أين يقف طرفا هدنة غزة ووسطاؤها؟

جولة جديدة منتظرة من المفاوضات في الدوحة

صبية فلسطينيون يملأون المياه يوم الأحد في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ب)
صبية فلسطينيون يملأون المياه يوم الأحد في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ب)
TT

أين يقف طرفا هدنة غزة ووسطاؤها؟

صبية فلسطينيون يملأون المياه يوم الأحد في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ب)
صبية فلسطينيون يملأون المياه يوم الأحد في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ب)

ما زالت المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة «حماس» تراوح مكانها بين اقتراحات وتحديثات لمقترحات واجتماعات وفود بين القاهرة والدوحة وتل أبيب.

وتتواصل مساعي الوسيطين القطري والمصري بمتابعة حثيثة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لمحاولة التوصل لاتفاق يبدأ بالإفراج عن رهائن إسرائيليين يحملون الجنسية الأميركية، ومحاولة إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار.

ويتوقع أن تستأنف إسرائيل و«حماس» المفاوضات غير المباشرة في الدوحة، وقال مصدر قريب من المفاوضات إن وفد حركة «حماس» برئاسة كبير المفاوضين خليل الحية غادر القاهرة الأحد، إلى قطر.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان، مساء السبت، أن إسرائيل ستواصل المفاوضات غير المباشرة مع «حماس» بشأن استمرار الهدنة الهشة في قطاع غزة.

وفجر الجمعة، قدّمت «حماس» للوسطاء ردّها على مقترح أميركي محدث قدّمه مبعوث ترمب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، ينصّ على «الإفراج عن 5 رهائن أحياء، و10 جثث، إلى جانب عدد آخر من الرهائن، ضمن هدنة محددة بـ50 يوماً»؛ غير أن الحركة في ردّها اقترحت أن يتم الإفراج عن رهينة واحدة من الأحياء تحمل الجنسية الأميركية، إلى جانب 4 جثث من حاملي الجنسية المزدوجة، تزامناً مع فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية.

وشمل ردّ «حماس» العديد من المطالب، التي تبدأ من إطلاق مفاوضات المرحلة الثانية فوراً، للتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار دائم وشامل وانسحاب إسرائيلي من مناطق القطاع كافة، بما في ذلك محور صلاح الدين (فيلادلفيا) على الحدود الفلسطينية - المصرية، وضمان عدم تأجيل المفاوضات لعدم منح إسرائيل فرصة للتلاعب، كما أكدت سابقاً مصادر من الحركة لـ«الشرق الأوسط».

وانتهت المرحلة الأولى من الاتفاق في الأول من مارس (آذار) من دون توافق بشأن المراحل التالية، إلا أن الحرب المفتوحة لم تستأنف.

المعبر والتهجير

واشترطت «حماس» أن يتم فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، وهو طلب رفضته إسرائيل، وعدّته أميركا مبالغة، بينما تعدّ الحركة أن هذا الشرط يعد مهماً للتصدي لمحاولات تل أبيب وواشنطن المضي قدماً بمخططات تهجير الفلسطينيين.

وترى «حماس» أنه عبر السماح بعودة الغزيين في الخارج، خاصةً أن غالبيتهم يعيشون ظروفاً صعبة بعد خروجهم من القطاع خلال الحرب، قد تُفشل الحركة مخطط التهجير.

ووفقاً لمصادر من «حماس»، فإن ردّ الحركة كان يُعدّ أولياً وفي إطار الردود المتبادلة داخل عملية المفاوضات الجارية، مشيرةً إلى أن الوفد القيادي الذي توجه إلى القاهرة في ساعات ما بعد ظهر الجمعة، بحث تفاصيل ردّ الحركة، والردّ الإسرائيلي عليها.

وبيّنت المصادر أن هناك مطالب من قبل إسرائيل تحاول من خلالها التنصل بطريقة أو بأخرى من الالتزام ببعض القضايا، منها رفضها التام لإعادة فتح معبر رفح، أو الانسحاب بشكل كامل من محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، إلى جانب اشتراطها تقديم «دلائل حياة» بالنسبة لما تبقى من مختطفين، ووضع شروط غير ملائمة تتعلق بإدخال وتسليم المساعدات، وامتناعها عن إدخال البيوت المتنقلة والخيام والمعدات الثقيلة، وربطت كل ذلك باستمرار المفاوضات للتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار شامل.

سلع على شاحنات متوقفة على الجانب المصري من معبر رفح بعد تعليق إسرائيل إدخال المساعدات لغزة (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن «الاتصالات ما زالت جارية مع كل الأطراف من أجل محاولة إيجاد حلول»، مشيرةً إلى «أن الوسطاء، بما فيهم الولايات المتحدة، معنيون بشكل كبير باستمرار وقف إطلاق النار وتمديده لأكبر مدة ممكنة لحين التوصل لاتفاق شامل، خاصةً أننا اقتربنا من أواخر شهر رمضان، وعيد الفطر، وحاجة السكان في غزة لإمدادات الغذاء وغيرها، في ظل إغلاق المعابر ورفض إسرائيل تقديم أي بادرة حسن نية، بإعادة فتحها، للتقدم بالمفاوضات».

ضغوط لمنع الحرب

وتتوقع مصادر «حماس»، التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حدوث اختراق في المفاوضات الجارية، مشيرةً إلى أن هناك محاولات حثيثة من الوسطاء لتقريب وجهات النظر للعمل على حلّ الأزمة القائمة.

وتشير المصادر إلى وجود ضغوط حقيقية على إسرائيل تمنع حتى الآن عودة الحرب، مؤكدةً أن «حماس» غير معنية هي الأخرى بعودة القتال.

وكان ويتكوف، إلى جانب مجلس الأمن القومي الأميركي، أكدا، الجمعة، تقديم مقترح جديد لـ«تضييق الفجوات»، بهدف تمديد فترة وقف إطلاق النار حتى ما بعد شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي.

أطفال يتدافعون للحصول على وجبة إفطار رمضاني لهم ولذويهم في بيت لاهيا شمال قطاع غزة في 10 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وقال البيان المشترك: «أُبلغت (حماس) من خلال شركائنا القطريين والمصريين، بشكل قاطع، بضرورة تنفيذ هذه الخطة قريباً، وإطلاق سراح المواطن الأميركي الإسرائيلي عيدان ألكسندر فوراً».

وذكرت هيئة البثّ الإسرائيلية العامة، أن إسرائيل ترفض ردّ «حماس»، وما زالت تتمسك بمقترح المبعوث الأميركي، مشيرةً إلى أنها تسعى لمحاولة «زيادة عدد الأسرى الأحياء الذين سيطلق سراحهم من 10 إلى 16 أسيراً، وأن يتم إطلاق سراحهم في اليوم الأول».

وما زالت إسرائيل تتخوف من إمكانية أن تتخذ الولايات المتحدة موقفاً يجبرها على تقديم تنازلات لصالح حركة «حماس»، خاصةً في ظل سعي إدارة ترمب الواضح لمحاولة إطلاق سراح الرهائن الأحياء والأموات من حملة الجنسية الأميركية.

تهديدات إسرائيلية

وفي تصعيد للضغط أثناء التفاوض، نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية الناطقة بالإنجليزية، الأحد، أن المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) قد يصادق على خطة عسكرية لاستئناف الحرب بغزة في حال لم يحصل أي تقدم في المفاوضات.

لكن المجلس في اجتماعه، مساء السبت، صادق بأغلبية على الإيعاز لفريق التفاوض بالاستمرار في التواصل مع الوسطاء، في وقت ذكرت فيه هيئة البثّ أنه تم إقرار فرض مزيد من العقوبات على قطاع غزة، ما يؤشر إلى أن الخيار العسكري سيكون آخر الخيارات بالنسبة لتل أبيب.

دبابة إسرائيلية وحولها مجموعة من الجنود خلال العمليات في قطاع غزة (الجيش الإسرائيلي)

وقد تلجأ إسرائيل فعلياً إلى الحرب مجدداً في أي لحظة بسيناريوهات مختلفة عما كانت عليه سابقاً، إلا أنها ما زالت تفضل المسار الدبلوماسي، رغم الدعم الأميركي اللامتناهي على الأقل إعلامياً من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاتخاذها أي إجراءات، في حين يحاول مبعوثه ستيف ويتكوف منع عودة القتال، وهو ما أكده أيضاً مسؤولون أميركيون لقيادة «حماس» في اجتماعاتهم بالدوحة مؤخراً، كما أكدت مسبقاً مصادر لـ«الشرق الأوسط».

ولا تستبعد «حماس» أن تُقدم إسرائيل على مثل هذه الخطوة. الأمر الذي دفعها لاتخاذ إجراءات أمنية مشددة تتعلق باختفاء قياداتها مجدداً، وتجنب استخدام الهواتف النقالة وغيرها من الإجراءات، بما في ذلك تفعيل «الرباط» لعناصرها المسلحين في شوارع القطاع، خشيةً من تسلل قوات إسرائيلية خاصة، أو تقدم بريّ علنيّ في بعض المناطق.


مقالات ذات صلة

كندا تنقل بعض دبلوماسييها من تل أبيب وتدعو مواطنيها إلى مغادرة إيران

شؤون إقليمية علم كندا يظهر وسط ساحة مليئة بالثلوج (رويترز)

كندا تنقل بعض دبلوماسييها من تل أبيب وتدعو مواطنيها إلى مغادرة إيران

أعلنت كندا أنها تنقل الموظفين الدبلوماسيين غير الأساسيين من تل أبيب بسبب «التوترات المستمرة في المنطقة»، فيما تدرس الولايات المتحدة توجيه ضربة إلى إيران.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)
المشرق العربي طفل فلسطيني يبكي أحد أقاربه الذي قُتل في غارات إسرائيلية على خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ارتفاع حصيلة الغارات الإسرائيلية على غزة إلى سبعة قتلى

أعلن «الدفاع المدني» بغزة، الجمعة، أن سبعة أشخاص قُتلوا في قصف جوي للقطاع، بينما أكّد الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ غارات عليه رداً على «خرق لوقف إطلاق النار».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي كوفيات وأعلام فلسطينية يرفعها الطلاب المحتجون في قلب حرم جامعة كولومبيا بنيويورك (أرشيفية - غيتي)

الأميركيون يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين من الإسرائيليين

كشف استطلاع أعدته مؤسسة غالوب انقلاباً في تعاطف الأميركيين مع الفلسطينيين بعد عقود من الدعم الساحق للإسرائيليين.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي طفل فلسطيني خلال تشييع والده الشرطي الذي قُتل بغارة إسرائيلية في خان يونس الجمعة (رويترز)

الوضع الإنساني يتفاقم في غزة

صعّدت إسرائيل من جديد غاراتها داخل قطاع غزة، موقعة قتلى وجرحى مستهدفة بشكل مباشر عناصر أمنية شرطية وفصائلية، كانت تقوم بمهام حراسة في مناطق وسط القطاع وجنوبه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ احتجاجات جامعة بيركلي في كاليفورنيا لوقف الحرب ضد غزة (إ.ب.أ)

«غالوب»: تعاطف الأميركيين يتغير نحو الفلسطينيين بعد عقود من الدعم القوي لإسرائيل

أظهر استطلاع جديد للرأي أجرته «مؤسسة غالوب» أن تعاطف الأميركيين في الشرق الأوسط تحول بشكل كبير إلى الفلسطينيين بعد عقود من الدعم القوي لإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.