اليمن بصدد إنشاء آلية وطنية للحد من مخاطر الكوارث

تضرّر نصف مليون شخص جرّاء الفيضانات

مياه الفيضانات تتدفق من طريق على مشارف صنعاء (رويترز)
مياه الفيضانات تتدفق من طريق على مشارف صنعاء (رويترز)
TT

اليمن بصدد إنشاء آلية وطنية للحد من مخاطر الكوارث

مياه الفيضانات تتدفق من طريق على مشارف صنعاء (رويترز)
مياه الفيضانات تتدفق من طريق على مشارف صنعاء (رويترز)

مع تأكيد الأمم المتحدة تضرّر أكثر من نصف مليون شخص من جرّاء الفيضانات التي ضربت اليمن خلال الشهرين الماضيين، بدأت الحكومة المعترف بها دولياً مناقشة مشروع إنشاء آلية وطنية للحد من مخاطر الكوارث؛ إذ تحتل البلاد المرتبة السابعة ضمن الدول الأكثر تضرراً من تطرف المناخ.

في هذا السياق، التقى على مدى ثلاثة أيام ممثلون من جانب الحكومة اليمنية والأمم المتحدة؛ لمناقشة مسودة قرار لإنشاء آلية تنسيق وطنية للحد من مخاطر الكوارث، بسبب تواتر الأخطار الطبيعية وشدتها التي يعاني منها اليمن.

نقاشات مستمرة لإنشاء كيان حكومي يمني للحد من مخاطر الكوارث (إعلام حكومي)

وكان اليمن شهد على مدى العقد الماضي موجة من الكوارث الناجمة عن أخطار طبيعية، بما في ذلك الفيضانات والجفاف والزلازل؛ مما أثر في ملايين الأشخاص، في حين نزح داخلياً ما يُقدّر بنحو 4.5 مليون شخص، بمن في ذلك مليونا طفل (14 في المائة من السكان).

ووفقاً لـ«مؤشر مخاطر تغير المناخ لعام 2024» يحتل اليمن المرتبة السابعة بين الدول الأكثر عرضة لتغير المناخ، والأقل استعداداً للصدمات المناخية. بالإضافة إلى ذلك فإن الأزمة الإنسانية المتعاقبة التي تفاقمت بسبب النزاعات المسلحة تزيد من قابلية التضرر من جرّاء هذه الكوارث؛ إذ يحتاج ما يقرب من 75 في المائة من السكان حالياً إلى مساعدات إنسانية وفقاً للاتحاد الدولي لجمعيات «الصليب الأحمر» و«الهلال الأحمر».

ورأى المشاركون في وضع المسودة أن إنشاء آلية التنسيق الوطنية للحد من مخاطر الكوارث «أمر ضروري» للتخفيف من هذه الأرقام المثيرة للقلق، وتعزيز التنسيق، والتصدي بشكل استباقي للتحديات المتعددة الأوجه التي يفرضها تقاطع الأخطار الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان في اليمن.

دوافع الإنشاء

أوضح المشاركون في وضع مسودة الآلية أن الحد من مخاطر الكوارث يشكّل تحدياً تنموياً متشابكاً يتطلّب المشاركة الفاعلة من مختلف قطاعات المجتمع ومؤسساته، للحد من تلك المخاطر ورفع مستوى الاستعداد والتأهب إلى أعلى مستوياته.

وحسب ما جاء في دوافع إنشاء هذه الآلية، فإن اليمن إحدى الدول التي اعتمدت إطار «سنداي» للحد من مخاطر الكوارث، والتزم بتنفيذه بهدف الحد من مخاطرها والخسائر في الأرواح وسبل العيش والصحة، وفي الأصول الاقتصادية والجسدية والاجتماعية والثقافية والبيئية للأفراد والشركات والمجتمعات.

الفيضانات دمّرت الأراضي الزراعية والمساكن في اليمن (إعلام محلي)

ولهذا فإن إنشاء إطار مؤسسي متعدد للإنذار المبكر والتأهب الفعال لاحتمالية حدوث الكوارث يُعدّ أمراً ضرورياً للجمع بين المعرفة والمعلومات والقدرات المؤسسية، وتسهيل اتباع نهج موحد تجاه التنمية الواعية بالمخاطر.

ووفق المقترح فإن آلية التنسيق الوطنية للحد من مخاطر الكوارث ستكون الجهاز الفني المعني بتوجيه وتطوير وتنسيق سياسات وإجراءات الحد من مخاطر الكوارث، بما فيها تلك الناجمة عن التغيرات المناخية في الجمهورية خلال مراحل الوقاية، والتأهب والاستجابة والتعافي.

وأوضح المقترح أن الآليات الوطنية لتنسيق السياسات وتوجيهها في مجال الحد من مخاطر الكوارث عادة ما تتكوّن من القطاعات والتخصصات المتعددة، مع مشاركة القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، وتشمل جميع أصحاب المصلحة المعنيين داخل البلاد، ولهذا سوف تتألّف الآلية الوطنية المقترحة من أصحاب المصلحة ذوي الصلة على الصعيدين الوطني والمحلي، وتحتوي على نقطة اتصال وطنية يجري تكليفها من الحكومة.

ولكي تكون لدى هذه الآليات أساس قوي في الأطر المؤسسية الوطنية، يجب -حسب المقترح- إقرار مزيد من العناصر والمسؤوليات الرئيسية من خلال القوانين والمعايير والإجراءات.

تضرّر أكثر من نصف مليون يمني من الفيضانات خلال شهرين (إعلام محلي)

وتتألّف الآلية من أعضاء رئيسيين من الوزارات المعنية والجهات المختصة في الحد من والاستجابة للكوارث، مثل الدفاع المدني، والمجموعات البحثية والاستشارية والأكاديمية التي تُعنى بالحد من مخاطر الكوارث وتُسهم بفاعلية في تنفيذ الاستراتيجية الخاصة بالوقاية والتأهب والتخطيط، مثل: «المركز الوطني للأرصاد»، ومجموعات أصحاب المصلحة والشركاء خصوصاً الأمم المتحدة والجهات الداعمة.

الحد من الكوارث

يهدف الحد من مخاطر الكوارث في اليمن إلى الحيلولة دون نشوء مخاطر جديدة أو تلك القائمة وإدارة المخاطر المتبقية، وبما يُسهم في تعزيز القدرة على الصمود وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي سبيل ذلك يرى المشروع أن إنشاء فريق وطني متخصص بإدارة مخاطر الكوارث وتغير المناخ سينسّق عمله جهاز فني وإداري يجري تعيينه من رئاسة مجلس الوزراء، لأن الحد من مخاطر الكوارث بات أولوية وطنية، ولذلك فإن الأمر يتطلّب مؤسسات وسياسات قوية ومساندة حقيقية من أصحاب المصلحة والشركاء.

يمنيون يتلقون مساعدات إنسانية في مديرية حيس جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

ويفترض المقترح أن تتولى هذه الآلية تحديد الأخطار والتقييم الدوري لها، بما فيها الأخطار الناشئة عن تغير المناخ ورصدها، وتوثيق الخسائر بشكل منتظم، والاستفادة من العلوم والابتكارات، بما يعمّق الفهم في إدارة مخاطر الكوارث، من خلال تعزيز نظم الإنذار المبكر المتعدد الأخطار والمحافظة على النظم البيئية، بما يعزّز القدرة على الصمود والمرونة.

كما سيتولى هذا الكيان -وفق مسودة الآلية- تقييم سياسات إدارة مخاطر الكوارث وتطويرها، بما يحقق انخفاضاً ملموساً في الخسائر الناجمة عن الكوارث في الأرواح والأصول الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وتوجيه خطط الاستثمارات العامة والخاصة نحو رفع قدرة مؤسسات وقطاعات الدولة والمجتمع على الصمود في وجه الكوارث وتغير المناخ، والسيطرة على المخاطر خلال مراحل الوقاية والتخفيف والتأهب والاستجابة والتعافي.

ويُلقى على عاتق هذا الكيان تعزيز إجراءات التأهب من أجل التصدي للكوارث بفاعلية وإعادة البناء بشكل أفضل خلال مرحلة التعافي، وتقديم التوصيات الخاصة بتحديث التشريعات، بما يتماشى مع الحد من مخاطر الكوارث، وتغير المناخ في سياسات وخطط جميع الوزارات والقطاعات الحيوية خلال جميع مراحل الوقاية والتأهب والاستجابة والتعافي، واعتماد إجراءات التنسيق داخل جميع القطاعات وفيما بينها، وتعزيز التعاون والشراكات مع مجموعات أصحاب المصلحة والشركاء والمؤسسات البحثية والاستشارية والمجموعات الأخرى.

من مهام الآلية

ستتولى آلية التنسيق مراجعة السياسات والتشريعات الوطنية في اليمن المتعلقة بإدارة مخاطر الكوارث وتغير المناخ، وتطوير استراتيجيات وخطط وطنية تتماشى مع التوجهات والمنهجيات العالمية والإقليمية، بما يحقق الأولويات الوطنية ويضمن رفع مستوى التأهب وتقليل مستويات الضعف.

وستعمل الآلية على دعم وتطوير منتديات تنسيق وطنية ومحلية، من أجل تعزيز سياسات وإدارة مخاطر الكوارث وتغير المناخ، بمشاركة مختلف الأطراف الفاعلة وذات العلاقة، وتوجيه وتنسيق الاستثمارات من المنظمات المانحة الإقليمية والدولية والقطاع الخاص، بما يحقق رفع جاهزية الجهات وبناء القدرات والتأهب لمواجهة الكوارث والتغيرات المناخية، والتصدي لها ومعالجة آثارها.

السيول الجارفة تسبّبت في تضرّر نصف مليون يمني خلال شهرين (إ.ب.أ)

وأوكل المشروع إلى آلية التنسيق مهمة تطوير قواعد بيانات خسائر الكوارث الوطنية، ورصد التقدم المحرز في الغايات العالمية والإبلاغ عنها، وإجراء تقييم دوري للأخطار والمخاطر، والعناصر المعرضة للخطر وقابلية التضرر، وتحديد مستويات الضعف ومكامنه، وإجراء تقييم لمستوى قدرات المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمعية المعنية بمواجهة الكوارث، بما في ذلك الكوارث الناجمة عن التغيرات المناخية الحالية.

كما منح الآلية حق تطوير نظم الإنذار المبكر المتعدد الأخطار والمخاطر على المستويين الوطني والمحلي، وتبني أو اعتماد خطط وبرامج التوعية والتثقيف والإعلام وتعميم مصطلحات الحد من مخاطر الكوارث على الشرائح المتنوعة وعبر الوسائل والقنوات المتوافرة، وتشجيع البحث والتقييم العلمي والتكنولوجي في إدارة مخاطر الكوارث، واعتماد نهج إدارة النظم والموارد الطبيعية والبيئية بصفته واحداً من الحلول لمواجهة مخاطر الكوارث وتغير المناخ.

بالإضافة إلى ذلك سيكون من مهام الآلية اليمنية الجديدة تشكيل اللجان الفنية المطلوبة لدراسة القضايا التي تحددها الآلية أو أمانتها الفنية وحسب الحاجة، ومتابعة تنفيذ توصيات وقرارات الآلية داخل الجهات والقطاعات التي يمثلها الأعضاء، وتزويد الآلية بالتقارير المطلوبة حول مستوى التقدم في تنفيذ إجراءات الحد من مخاطر الكوارث، وأي مهام أخرى تُوكل للآلية من خلال الأعضاء، أو ترفع لها من قبل أمانتها.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

العالم العربي الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها في واشنطن لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، مع التركيز على تمكين السلطات المحلية، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أزمة المياه الحادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

الحكومة اليمنية تطالب بدعم مالي عاجل لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة المناخ، وسط تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص التمويل الدولي

محمد ناصر (عدن)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

اتهم العليمي الحوثيين بتهديد الملاحة وخدمة أجندة إيران داعياً لحسم الخطر، فيما هاجمت الجماعة المبعوث الأممي واتهمته بالانحياز، مقابل تحذيرات دولية من التصعيد.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.