تسجيل صوتي لناصر يستعيد الخلاف العربي بشأن مواجهة إسرائيل

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)
TT

تسجيل صوتي لناصر يستعيد الخلاف العربي بشأن مواجهة إسرائيل

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - متداولة)

شهدت الساعات الماضية تداولاً على نطاق واسع لتسجيل صوتي يجمع بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وآخرين، وتسبب في جدل كبير نظراً لانطوائه على تصريحات لعبد الناصر بشأن الخلاف العربي حول مواجهة إسرائيل.

تضمن التسجيل، الذي لم تنفِ أي جهة رسمية صحته حتى الآن، قول عبد الناصر إن «هناك من يزايد على مصر» وخصّ بالذكر العراق وسوريا والجزائر واليمن وبعض المنظمات الفلسطينية، قائلاً: «إذا كان حد عايز يكافح ما يكافح... إذا كان حد عايز يناضل ما يناضل»، مؤكداً أن «العرب لا يملكون القدرة العسكرية على مواجهة إسرائيل، وأن أميركا هي الداعم لها».

وحسب ما تم تداوله من معلومات حول تاريخ التسجيل، فإنه كان في 4 أغسطس (آب) 1970 أي قبل نحو شهرين من وفاة جمال عبد الناصر، وتضمن التسجيل أيضاً «قبول ناصر بالحل الجزئي السلمي مع إسرائيل مقابل استرداد الأراضي التي تم احتلالها في عام 1967، ولكن تحدث عن مزايدات عربية على مصر، وتطالبها بكامل الأرض مرة واحدة عبر المواجهة العسكرية، بينما لا يفعلون شيئاً إلا المزايدات»، حسب وصفه.

ونقلت جريدة «الشروق» المصرية عن عبد الحكيم، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أن هذا التسجيل موجود ضمن مقتنيات عبد الناصر في مكتبة الإسكندرية، وأنه منشور على قناة «يوتيوب» تابعة لعبد الحكيم نفسه، وتحمل اسم والده، لكن مكتبة الإسكندرية نفت في بيان رسمي أن تكون مصدر التسجيل، إلا أنها لم تنفِ أو تؤكد صحته من عدمه.

وأفاد المكتب الإعلامي لمكتبة الإسكندرية رداً على استفسار «الشرق الأوسط» بأن «التسجيل بصورته المنشورة وبترتيب الحوار فيه لا يوجد في سجلات المكتبة، لكن هناك ساعات طويلة من التسجيلات لعبد الناصر بالمكتبة، وقد يكون من ضمنها، ولكن ليس بنفس الترتيب، وجارٍ التحقق من ذلك».

وبحسب نجل عبد الناصر، فإن هذا التسجيل دليل على أن والده لم يكن ديكتاتوراً، ولم يكن لديه ما يخشاه، بحسب ما يتهمه به معارضوه، بدليل أنه كان يسجل كل لقاءاته، رغم علمه بأن بعضها قد يستخدم ضده، مشيراً إلى أن التسجيل ليس به ما يضرّ بصورة عبد الناصر، ويجب النظر إليه في توقيته والظروف المحيطة به، لأنه كان يحارب إسرائيل بالفعل في حرب الاستنزاف، وقبِل بمبادرة وزير الخارجية الأميركي، وليام روغرز، لوقف إطلاق النار لكي يستعيد صفوف قواته، وكانت هذه المبادرة تنصّ على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، مع تخيير الفلسطينيين بين العودة لأراضيهم أو التعويض، ومن ثم لا يمكن اتهامه بخيانة القضية، إلا أنه وجد مزايدات كثيرة عليه، فطالب من يزايدون بالتوجه للحرب، وأنه لن يمنعهم.

تجدر الإشارة إلى أن تداول هذا التسجيل في وقت يثور فيه جدل كبير أيضاً بشأن الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة، ووجود أصوات في مصر ترى أن هناك أيضاً تحاملاً من البعض على الموقف المصري، ومطالبة القاهرة بالمواجهة، حسب تعبيرهم.

ويرى القيادي الناصري ونقيب المحامين السابق بمصر، سامح عاشور، أن «توقيت نشر هذا التسجيل يثير كثيراً من الريبة، خاصة في ظل حالة الاصطفاف الوطني التي يعيشها الشعب المصري حالياً لمواجهة الضغوط الصهيونية والأميركية بشأن قضية التهجير القسري للفلسطينيين».

وأكّد في تصريحات صحافية أن «الهدف من ترويج مثل هذه التسجيلات هو محاولة ضرب المعنويات المصرية والنيل من التماسك الشعبي»، مشيراً إلى أن مواجهة هذا النوع من الحملات تبدأ بكشفها والتعامل معها بشكل حاسم، باعتبار أن الأمر يتعلق بتاريخ مصر الوطني، وليس بشخص عبد الناصر وحده. كما أكّد أن مصر تحملت أعباء كبرى في حروب 1956 و1967 و1973 دفاعاً عن القضية الفلسطينية، دون أن تطلب من أحد القتال بدلاً عنها، لافتاً إلى أن الشعب المصري كله هو من دفع هذا الثمن، وليس فرداً أو زعيماً بعينه.

فيما يرى المفكر السياسي وعضو مجلس الشيوخ المصري، عبد المنعم سعيد، أن ما جاء في هذا التسجيل «يفهم من جوهره أن مصر كانت لديها فرصة كبرى لتحقيق السلام مقابل الأرض من خلال مبادرة روغرز، ولكن للأسف ضاعت بسبب المزايدات والخلافات العربية والفلسطينية المعتادة والمستمرة حتى الآن».

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن أبداً فهم الأمر بأنه خيانة أو تنازل عن المواجهة من جانب عبد الناصر، فقد كان في مواجهة فعلاً، هي حرب الاستنزاف، وطبيعة الأمور تقول إنه لا بد من هدنة لاستعادة الصفوف والترتيب للمستقبل، وهذا ما أوصلنا لحرب أكتوبر التي تحقق فيها الانتصار، ثم حينما فرضت الظروف على الرئيس الراحل أنور السادات السلام أيضاً حتى لا يضيع ما تحقق، ذهب للقدس، وأراد أيضاً حلاً عربياً وليس مصرياً، ولكن تمت المزايدة عليه كذلك، وكانت النتيجة ما وصلنا له الآن».

التسجيل حقّق رواجاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر. وعن ذلك، قال خبير الإنترنت، محمد فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «ردود الفعل على التسجيل تباينت بين من قال إنها مفبركة وصنعت بالذكاء الاصطناعي وبين من تحدث عن نظرية مؤامرة، خاصة مع انتشار التسجيلات ونشرها في هذا التوقيت. ومنهم من طالب بوضع أطر ونظام لنشر التسجيلات الرئاسية السرية، وربطها بسياق سياسي وزمني لفهمها بشكل أفضل».

وأوضح فتحي أنه «بالرغم من أن قناة (Nasser TV) التي نشرت التسجيل على (يوتيوب) تأسست عام 2018، وحقّقت نحو 11 مليون مشاهدة حتى الآن، فإن هذا التسجيل انتشر بشكل أكبر، وأحدث ضجة واسعة أثارت عدة تساؤلات، أبرزها مصير آلاف الساعات من التسجيلات الكاملة للاجتماعات السرية، وقانون حرية تداول المعلومات، وأحقية أسرة الرئيس الراحل في نشرها من عدمه».

وأعلنت عضو مجلس النواب المصري، مها عبد الناصر، عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»، أنها بسبب هذا التسجيل تشدد «على أهمية وجود قانون حرية تداول المعلومات، الذي يتيح الكشف عن أرشيف الحروب التي مرّت بها مصر بعد مرور أكثر من 50 عاماً على آخر حرب، ما سيتيح لكل الباحثين الملفات والتسجيلات الصوتية كاملة من دون أي اجتزاء، ويسهم من دون أدنى شك في كتابة أكثر إنصافاً للتاريخ وفهماً أكثر عمقاً لمسار الأحداث».

وعلى الطرف الآخر، رأى مؤيدو الرئيس الراحل أنور السادات أن هذا التسجيل يبرئ ساحته من اتهامه بالتخاذل عن الاستمرار في مواجهة إسرائيل واللجوء للتطبيع، رغم انتصار مصر عسكرياً في حرب أكتوبر 1973، وفي نظرهم أن ناصر نفسه كان من نفس مدرسة السادات، التي تؤمن بالتطبيع والسلام حال عدم القدرة على المواجهة، وهو ما يدعم موقف الدول التي تتخذ هذا المنحى حالياً.

وقال الخبير العسكري المصري، العميد سمير راغب، إن «هذا التسجيل ليس جديداً، ولكن انتشاره الآن، وخاصة وضعه على قناة تابعة لأسرة عبد الناصر، إنما هو يعيد الاعتبار للسادات، وأنه لم يخرج عن المنهج المصري الموجود من قبله باللجوء للسلام حينما تكون الظروف تقتضي ذلك، وكل منهما فعل واجبه في الحرب والسلم كما تقتضي الأحوال».

وشدّد على أن «هذا هو المنهج الدائم للدولة المصرية بالتعامل وفقاً للظروف المتاحة وبرؤية واقعية شاملة، ومن ثم هذا التسجيل ينهي الجدل الدائر بين من يرون السادات مخطئاً وأن عبد الناصر كان يتخذ منهج الحرب دون غيرها، وأيضاً يقطع الطريق على من يزايدون على الدولة المصرية حالياً ويطلبون من الرئيس عبد الفتاح السيسي المواجهة، بدعوى أن ذلك كان منهج عبد الناصر».

وأشار راغب إلى أن «مسألة دعم هذا التسجيل لخيار التطبيع العربي مع إسرائيل غير حقيقي، لأن التطبيع هو قرار مستقل لكل دولة، وأي دولة تريد التطبيع ستفعله حتى في وجود عبد الناصر نفسه».


مقالات ذات صلة

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا إلى شراكة استراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاستقرار

تتحرك تركيا وسوريا باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز) p-circle

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل 3 فلسطينيين في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».