسيم الهند البريطانية عام 1947، خلق في الهند تصوراً مفاده بأن باكستان هي «العدو الطبيعي» للبلاد.

ثالثاً: من الأسهل بكثير على الحكومة أن تستعرض قوتها الخطابية ضد باكستان، إذ يمكنها أحياناً أن تدعم ذلك بعمل عسكري يعزز شعبيتها داخلياً. أما إبراز التهديد الصيني الأكثر حدة دون رد عسكري كافٍ، فيكشف ضعف الحكومة، ويقوض مصداقيتها، وشرعيتها.

رابعاً: تعد الصين الشريك التجاري الأكبر للهند، مع عجز تجاري يقارب 100 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2024، حيث تشكل الإلكترونيات، والآلات، والمواد الكيميائية، والأدوية الجزء الأكبر من الواردات. ومن شأن قطع التجارة مع الصين، أو حتى تقليصها أن يربك شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الهندية المتنامية، التي اعتادت على السلع الصينية الرخيصة. وهذا من شأنه أن يخلق تصدعات خطيرة داخل الائتلاف السياسي لرئيس الوزراء ناريندرا مودي، وحزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم.

وعلى النقيض من ذلك، فإن تجارة الهند مع باكستان ضئيلة للغاية، ويجري جزء كبير منها بشكل سري من خلال تهريب السلع عبر الحدود القابلة للعبور. وتشير الإحصاءات التجارية الرسمية الهندية إلى تجارة بقيمة 558 مليون دولار في السنة المالية 2025-2024، مع كون الواردات من باكستان تشكل حصة متناهية الصغر. ومع القيود الرسمية المفروضة على التجارة بين البلدين منذ الهجوم الذي وقع في باهالجام في أبريل (نيسان)، بالكاد شعر المستهلك الهندي بأي أثر.

صورة مركبة للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ف.ب)

ويقول أيوب إن سياسة «تعدد المحاور» التي تعلنها الهند، العالقة بين عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأميركية، وواقع التهديد الصيني، تتعرض لضغوط شديدة. ولا يعود ذلك إلى أخطاء من جانب نيودلهي، بل إلى قرار الرئيس دونالد ترمب الانسحاب من القضايا الاستراتيجية التي لا تحقق مكاسب فورية لواشنطن. فقد حلت الاستراتيجيات القائمة على الصفقات محل سياسات الانخراط العالمي، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. كما أن تليين موقف إدارة ترمب تجاه الصين حرم نيودلهي من الطمأنينة بأن واشنطن قد تأتي لنجدتها إذا تدهورت العلاقات مع بكين إلى حد المواجهة المفتوحة.

ولم يكن القرار الأميركي بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المائة على الواردات الهندية بسبب مشتريات الهند من النفط الروسي مجرد ضربة اقتصادية لنيودلهي، بل كان جرس إنذار يؤكد أن قواعد الاشتباك الأميركية مع الهند قد تغيرت، وأن قيمتها بوصفها ثقلاً استراتيجياً محتملاً في مواجهة الصين لم تعد ذات وزن كبير في حسابات واشنطن. وتعزز هذا الانطباع أكثر عندما خفضت إدارة ترمب بشكل دراماتيكي الرسوم المفروضة على الصين، وعلقت فرض قيود تصدير جديدة، ورسوم موانٍ على السلع الصينية.

ووضع ذلك الهند في مأزق مزدوج، إذ أضعف بشكل بالغ موقفها في تعاملها مع الصين، وأجبرها على تبني سياسة أكثر تصالحية مع بكين على المستوى الاستراتيجي مما كانت ترغب فيه. كما اضطرها إلى التشديد علناً على الجوانب الإيجابية في علاقتها مع روسيا لتظهر لجمهورها الداخلي أنها ليست خاضعة بالكامل للولايات المتحدة. وتؤكد الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي، والاستقبال الحار الذي حظي به هذه الحقيقة، كما توجه رسالة إلى واشنطن، وإلى الرأي العام الداخلي مفادها بأن لدى الهند بدائل أخرى.

وفي الوقت الذي ترسل فيه الولايات المتحدة إشارات تفيد بأن سياستها باتت قائمة على منطق الصفقات أكثر من كونها مستندة إلى اعتبارات طويلة الأمد، وجدت الهند أن سياستها القائمة على «تعدد المحاور» جعلتها عرضة لانتقادات أميركية تتهمها بالتخلي عن أي أمل في «علاقة خاصة»، وبالتالي عدم استحقاقها أن تعامل كحليف محتمل، أو كأصل استراتيجي. وبذلك، أصبحت الهند عالقة بين المطرقة والسندان.

وكأن هذه المشكلات على المستوى العالمي لا تكفي، فقد أصبحت البيئة الإقليمية المحيطة بالهند في الآونة الأخيرة أكثر عدائية مما كانت عليه منذ عقود. فباستثناء باكستان، كان جيران الهند الأصغر، إلى حد كبير، مستعدين لمنحها الاحترام الذي رأت أنها تستحقه بحكم حجمها، وعدد سكانها، وثقلها الاقتصادي.

فمنذ حرب عام 1971 التي أدت إلى تحرير بنغلاديش من الهيمنة الباكستانية، تصرفت الهند مراراً بوصفها مزود الأمن لجيرانها الأصغر، ولا سيما سريلانكا، وجزر المالديف. أما بوتان، فقد كانت عملياً محمية هندية، في حين كانت نيبال غير الساحلية تعتمد اقتصادياً على الهند، ما جعلها أضعف من أن تشكل تحدياً سياسياً حقيقياً، رغم أن التوترات في علاقتهما غير المتكافئة كانت تطفو على السطح بين الحين والآخر.

وكانت نيودلهي تنظر إلى بنغلاديش بوصفها صديقاً وفياً. ففي عهد رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، وحزبها «رابطة عوامي»، تعاونت بنغلاديش مع الهند في ملاحقة المتمردين المعادين للهند الذين لجأوا إلى أراضيها، وساعدت في حل مشكلات الربط والبنية التحتية بين شمال شرقي الهند وبقية البلاد، ووسعت عموماً مجالات التعاون الدفاعي، ومكافحة الإرهاب. كما أن حملة «رابطة عوامي» ضد المتطرفين الإسلاميين، وتوجهها العلماني عموماً انسجما مع التفضيلات الهندية.

أما باكستان، فكانت دائماً الاستثناء من القاعدة التي تقضي بأن يخضع الجيران للهند. فقد ظل الهدف الرئيس للسياسة الخارجية الباكستانية طويلاً هو تحقيق التكافؤ العسكري والدبلوماسي مع الهند. وبما أن إسلام آباد لم تكن قادرة على تحقيق ذلك بمفردها نظراً لتفوق الهند في الحجم، وعدد السكان، والموارد، فقد اعتمدت على قوى خارجية، ولا سيما الولايات المتحدة، والصين. وقد تفاوتت قدرتها على الاستفادة من الولايات المتحدة تبعاً للحسابات الاستراتيجية لواشنطن بشأن المنطقة.

وأدت العلاقات متزايدة الدفء بين الولايات المتحدة والهند خلال العقدين الماضيين إلى تآكل نفوذ باكستان لدى صانعي القرار في واشنطن. غير أن إدارة ترمب الثانية قلبت هذا الاتجاه، إذ شدد الرئيس نفسه على أهمية باكستان في السياسة الخارجية الأميركية، وأشاد علناً بعاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، الذي يعد القوة الحقيقية من وراء الكواليس في بلاده.

الرئيس الروسي بوتين يتوسط رئيسة الهند دروبادي مورمو ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القصر الرئاسي بنيودلهي يوم 5 ديسمبر (رويترز)

وأربك ذلك الحسابات الهندية بشأن دور الولايات المتحدة في أي صراع مستقبلي مع باكستان. فاستناداً إلى الخبرة السابقة، كانت نيودلهي تتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً على إسلام آباد لثنيها عن تصعيد أي مواجهة مع الهند. لكن اليوم، ومع تقاطع الدعم الأميركي والصيني لباكستان، تخشى الهند أن يتكرر سيناريو عام 1971، حين دعمت كل من بكين وواشنطن باكستان في مواجهتها مع الهند بشأن تحرير بنغلاديش. وتمكنت الهند آنذاك من مواجهة هذا التهديد المشترك بفضل دعم الاتحاد السوفياتي. إلا أن هذا العامل لم يعد موجوداً اليوم، إذ أصبحت روسيا الشريك الأصغر للصين في آسيا، وغارقة في حرب دامية في أوكرانيا.

وإذا كانت الصين وباكستان تمثلان تهديدين طويلي الأمد للأمن الهندي، فإن التحدي الأكثر إلحاحاً يأتي من التطورات الأخيرة في بنغلاديش التي ظلت تعد لفترة طويلة حليفاً وثيقاً للهند في جنوب آسيا. فقد أدت الإطاحة برئيسة الوزراء الشيخة حسينة العام الماضي، عقب انتفاضة شعبية قادها الشباب، ثم فرارها إلى نيودلهي، وحصولها على اللجوء في الهند، إلى قلب هذه الحسابات رأساً على عقب. ويقول أيوب إن دعم الهند لحكومة «رابطة عوامي» التي ازدادت استبداداً وفقدت شعبيتها أثناء وجودها في السلطة، وقرارها منح حسينة الملاذ، لم يصبحا مجرد عائقين أمام تطوير علاقات ودية مع دكا فحسب، بل أسهما أيضاً في تفجر موجة غير مسبوقة من المشاعر المعادية للهند داخل بنغلاديش.


باكستان والهند تتبادلان قوائم المنشآت النووية والسجناء

رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)
رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)
TT

باكستان والهند تتبادلان قوائم المنشآت النووية والسجناء

رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)
رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر حسين أنداربي، اليوم الخميس، إن باكستان والهند تبادلتا قوائم منشآتهما النووية بموجب اتفاق خاص يحظر عليهما استهداف إحداهما منشآت الأخرى النووية.

وأوضح أنداربي خلال إحاطة إعلامية أسبوعية في إسلام آباد، إن «باكستان والهند تبادلتا قوائم منشآتهما بموجب اتفاق حظر الهجمات على المنشآت والمرافق النووية الموقع بين باكستان والهند في 31 ديسمبر (كانون الأول) 1988»، وفقا لما ذكره موقع قناة «جيو نيوز» الباكستانية.

وأضاف أنداربي أنه «تم تسليم قائمة المنشآت والمرافق النووية الباكستانية رسمياً إلى ممثل المفوضية العليا الهندية في وزارة الخارجية اليوم (الخميس)».

جندي من الجيش الهندي يقف حارساً على خط السيطرة بين باكستان والهند في قطاع بونش بمنطقة جامو الهندية 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وقال المتحدث إن البلدين تبادلا أيضاً قوائم السجناء الموجودين في حوزة كل منهما عبر القنوات الدبلوماسية.

وأكدت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان منفصل هذا التطور، مشيرة إلى تبادل البلدين قوائم منشآتهما ومرافقهما النووية.

وجاء في بيان الوزارة أن «التبادل تم بموجب اتفاق حظر الهجمات على المنشآت والمرافق النووية بين باكستان والهند».

وبناء عليه، تم تسليم قائمة المنشآت والمرافق النووية في باكستان رسمياً إلى ممثل المفوضية العليا الهندية في إسلام آباد بوزارة الخارجية الباكستانية.

وفي وقت متزامن، سلمت وزارة الشؤون الخارجية الهندية قائمة منشآتها ومرافقها النووية إلى ممثل المفوضية العليا الباكستانية في نيودلهي.

وينص اتفاق حظر الهجمات على المنشآت والمرافق النووية بين باكستان والهند على وجوب إعلام كل بلد من البلدين الآخر بقوائم منشآته ومرافقه النووية، التي تندرج ضمن تعريفه، في الأول من يناير (كانون الثاني) من كل عام ميلادي.