انتخابات «مجلس الشيوخ» ترسم خريطة القوى السياسية في مصر

«مستقبل وطن» يتقدم الترشيحات رغم توقعات تراجعه أمام «الجبهة الوطنية»

«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)
«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)
TT

انتخابات «مجلس الشيوخ» ترسم خريطة القوى السياسية في مصر

«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)
«مجلس الشيوخ» المصري (مجلس الشيوخ)

يبدو أن 5 سنوات أخرى من الصدارة تنتظر حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأغلبية البرلمانية حالياً، بعدما حاز أغلب مقاعد «القائمة الوطنية» لخوض انتخابات «مجلس الشيوخ»، (الغرفة الثانية للبرلمان)، التي تجري مطلع أغسطس (آب) المقبل، تمهيداً لمنافسة أكثر احتداماً في انتخابات مجلس النواب (الغرفة الأولى)، نهاية العام الجاري.

وتعد انتخابات «الشيوخ»، أحد مفاتيح فهم الخريطة السياسية للسنوات المقبلة، وفق نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عماد جاد، إذ إنها «أول انتخابات نيابية في الموسم الانتخابي الحالي».

ويضيف جاد لـ«الشرق الأوسط»: «لأن المجلس بصلاحيات استشارية، فإننا نستشفّ منه التوجهات القائمة، لكن مع توقع معركة أصعب في مجلس النواب، فهو بمثابة بروفة لها».

ويبلغ عدد أعضاء مجلس الشيوخ 300 عضو، من بينهم 100 يُعيِّنهم رئيس الجمهورية، و100 يُنتظر فوزهم في الانتخابات بـ«التزكية»، وهم المرشحون على القائمة الموحدة، بوصفها القائمة الوحيدة المرشحة، فيما تقتصر المنافسة في الانتخابات على 100 مقعد في النظام الفردي.

ويحظى حزب «مستقبل وطن»، بـ 44 مقعداً من أصل 100 مقعد في القائمة، متقدماً على حزب «الجبهة الوطنية» الوليد، الذي يضم وزراء ومسؤولين سابقين في الدولة.

وتضم القائمة في معظمها أحزاباً موالية للسلطة المصرية، وحصل حزب «الجبهة الوطنية» على 12 مقعداً في المركز الثالث داخل «القائمة»، سبقه حزب «حماة وطن» بـ19 مقعداً، ثم جاء في المركز الرابع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» بـ5 مقاعد، وحصل حزبا «العدل» و«الإصلاح والتنمية» على 4 مقاعد لكل منهما، ولم يحصل حزب «الوفد» إلا على مقعدين.

حزب «مستقبل وطن» يتقدم بأكبر عدد مرشحين في انتخابات مجلس الشيوخ (حزب «مستقبل وطن»)

وأشار جاد إلى أن «القراءة الأولى للخريطة الانتخابية تؤكد أن حزب (مستقبل وطن) سيظل صاحب الأغلبية خلال السنوات الخمس المقبلة هي عمر المجالس الجديدة»، معتبراً أن «احتلال حزب الجبهة، المركز الثالث في القائمة كان مفاجئاً، ولا يتناسب مع التصورات التي رُسمت حول الحزب عند تدشينه، بوصفه جاء ليتصدر المشهد السياسي».

واستشهد جاد بـ«خروج كثير من رجال الأعمال والنواب من حزب (مستقبل وطن) للانضمام إلى حزب (الجبهة الوطنية) وسط توقعات بأنه حزب الأغلبية الجديد، لكن الواقع أثبت خطأ تقديرهم، في ظل الفارق الكبير بين أعداد مرشحي حزبي (مستقبل وطن) و(الجبهة)، وبالتالي حجم كل منهما داخل مجلس الشيوخ، ومن بعده النواب».

وقدم حزب «الجبهة الوطنية» 10مرشحين فقط للمنافسة على 100 مقعد في النظام الفردي، في المقابل قدم حزب «مستقبل وطن» أكثر من 38 مرشحاً، وكان لافتاً تقديمه أكثر من نصف الأعداد المخصصة لكل محافظة؛ ففي القاهرة قدم 7 مرشحين، فيما يبلغ عدد المقاعد المخصصة للمحافظة 10، وفي الجيزة قدم 5 مرشحين للمنافسة على 8 مقاعد.

مؤتمر انتخابي لحزب «الجبهة الوطنية»... (حزب الجبهة)

وأرجع المتحدث باسم حزب «الجبهة الوطنية»، محمد مصطفى شردي، محدودية أعداد المرشحين لـ«مجلس الشيوخ» إلى «طبيعة الحزب الذي لم يأتِ إلى الحياة السياسية لرغبة في الحصول على أكثرية المقاعد، بل لإعادة ثقة المواطن في العملية الانتخابية ودفعه للمشاركة فيها»، مشيراً إلى أنهم «يرغبون في إعلاء قيمة الوطن، ومبدأ المشاركة لا المغالبة، لذا تنازلوا عن مقاعد لهم في القائمة لصالح أحزاب أخرى رأوا ضرورة أن تُمثَّل في المجلس»، مؤكداً أن «أعدادهم ستزيد في الانتخابات المقبلة والتي تليها».

وأضاف شردي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحزب قدم 22 من الكفاءات سيؤدون أدواراً مؤثرة داخل المجلس»، في وقت اعتبرت الكاتبة الصحافية والبرلمانية والعضوة المؤسسة بالحزب، فريدة الشوباشي، لـ«الشرق الأوسط» أن «دقة الاختيارات ستبني جسر ثقة مع الناخب، فالهدف ليس الدفع بمرشحين من أجل الوجود».

لكن نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، توقع «خروج كثيرين من الحزب مستقبلاً إذا ظل يتبنى السياسة نفسها، فالهدف في الحياة السياسية هو الوصول إلى الحكم».

المعارضة

وبينما تستعد أحزاب لخوض العملية الانتخابية بعقد المؤتمرات الدعائية، فإن أحزاب «الحركة المدنية الديمقراطية»، (أكبر تجمع مدني للمعارضة)، ترى أنها «أُقصيت عن المشهد باعتماد قانون انتخابات يرتكز على القائمة المطلقة، وباتساع الدوائر الفردية»، وفق المتحدث باسم الحركة وحزب «الدستور»، وليد العماري.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تركت الحرية لأعضائها للمشاركة في الانتخابات، وفي حزب «الدستور» ستتركز مشاركتهم على بعض المقاعد الفردية في مجلس النواب، وذلك «ما لم نُمنع من المشاركة برفض منح أوراق الترشح لنواب الحزب، بدعوى عدم اعتراف لجنة شؤون الأحزاب برئاسة جميلة إسماعيل له».

لاعب كرة القدم السابق عماد متعب خلال مشاركته في أحد مؤتمرات حزب «الجبهة الوطنية» للدعاية الانتخابية (الجبهة الوطنية)

وفي حزب «المحافظين» تقدم مرشح وحيد في محافظة البحر الأحمر على النظام الفردي. وقال المتحدث باسم الحزب محمد تركي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل «استمرار أجواء الإقصاء للمعارضة، تركنا الحرية للأعضاء للمشاركة في الانتخابات أو الامتناع عنها، ولم يُبدِ الرغبة للترشح سوى واحد، والباقون ينتظرون معركة (النواب)».

وأضاف تركي لـ«الشرق الأوسط»: «إن أعضاء الحزب سيظلون يمارسون دورهم السياسي في تقديم الدراسات والرؤى والبيانات وعقد المؤتمرات بوصفها وسيلتهم للتعبير، حتى لو لم يتمكنوا من الوصول إلى مجلسَي الشيوخ والنواب».

في المقابل، ضمن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، وصول 5 نواب إلى «مجلس الشيوخ» القادم ضمن القائمة الموحدة، في اتساع متوقَّع لدور الحزب في المشهد السياسي المقبل، إذ كانت نسبته في المجلس السابق داخل القائمة الموحدة أيضاً، 3 مقاعد فقط. وأرجعت أمينة الإعلام في الحزب منى الشماخ، ذلك، إلى «أداء الحزب ونوابه في الفترة الماضية، سواء داخل مجلسي الشيوخ أو النواب».

وأضافت الشماخ لـ«الشرق الأوسط»: «كلما تحسنت الأجواء السياسية سيكون تمثيل الحزب أكبر، خصوصاً مع الثقة التي دشنها مع الجماهير، بتبني نوابه هموم المواطن، ورفضهم كثيراً من السياسات الحكومية».


مقالات ذات صلة

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

شمال افريقيا مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

يعقد مجلس النواب المصري المنتخب حديثاً أولى جلساته الاثنين بعدما نشرت الجريدة الرسمية الأحد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين 28 عضواً بالمجلس

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)

مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

أسدلت مصر الستار على أطول استحقاق انتخابي، بإعلان «الهيئة الوطنية للانتخابات»، النتائج الرسمية لآخر جولة بانتخابات مجلس النواب (البرلمان)، السبت.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا إحدى اللجان الانتخابية في أثناء إجراء اقتراع انتخابات مجلس النواب المصري (وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية)

ما حجم المعارضة في البرلمان المصري المقبل؟

تشهد مصر جدلاً متصاعداً بشأن حجم المعارضة في مجلس النواب القادم (الغرفة الأولى للبرلمان)، ومدى تأثيرها.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام مجلس النواب المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري)

تكهنات في مصر بتغيير حكومي مع انعقاد البرلمان الجديد

مع اقتراب انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، زادت التكهنات بين برلمانيين وسياسيين مصريين بشأن إجراء تعديل وزاري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر مجلس النواب المصري في العاصمىة الإدارية الجديدة (مجلس النواب)

خريطة «النواب» المصري… سيطرة لـ«الموالاة» وحضور خافت للمستقلين والمعارضة

قبل أيام من إعلان النتائج الرسمية النهائية لانتخابات مجلس النواب، تكشف الخريطة الأولية لتشكيلته الجديدة عن هيمنة أحزاب «الموالاة»، مقابل حضور محدود للمعارضة.

علاء حموده (القاهرة)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».