صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.
وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.
وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.
دورات بالإكراه
قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.
ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.
وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.
ضغوط على المدارس
يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.
وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.
وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.








