«إدارة غزة»... حراك جديد في مصر لتجاوز التباينات الفلسطينية

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: جهود القاهرة متواصلة لمشاركة «فتح» بالترتيبات

طفل وفتاة فلسطينيان ينظران إلى سيارة استهدفتها قوات الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل وفتاة فلسطينيان ينظران إلى سيارة استهدفتها قوات الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«إدارة غزة»... حراك جديد في مصر لتجاوز التباينات الفلسطينية

طفل وفتاة فلسطينيان ينظران إلى سيارة استهدفتها قوات الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل وفتاة فلسطينيان ينظران إلى سيارة استهدفتها قوات الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة (أ.ف.ب)

مساعٍ عديدة للوسطاء تدفع نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، المعنية بترتيبات أمنية وإدارية، وسط حراك جديد بشأن إنهاء تشكيل لجنة إدارة القطاع، غداة وصول وفد من «حماس» إلى القاهرة وترقب وصول حركة «فتح».

تلك الترتيبات تواجه بحسب مصدر فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط» الاثنين، عقبات عديدة في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنها، خصوصاً باختيار أسماء اللجنة المعنية، التي تم التوافق عليها قبل نحو عام بالقاهرة أن تكون من التكنوقراط، وكان ينتظر أن يتم التوافق عليها في جولات سابقة، وحال دون ذلك عدم وجود توافق فلسطيني - فلسطيني.

وبتقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، ستبقى جهود القاهرة ويتوقف الأمر كله على الأطراف الفلسطينية، مشددين على أهمية إنجاز توافق بينهم لقطع الطريق على ذرائع إسرائيلية تهدد الاتفاق وتنذر بانهياره وتجدد الحرب، وسط تباينات بشأن قرب حدث انفراجة.

تحركات جديدة

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط» الاثنين: «حتى اللحظة، لم يتم الاتفاق على تشكيل لجنة التكنوقراط، والقاهرة تبذل جهوداً متواصلة مع حركة (فتح) للحضور إلى مصر والمشاركة في الاتفاق على ترتيبات اللجنة، خصوصاً و(حماس) وافقت تحت الضغوط أن يكون رئيس اللجنة وزيراً من حكومة محمد مصطفى، وينتظر أن يكون هناك لقاء لبحث الأسماء المطروحة».

ووفقاً للمصدر ذاته، فإن «السلطة ترفض أن تشارك (حماس) والفصائل في اختيار الأسماء، وتصر على أن تسمي اللجنة باعتبارها مؤسسة من مؤسسات السلطة ويتولاها وزيرها، لكن نعول على تحركات القاهرة كثيراً في تجاوز الأجواء السابقة التي لا تبشر».

وكان قيادي في «حماس» قال الأحد، إن لقاءات وفد الحركة مع المسؤولين المصريين ستناقش «ترتيبات وتشكيل لجنة التكنوقراط المستقلة الفلسطينية التي ستتولى إدارة قطاع غزة».

ونوّه بأن لقاءات ثنائية ستعقد بين وفد «حماس» وقادة فصائل فلسطينية أخرى، لـ«بحث الوضع الداخلي الفلسطيني وترتيبات إدارة قطاع غزة ومستقبله»، والعمل على ترتيب لقاء قريب بين حركتي «فتح» و«حماس» في القاهرة.

مساعدات غذائية وطبية وشتوية مصرية في طريقها إلى غزة (الهلال الأحمر المصري)

والتقى الأحد في العاصمة المصرية القاهرة، وفد قيادي من حركة «حماس»، مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، وتناول اللقاء «تطورات اتفاق وقف إطلاق النار والأوضاع العامة في قطاع غزة، ومناقشة طبيعة المرحلة الثانية من الاتفاق».

وشدد الوفد على «أهمية وقف الخروقات الصهيونية المستمرة التي تهدد بتقويض الاتفاق، وذلك من خلال آلية واضحة ومحددة برعاية ومتابعة الوسطاء»، وسط إشادة منه بـ«جهود الوسطاء المتواصلة منذ وقف حرب الإبادة، وتحياتهم وتقديرهم للقيادة المصرية»، وفق بيان للحركة.

ووفقاً لتقديرات أستاذ العلوم السياسية المختص بالشأنين المصري والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، فإن «تمرير (حماس) للجنة يعود لحجم الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها وعودة إسرائيل للتصعيد منذ نحو أسبوع واحتمال إقدامها على عمل عسكري بالقطاع، كما تثير وسائل إعلام إسرائيلية».

ويرجح فهمي أن «حركة (فتح) ستتجاوب رغم تحفظاتها، ليعود المشهد لانفراجة وتتحرك مصر للأمام مع أطراف الوساطة لعقد الخطوات التالية بشأن إعلان اللجنة».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن جهود القاهرة المتواصلة تدرك أهمية الذهاب للمرحلة الثانية، لقطع الطريق على أي تصعيد إسرائيلي أو ذرائع تهدد اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن ترتيبات إدارة القطاع كانت أحد الجهود المصرية في هذا الصدد، ولكن يجب على الأطراف الفلسطينية، خصوصاً حركة «فتح»، تحمل المسؤولية والذهاب باتجاه اتفاق قريب وعاجل لتشكيل اللجنة.

تصعيد ميداني

وقتلت القوات الإسرائيلية 3 فلسطينيين الاثنين، في غزة، بالقرب من الخط الفاصل الذي يحدد المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، مما «يسلط الضوء على الصعوبات التي تعترض الانتقال إلى الخطوة التالية، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي أبرم منذ أكثر من 6 أسابيع.

ومنذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، تتعرض الهدنة في غزة إلى «انتكاسة»؛ كان أبرزها، السبت، مع سقوط 21 قتيلاً على الأقل بضربات إسرائيلية، وفق «الدفاع المدني» في القطاع، في حين زعمت إسرائيل أن غاراتها تأتي رداً على هجوم لـ«حماس»، معلنة القضاء على 5 من كوادر الحركة، بعد أن اتهمت إسرائيل «حماس» بـ«انتهاك اتفاق الهدنة الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

ويرى الرقب أن التصعيد الإسرائيلي يفرض على الأطراف الفلسطينية التجاوب مع القاهرة، والوصول إلى ترتيبات في أسرع وقت بشأن لجنة إدارة غزة.

ويؤكد فهمي أن إسرائيل تحاول أن تسارع الوقت بهذا التصعيد والتهام مزيد من الأراضي التي انسحبت منها للوجود من 54 في المائة حالياً إلى 60 في المائة، استباقاً لأي ضغوط أميركية قد تحدث حال حدوث توافقات فلسطينية - فلسطينية بشأن ترتيبات لجنة إدارة قطاع غزة، مرجحاً أنه لو مضت الأمور على نحو التوافق، وهناك مؤشرات إيجابية نحو ذلك واستجابت «فتح»، يمكن عقد لقاء لها مع «حماس» قريباً، وكذلك عقد لقاء شامل للفصائل الفلسطينية.


مقالات ذات صلة

وزير خارجية ألمانيا يؤيد بتحفظ اجتياح إسرائيل قسماً من جنوب لبنان

المشرق العربي يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني (يمين) يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في برلين 5 مايو 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا يؤيد بتحفظ اجتياح إسرائيل قسماً من جنوب لبنان

أيّد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، بتحفظ، الثلاثاء، اجتياح الجيش الإسرائيلي لقسم من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تحليل إخباري الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

تحليل إخباري لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

وصل التحريض الإسرائيلي المستمر ضد مصر، إلى درجة تحدث فيها الإعلام العبري عن «استعداد لخوض حرب»، بينما تتجاهل مصر تلك المواقف، مع تركيزها على الوساطة في ملف غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

خاص فصائل غزة تعد «خططاً دفاعية» تحسباً لاشتعال الحرب

رفعت الفصائل الفلسطينية في غزة حالة الاستنفار في أوساط عناصرها مع تنامي التهديدات الإسرائيلية بإمكانية العودة إلى الحرب مجدداً وبدأت في إعداد «خطط دفاعية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية الناشط الإسباني سيف أبو كشك يصل إلى محكمة في عسقلان - إسرائيل - 3 مايو 2026 (أ.ف.ب)

منظمة حقوقية تندد بسوء معاملة ناشطي «أسطول الصمود» المعتقلين في إسرائيل

أدان المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة) الاثنين، «الإيذاء النفسي وسوء المعاملة» الذي يتعرض له ناشطان من «أسطول الصمود» معتقلان في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينيون في مدينة غزة يوم الاثنين خلال جنازة مواطنهم موسى الأبيض الذي قتل بنيران إسرائيلية يوم الأحد (رويترز) p-circle 05:12

التلويح باستئناف الحرب ورفض «نزع السلاح» يثيران قلق الغزيين

تواكبت تصريحات لقيادي في «حماس» عن رفض «نزع السلاح» من غزة، مع إفادات لمسؤولين إسرائيليين بتكثيف الضغوط العسكرية على الحركة، مما عزز القلق من استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)

اتصالات مصرية متواصلة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
TT

اتصالات مصرية متواصلة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)

تتواصل الاتصالات المصرية مع قادة ومسؤولين في المنطقة بشأن خفض التصعيد، وسط جهود للتهدئة بين واشنطن وطهران، ومؤشرات إيجابية بشأن إمكانية توقيع مذكرة تفاهم تقضي بوقف الحرب.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر الإقليمي.

وثمّن السيسي، خلال الاتصال الذي نوقشت خلاله أوضاع المنطقة، الدور البنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، مستعرضاً الجهود المصرية المبذولة لتحقيق الهدف نفسه. وأكد أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتجنب التصعيد، والعمل على تسوية الأزمة الراهنة عبر الوسائل السلمية، وفقاً لبيان الرئاسة المصرية.

كما جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تناول سُبل دفع جهود خفض التصعيد في المنطقة، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية» الأربعاء.

وأكد الجانبان، خلال الاتصال، الأهمية البالغة لاستمرار المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد على أن الحل السياسي والدبلوماسي يمثل السبيل الوحيد والأنجع لمعالجة الأزمة الراهنة.كما رحّب الوزير المصري بالقرار الذي أعلنته الولايات المتحدة بشأن وقف مؤقت لعملية عسكرية مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، بهدف إتاحة المجال أمام الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران.

المسؤولية والحكمة

وأعرب الجانبان عن تطلعهما إلى أن تتبنى جميع الأطراف المعنية مواقف تتسم بالمسؤولية والحكمة، مع الالتزام الكامل بخيار الدبلوماسية والمفاوضات والحوار بوصفه أداة أساسية لتسوية مختلف الشواغل، مؤكدين أن استدامة الأمن والاستقرار الإقليمي تعتمد في الأساس على تغليب الحلول السياسية، بما يحفظ مقدرات شعوب المنطقة ويصون مصالحها.

وفى ختام الاتصال، اتفق الوزيران على مواصلة جهودهما الدؤوبة والصادقة، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين وبالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، بسرعة التوصل إلى اتفاق حول المبادئ العامة بين الجانبين الأميركى والإيرانى تعالج كل الشواغل، ثم بدء المفاوضات الخاصة بوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ.

وشدد الوزير عبد العاطى على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الشواغل الأمنية لدول الخليج الشقيقة وباقي دول المنطقة.

محادثات مصرية - قطرية سابقة في الدوحة لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على «فيسبوك»)

كما أطلع وزير الخارجية المصري، خلال اتصال هاتفي تلقّاه الأربعاء، من مستشار الأمن القومي الألماني جونتر زاوتر، على الجهود المصرية الرامية إلى وقف التصعيد واحتواء التوتر، مؤكداً الأهمية البالغة لمواصلة المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره الخيار الأنسب لتسوية الأزمة الراهنة.

اتصالات متواصلة

وهذه الاتصالات المصرية تتواصل بشكل لافت منذ اندلاع الحرب مع إيران أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث أجرى وزير الخارجية المصري، الثلاثاء، اتصالات هاتفية مع نظرائه في السعودية الأمير فيصل بن فرحان، وعُمان بدر البوسعيدي، والكويت جراح جابر الأحمد الصباح، والبحرين عبد اللطيف الزياني، إضافة إلى المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وتناولت الاتصالات أيضاً تنسيق الجهود الإقليمية والدولية الرامية لخفض التصعيد واحتواء حالة التوتر الراهنة، محذراً من أن استمرار التصعيد يُهدد بجر منطقة الشرق الأوسط بأسرها إلى حالة من الفوضى التي ستطول تداعياتها الأمن والاستقرار الدوليين.

دور مؤثر

وتكتسب تلك الاتصالات المصرية أهمية كبيرة، خصوصاً مع زيادة الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب بين واشنطن وطهران، وفق ما يراه مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رؤوف سعد.

وشدد سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن الدور المصري، سواء المعلن أو غير المعلن، يُعدّ دوراً محسوباً ومؤثراً، ويدرك الجميع في المنطقة أهمية استمراره، مضيفاً أن الاتصالات المصرية المتواصلة لخفض التصعيد تأتي في إطار استمرار الدور الذي تلعبه القاهرة في هذا المسار، سواء بشكل معلن أو غير معلن، مؤكداً أن هذا التحرك ليس رد فعل، بل تدخل محسوب، خصوصاً في ظل زيادة الآمال بالتوصل إلى اتفاق.

وشدد على أن الجميع يدرك، لا سيما منذ حرب غزة، أن الدور المصري ليس خياراً، بل يقع في قلب التوازنات، وأنه لا سبيل لتحقيق الاستقرار والتوازن من دونه، ولا ينبغي ربط ذلك بالموقف الاقتصادي أو الأزمات، مشدداً على أن هذا الدور ليس جديداً، لكنه ازداد كثافة منذ حرب غزة وما أعقبها من توتر مع إيران، خصوصاً مع استمرار الاتصالات بين القاهرة وطهران دون انقطاع، بما يعكس قدرة مصر على التعامل مع مختلف الأطراف.


اتهامات للحوثيين بتوسيع الانتهاكات داخل سجون إب

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

اتهامات للحوثيين بتوسيع الانتهاكات داخل سجون إب

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

شهدت محافظة إب، الخاضعة للجماعة الحوثية، تصاعداً في حالات وفاة السجناء والمعتقلين داخل السجون الرسمية والمعتقلات غير المعلنة، في تطور يثير مخاوف حقوقية متزايدة بشأن ظروف الاحتجاز، وسط اتهامات متكررة للجماعة بممارسة الإهمال الطبي المتعمد، وسوء المعاملة، والتعذيب، وحرمان المحتجزين من الحد الأدنى من الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية.

وتقول مصادر حقوقية ومحلية في المحافظة اليمنية الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، إن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الوفيات داخل الإصلاحية المركزية بمدينة إب، وسجن الأمن السياسي، إلى جانب عدد من المعتقلات المنتشرة في المديريات التابعة للمحافظة، في ظل أوضاع وُصفت بأنها «قاسية وغير إنسانية»، تشمل الاكتظاظ، وسوء التغذية، وغياب الرعاية الصحية، واحتجاز مرضى وكبار سن في بيئات تفتقر إلى التهوية والنظافة الأساسية.

ومن أبرز الحالات التي أثارت تفاعلاً واسعاً، وفاة السجين موسى صالح محمد الجبري، بعد فترة طويلة من معاناة صحية داخل السجن المركزي في إب، وفق ما أكدته مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، التي قالت إن الرجل ظل يشكو من تدهور وضعه الصحي لأشهر، في حين تقدمت أسرته بمناشدات متكررة لنقله إلى مستشفى متخصص، غير أن تلك المطالب قوبلت بالمماطلة.

الحوثيون متهمون باستحداث سجون سرية جديدة في محافظة إب (إكس)

وحسب المصادر، لم يُنقل الجبري لتلقي العلاج إلا بعد وصول حالته إلى مرحلة حرجة، لكنه فارق الحياة متأثراً بمضاعفات مرضه، في واقعة عدّها حقوقيون مثالاً صارخاً على ما وصفوه بـ«الإهمال الطبي القاتل» داخل سجون الجماعة.

وفي حادثة أخرى أثارت كثيراً من الجدل، توفي السجين حسن عبده علي اليافعي داخل أحد المعتقلات الحوثية في مديرية جبلة، جنوب غربي المحافظة. وبينما أعلنت إدارة السجن أن الرجل أنهى حياته شنقاً داخل زنزانته، شكك ناشطون وأقارب الضحية في الرواية الرسمية، مشيرين إلى «ملابسات غامضة» تحيط بوفاته، لا سيما مع حديثهم عن تعرضه لضغوط نفسية شديدة واحتجازه لفترة تتجاوز المدة القانونية.

كما تحدثت تقارير محلية عن وفاة نزيل ثالث، هو عبد الكريم الفقيه، داخل سجن تابع لنيابة مديرية ذي السفال، جنوب إب، دون تقديم أي توضيحات رسمية بشأن أسباب الوفاة؛ ما زاد من حالة الغموض والقلق المحيطة بملف السجون في المحافظة.

ظروف احتجاز قاسية

يؤكد ناشطون حقوقيون أن السجون الحوثية في إب، التي تمتد إلى غالبية المديريات البالغ عددها 22 مديرية، تعاني اكتظاظاً شديداً، في ظل تدفق مستمر للموقوفين والمختطفين على خلفيات أمنية أو سياسية أو اجتماعية، في وقت لا تتوافر فيه بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا العدد.

وتشير إفادات محلية إلى أن بعض السجناء يُحتجزون في زنازين ضيقة، سيئة التهوية، تفتقر إلى الإضاءة الطبيعية، مع نقص واضح في المياه النظيفة والخدمات الصحية والغذائية؛ ما يخلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والمعدية، خصوصاً بين كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، مثل السكري وضغط الدم وأمراض القلب.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً للنشطاء المناهضين للحوثيين (فيسبوك)

كما يتحدث حقوقيون عن تعرض كثير من المحتجزين لسوء معاملة متكرر، يشمل الضرب، والإهانة، والحرمان من الزيارة المنتظمة، ومنع التواصل مع أسرهم لفترات طويلة، فضلاً عن غياب أي إشراف طبي مستقل يمكنه تقييم أوضاعهم الصحية أو متابعة الحالات الحرجة.

ويربط ناشطون بين هذه الظروف وبين تزايد الوفيات، مؤكدين أن كثيراً من المرضى لا يُنقلون إلى المستشفيات إلا بعد وصولهم إلى مراحل متأخرة يصعب معها إنقاذ حياتهم، في حين يموت آخرون بصمت داخل الزنازين، دون إعلان رسمي أو تحقيق شفاف.

معتقلات سرية

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الاتهامات الموجهة للجماعة الحوثية بتوسيع شبكة المعتقلات والسجون السرية في محافظة إب، وهي منشآت لا تخضع لأي رقابة قضائية أو قانونية، ويُحتجز فيها مدنيون ومختطفون قسراً في ظروف أكثر قسوة من السجون المعروفة.

وكانت منصة «ضمير» الحقوقية قد كشفت في تقرير سابق عن وجود أكثر من 14 معتقلاً سرياً في المحافظة، تدار من قِبل مشرفين أمنيين حوثيين، ويتمركز معظمها داخل معسكرات ومقار محصنة خارج المدينة أو في منشآت مدنية جرى تحويلها أماكن احتجاز.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس حشداً للجماعة دعا إليه زعيمها (أ.ف.ب)

وحسب التقرير، تشمل تلك المواقع معسكر الحمزة في ميتم، ومعسكر القوات الخاصة في منطقة شبان، ومعتقل اللواء 55 في يريم، إلى جانب سجون في المركز الثقافي ونادي الاتحاد وملعب الكبسي، فضلاً عن مرافق تابعة لجهاز الأمن السياسي.

وتقول تقارير حقوقية إن تلك المعتقلات تُستخدم في احتجاز مدنيين خارج الأطر القانونية، مع ممارسة ضغوط نفسية وجسدية عليهم، وانتزاع اعترافات بالقوة، وابتزاز أسرهم مالياً مقابل الإفراج عنهم، في نمط تصفه المنظمات الحقوقية بأنه يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.


تقرير دولي يرصد تنامي الصراع بين الحوثيين والقبائل

أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

تقرير دولي يرصد تنامي الصراع بين الحوثيين والقبائل

أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

رصد تقرير دولي حديث تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الصراع بين الجماعة الحوثية والقبائل في مناطق سيطرتها، بالتوازي مع تفاقم مؤشرات انعدام الأمن الغذائي، واتساع الضغوط المرتبطة بإمدادات الوقود، في صورة تعكس تعقّد المشهد الإنساني، والاقتصادي، والأمني في اليمن، مع استمرار الحرب، وتزايد انعكاسات التوترات الإقليمية على طرق التجارة، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد.

وأظهرت البيانات التي تضمنها التقرير، الذي شاركت في إعداده ست منظمات دولية وأممية لرصد الأوضاع في اليمن خلال مارس (آذار) الماضي، أن مناطق سيطرة الحوثيين شهدت خلال شهر واحد سلسلة من المواجهات، والاضطرابات القبلية خلفت نحو 20 قتيلاً، في وقت ارتفعت فيه معدلات الاستهلاك الغذائي غير الكافي إلى مستويات مقلقة، وسط اتساع فجوة الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة.

وحذر معدّو التقرير من أن تداخل الأزمات المحلية مع التطورات الإقليمية -ولا سيما التوترات المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى- يفاقم الضغوط على الاقتصاد اليمني، سواء عبر ارتفاع تكاليف النقل، والتأمين البحري، أو من خلال اضطراب أسواق الطاقة، بما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، والوقود، وفرص الدخل المحدودة أصلاً لدى غالبية السكان.

الحوثيون يغذون الصراعات الداخلية بعد فشلهم في ترويض القبائل (إعلام محلي)

وبحسب التقرير، ظل الحرمان الغذائي الشديد مرتفعاً عند حدود 30 في المائة على مستوى البلاد، مع تجاوز جميع المحافظات اليمنية العتبات الحرجة، في مؤشر يعكس استمرار التدهور المعيشي رغم الجهود الإنسانية المبذولة لاحتواء الأزمة.

وبيّنت البيانات أن معظم الأسر اليمنية واصلت الاعتماد على استراتيجيات تكيف قاسية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، حيث ارتفع اللجوء إلى استراتيجيات التكيف الغذائي الشديدة إلى نحو 43 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، مقارنة بـ39 في المائة في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.

إلى ذلك، اضطرت ما بين 62 و69 في المائة من الأسر إلى خفض عدد الوجبات اليومية، أو تقليص محتواها الغذائي، ضمن ما تصنفه المنظمات الدولية في مرحلتي «الأزمة» و«الطوارئ».

وتشير هذه الأرقام، وفق مراقبين، إلى أن اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار بات يدفع مزيداً من الأسر نحو استنزاف أدوات الصمود التقليدية، مثل بيع الأصول المحدودة، أو تقليص الإنفاق على الصحة، والتعليم، أو اللجوء إلى الديون، وهي خيارات تزيد من هشاشة المجتمع على المديين المتوسط، والبعيد.

إنذارات مرتفعة

في جانب التجارة والإمدادات، رصد التقرير 16 إنذاراً حرجاً، و544 إنذاراً مرتفع المخاطر خلال فترة التقرير، وكان النصيب الأكبر منها مرتبطاً بواردات الغذاء، مع تسجيل 16 إنذاراً حرجاً، و276 تنبيهاً مرتفعاً، وهو ما عُدّ مؤشراً على استمرار الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية للسلع الأساسية، وصعوبة انعكاس أي انخفاض خارجي على الأسواق اليمنية المنهكة.

43في المائة من السكان في مناطق الحوثيين لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء (إعلام محلي)

كما سجّل مؤشر واردات الوقود 215 تنبيهاً بارتفاع المخاطر، منها 213 تنبيهاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مقابل تنبيهين فقط في محافظة سقطرى الخاضعة للحكومة، بما يعكس حجم الضغوط على منظومة الإمداد في تلك المناطق، سواء بفعل القيود اللوجستية، أو ارتفاع كلفة النقل والتوزيع، أو اختلالات السوق المحلية.

وأكد التقرير أن مؤشر واردات الوقود البديلة في مناطق سيطرة الحوثيين انخفض، لكنه ظل أعلى بنسبة 22 في المائة من عتبة التنبيه المرتفع، وهو ما يعني استمرار هشاشة الإمدادات، وبقاء السوق عرضة لأي اضطرابات إضافية.

ووفقاً للبيانات، بلغ متوسط السعر التراكمي للتر البنزين في مناطق سيطرة الحوثيين 1.70 دولار، وهو أعلى من السعر العالمي البالغ 1.17 دولار، في وقت بقيت فيه الأسعار المحلية مستقرة نسبياً، رغم ارتفاع أسعار الوقود العالمية بنسبة 39 في المائة نتيجة الحرب في إيران، والاضطرابات التي مست صادرات الوقود عبر مضيق هرمز، ما يطرح تساؤلات بشأن آليات التسعير، والفجوة بين الكلفة الحقيقية والسعر النهائي للمستهلك.

بائع متجول يقدم وجبات خفيفة على عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)

وفي المقابل، سجّلت مناطق الحكومة المعترف بها دولياً انخفاضاً ملحوظاً في متوسط أسعار الديزل والبنزين بالريال اليمني منذ منتصف العام الماضي، مدفوعاً بتحسن نسبي في قيمة العملة المحلية، مع تسجيل تراجع بنسبة 26 في المائة للديزل، و27 في المائة للبنزين مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

صدامات قبلية

أمنياً، أظهر التقرير تصاعداً واضحاً في الصدامات القبلية، والمواجهات المحلية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، في تطور يسلّط الضوء على التوتر المتنامي بين الجماعة والبنية القبلية التي سعت خلال السنوات الماضية إلى احتوائها عبر مزيج من الترغيب، والإكراه، وإعادة تشكيل الولاءات المحلية.

وسجل مؤشر الصراع خمس حالات إنذار مرتفعة المخاطر، أربع منها في محافظة تعز، حيث تتكرر الاتهامات للحوثيين بخرق تفاهمات التهدئة، واستهداف مناطق مدنية على خطوط التماس، فيما سُجلت الحالة الخامسة في محافظة الجوف التي تشهد بصورة متقطعة مواجهات بين الجماعة والقبائل، إلى جانب نزاعات ثأرية متشابكة.

وسط أزمة مالية غير مسبوقة يتنامى العنف في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي محافظة الجوف، أشار التقرير إلى أن مديرية خب والشعف شهدت تصاعداً في أعمال العنف المرتبطة بالنزاعات القبلية، كان أبرزها مقتل شيخ قبلي وشخص آخر في كمين مسلح على خلفية ثأر قبلي، إلى جانب سقوط قتيل في اشتباكات بين مجموعتين قبليتين في مدينة الحزم، مركز المحافظة.

أما في منطقة حرف سفيان بمحافظة عمران، شمال صنعاء، فرصد التقرير مواجهات مباشرة بين الحوثيين ومسلحين قبليين أسفرت عن سقوط سبعة قتلى، وثلاثة عشر جريحاً، في واحدة من أعنف الحوادث خلال الفترة المشمولة بالرصد، قبل أن تتبعها عملية كمين استهدفت أحد المشرفين الحوثيين، وأسفرت عن مقتل نجله، واثنين من مرافقيه.

وامتدت أعمال العنف إلى محافظة الحديدة، حيث وثق التقرير إطلاق نار استهدف مزارعين في وادي مور، ما أدى إلى مقتل شخص، وإصابة طفل، أعقبه بيوم واحد اغتيال شيخ قبلي، في مؤشر على اتساع رقعة الاضطرابات خارج نطاق المواجهات العسكرية التقليدية.