تجدّد الجدل في مصر حول رفض حبس الصحافيين في قضايا تتعلق بالنشر، إثر حكم صدر مؤخراً ضد رئيس تحرير جريدة «الدستور» محمد الباز، في إدانته بـ«سبّ وقذف الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم»؛ ما استدعى تدخل نقيب الصحافيين الذي دعا بدوره لإصدار قانون يمنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
وتتعلق القضية بدعوى تقدمت بها نوارة نجم ابنة الشاعر الراحل، ضد الباز، بعد وصفه الشاعر الراحل بـ«الإرهابي» و«المرتزق»، خلال برنامج على «يوتيوب».
وقضت محكمة الجنح الاقتصادية بحبس الباز شهراً وكفالة خمسة آلاف جنيه (نحو 100 دولار) لوقف التنفيذ، وإلزامه بأداء مبلغ عشرة آلاف جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت، حسب ما أعلنته نوارة نجم ابنة الشاعر الراحل عبر صفحتها على «فيسبوك»، السبت، قبل أن تؤكد في وقت لاحق «تنازلها عن الدعوى الجنائية» مقابل سيرها في «الدعوى المدنية»، وذلك «تقديراً لموقف نقيب الصحافيين خالد البلشي، الرافض للحبس في قضايا النشر، ومساعيه لتغيير القوانين التي تتيح ذلك».
وفور نشر الحكم الصادر بحبس الباز، أكد البلشي في بيان عبر «فيسبوك»، السبت، «موقف النقابة الثابت والرافض لتوقيع عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر»، تنفيذاً لنص «المادة 71» من الدستور، و«المادة 29» من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.
وتحظر «المادة 29» من قانون تنظيم الصحافة رقم «180» لعام 2018 توقيع عقوبة سالبة للحريات في قضايا النشر، إلا في ثلاث حالات، وهي «الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد».
وحازت القضية اهتمام الصحافيين في مصر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ممن اعتبروا الحكم «تقييداً لحرية الرأي»، وخصوصاً أن «نجم نفسه كان معروفاً بآرائه وانتقاداته اللاذعة للكثير من الشخصيات العامة»، وعلق أحدهم: «لو كان نجم حُبس على كل شخص شتمه (قذفه) لقضى أكثر من سنوات عمره في السجن».
وأوصى المؤتمر العام السادس لنقابة الصحافيين في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، ضمن مخرجاته بـ«ضرورة الإسراع في إصدار قانون يمنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، باعتباره قانوناً مكملاً للدستور»، حسب بيان نقيب الصحافيين، موضحاً أن النقابة أعدت مشروع قانون، داعياً جميع الأطراف للعمل على إقراره.
ويوجد 23 صحافياً مصرياً قيد الحبس الاحتياطي في قضايا تتعلق بـ«نشر أخبار كاذبة»، حسب تصريح سابق للبلشي، بينهم «أكثر من 15 زميلاً امتدت فترات حبسهم الاحتياطي لأكثر من عامين، وبعضهم تجاوزت فترات حبسهم خمس سنوات كاملة».
ورغم أنه لم يعد وارداً تعرض الباز للحبس في القضية الأخيرة، فإنها فتحت الباب لإعادة المطالبة بمنع الحبس في قضايا النشر. وتقول مقررة لجنة الحريات في نقابة الصحافيين، إيمان عوف، لـ«الشرق الأوسط» إن «النقابة سبق أن قدمت مشروع قانون كاملاً يطالب بتغيير المواد السالبة للحريات في كل القوانين المصرية، سواء قانون العقوبات أو تنظيم الصحافة أو غيرهما، لكن البرلمان لم ينظر فيه حتى الآن».
وتؤكد عوف أن النقابة لديها خطة للإصلاح التشريعي بدأت بحملة للمطالبة بتعديل المواد المقيدة لعمل الصحافيين، من خلال مؤتمر في النقابة، السبت، وستتطرق الفترة المقبلة لمواد الحبس.
ويدعم رئيس تحرير جريدة «الشروق»، عماد الدين حسين، رفض حبس الصحافيين في أي قضايا تتعلق بالرأي، لكنه يرهن ذلك بفرض عقوبات مغلظة أخرى غير العقوبات السالبة للحرية، مثل «الغرامات المالية الكبيرة التي تردع الصحافي دون أن تعرضه للحبس».
وقال حسين لـ«الشرق الأوسط» إن «الغرامة أمر معمول به في كثير من دول العالم، والتحرك لتغيير القوانين التي تتيح بعض نصوصها حبس الصحافي أمر نقابي».
وكان البلشي أكد في بيانه أن «رفض الحبس في قضايا النشر لا يُقصد به تحصين المتهمين في قضايا النشر (صحافيين أو مواطنين) من المحاسبة، لكنه حماية للحق في التعبير وصون للدستور»، مشيراً إلى سبل قانونية ونقابية تكفل حماية حقوق المواطنين والمجتمع من أي انتهاكات عبر النشر، دون اللجوء للحبس.
وثمّن عماد الدين حسين موقف نوارة نجم في التنازل عن حكم الحبس، واعتبره «دليلاً على إيمانها بعدم تعرض الصحافي للحبس في قضية نشر».



