هل يفضي التفاهم التركي - الروسي إلى حلحلة الأزمة الليبية؟

بعد لقاء لافروف وفيدان على وقع اشتباكات طرابلس الدامية

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
TT

هل يفضي التفاهم التركي - الروسي إلى حلحلة الأزمة الليبية؟

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)

يطرح التقارب في وجهات النظر بين وزيرَي الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والتركي هاكان فيدان، بعد الاشتباكات الأخيرة في العاصمة الليبية، طرابلس، تساؤلات جدية وكثيرة حول دور محتمل للغريمَين التقليديَّين في تفاهم حول الملف الليبي، خصوصاً بعد حديث لافروف عن نفوذهما على أطراف الصراع.

وينظر مراقبون روس وأتراك، تحدَّثت إليهم «الشرق الأوسط»، باهتمام، إلى تأثير علاقة موسكو وأنقرة على مسار الأزمة الليبية، تأسيساً على اصطفاف موسكو السابق إلى جانب «الجيش الوطني» الليبي خلال حرب طرابلس (2019 - 2020)، في مقابل دعم تركيا لقوات حكومة «الوفاق» السابقة في طرابلس.

اتفاق على استخدام النفوذ

بعد هدوء دام 5 سنوات، كان لافتاً تصريح لافروف، عقب محادثاته مع نظيره التركي في موسكو، الذي قال فيه إن البلدين «اتفقا على استخدام نفوذهما على الأطراف الليبية؛ لمنع استئناف العمليات القتالية في البلاد».

السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين ونظيره التركي غوفين بيجيتش في طرابلس (الصفحة الرسمية للسفارة الروسية)

ورغم أهمية حديث لافروف، وفق خبير مجلس الشؤون الدولية الروسي كيريل سيمينوف، فإنه يشير أيضاً إلى صعوبة التوصُّل إلى «تسوية شاملة» بين موسكو وأنقرة في الملف الليبي، مشيراً إلى اعتماد الجانبين على «تجزئة النفوذ بين غرب متحالف مع تركيا، وشرق متحالف مع روسيا».

وإذ يشدِّد الخبير الروسي لـ«الشرق الأوسط» على قدرة موسكو وأنقرة على «التدخل والتأثير في القوات الليبية، من خلال امتلاك نفوذ معين لمنع اندلاع حرب شاملة في ليبيا، وكبح جماح الأطراف المتنازعة»، فإنه قال: «يمكن وصف هذا التدخل بأنه دقيق».

ويرى سيمينوف أن «أي سلام سيشبه النموذج السوري للصراع المُجمد قبل رحيل نظام الأسد، حيث يحافظ على التعاون على النفوذ، لكنه يُحافظ أيضاً على الانقسام»، مبرزاً أن المصالحة الحقيقية «تتطلب حواراً ليبياً شاملاً، خصوصاً أن النموذج السوري غير مستدام، كما رأينا».

«حل المشكلة بيد الليبيين»

الملاحظ أن التقارب الروسي - التركي لم يتوقف عند لقاء على مستوى الوزيرَين، بل سارع أيضاً السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين، والسفير التركي غوفين بيجيتش، إلى الاجتماع في طرابلس؛ بهدف «التوصُّل إلى تقييم شامل للوضع الراهن في ليبيا».

نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف رفقة وفد رفيع المستوى من الحكومة الروسية في زيارة سابقة إلى مطار بنينا الدولي بمدينة بنغازي (د.ب.أ)

لكن عمر قرقماز، كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي السابق، عدَّ أن «التفاهم التركي -الروسي لا يكفي»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «كلما تأخَّر الحل في ليبيا ازدادت إمكانية التدخلات الخارجية». وخلص إلى أن «حل المشكلة في يد الليبيين».

وعلى نحو أكثر تفصيلاً، فإن مدير «مركز أورسام» للأبحاث الأكاديمي التركي، أحمد أويصال، وإن كان يقرُّ بمدى «أهمية وتأثير دور كل من موسكو وأنقرة في إيجاد حل دائم في الملف الليبي»، فإنه يرى أن «الحل الدائم يبدأ من الاتفاق بين الليبيين والمجتمع الدولي والفاعلين الدوليين والإقليميين».

وبحسب أويصال، فإن «ليبيا أشبه ما تكون تحت الوصاية الدولية»، وفق تعبيره، الذي عزاه إلى «إشراف الأمم المتحدة الكامل على العملية السياسية، وتشكيل الحكومة، والحوارات بين الأطراف»، إلى جانب تعقيدات خارجية أخرى «تتصل بدور أميركا والأوروبيين وبعض الدول الإقليمية» في هذا الملف.

رئيس الأركان التركي متين غوراك خلال زيارة تفقدية سابقة للسفينة الحربية التركية «تي جي جي كمال رئيس» في مصراتة (وزارة الدفاع التركية)

وهنا يبدو بصيص الأمل من منظور الباحث التركي، عبر «وجود تفاهم بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والروسي فلاديمير بوتين، واهتمام الإدارة الأميركية الحالية بليبيا، وهذا قد يسهِّل وجود تفاهم تركي - روسي».

أما من منظور ليبي فلا تتوقَّع عضوة لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان الليبي، ربيعة بوراص، حلاً قريباً، مبرزة أن «العلاقة بين روسيا وتركيا في الملف الليبي تجسِّد مثالاً معقداً لما يُعرف بـ(التعاون التنافسي) أو (التعاون العدائي)».

وأوضحت بوراص لـ«الشرق الأوسط» وجهة نظرها قائلة: «يتداخل التنافس على النفوذ والمصالح، مع الحرص على تجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة»، معتقدة أن «هذا التوازن الهش أسهم منذ عام 2020 في تجميد العمليات العسكرية الواسعة، لكنه عمَّق أيضاً الانقسامات السياسية والعسكرية داخل ليبيا، ما أعاق أي تقدم حقيقي نحو تسوية شاملة».

إردوغان في لقاء سابق مع عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي بحضور رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش بالقصر الرئاسي في أنقرة (الخارجية التركية)

وعدَّدت النائبة الليبية تحديات أمام حل سياسي في ليبيا، أهمها «تضارب مصالح الفاعلين المحليين والدوليين، وتراجع الزخم الدولي، وانعدام الثقة بين الأطراف الليبية ذاتها».

ومع ذلك، تعتقد البرلمانية الليبية أن «أي حل واقعي ومستدام لا يمكن أن يُبنَى إلا على إرادة وطنية خالصة، تسعى لتوحيد مؤسسات الدولة، وتحقيق توزيع عادل للثروات، وإصلاح عميق للمنظومة الأمنية، بدعم دولي منسق، لا يتغذى على الانقسامات، بل يساعد على ردمها».

علاقة الوجود العسكري بالتسوية الشاملة

ليس بعيداً عن الاهتمام التركي - الروسي بجبهة ليبيا، تبقى للحديث عن الوجود العسكري للبلدين أهميته في الحديث عن مستقبل التسوية الشاملة.

وفي هذا السياق لم تنقطع التقارير الغربية، التي تتحدَّث عن نقل بعض العتاد الروسي بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، من سوريا إلى شرق ليبيا، الخاضع لنفوذ القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، بل ذهبت إلى حديث عن تحركات موسكو بالتنسيق مع حفتر لإنشاء قاعدة عسكرية بـ«معطن السارة» جنوب ليبيا.

عبد الحميد الدبيبة الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة في لقاء سابق مع الوزير فيدال في طرابلس (الخارجية التركية)

لكن الخبير الروسي كيريل سيمينوف نفى وجود أي اتفاق لبلاده بشأن قواعد عسكرية في ليبيا، مؤكداً أنه «لا حديث عن وجود دائم ما دام اتفاق رسمي بشأن القواعد لم يُبرم»، مستنداً في ذلك إلى «عدم وجود جهة لتوقيع مثل هذه الاتفاقية في بلدٍ يتعارض فيه البرلمان والحكومة».

في المقابل، يرى سيمينوف أن «روسيا تحتاج إلى منافذ لوجيستية إلى منطقة الساحل، التي تربطها بدولها اتفاقيات عسكرية، وليبيا مهمة لروسيا من هذا المنظور»، مبرزاً أن «موسكو لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، بل تهتم بالجوانب اللوجيستية».

الرئيس التركي في لقاء سابق مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بحضور رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (الرئاسة التركية)

أما على صعيد الوجود العسكري التركي في ليبيا، فإنه بحسب الباحث التركي «سيستمر في الأمدين القريب والمتوسط، خصوصاً أنه وُجد بقرار من الليبيين، وتركيا لا تفرض قواتها... وسنحت لنا مصالح اقتصادية وتجارية وبحرية في ليبيا، علاوة على الأمن والدفاع».

وإبان حرب طرابلس، أرسلت تركيا قوات إلى غرب ليبيا، إلى جانب آلاف المرتزقة من عناصر الفصائل السورية المسلحة الموالية لها، كما أنشأت قيادةً عسكريةً مشتركةً في طرابلس.


مقالات ذات صلة

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية.

«الشرق الأوسط» (تونس-روما)
شمال افريقيا المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

يسعى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، إلى تعضيد موقفه السياسي عبر تكثيف لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة تحوطاً لتفعيل مقترح أميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».