غضب يمني من استيلاء الانقلابيين على أراضي جامعة صنعاء

اتهامات للحوثيين بتجريف التعليم ونهب الأملاك العامة

منظر عام لكلية الطب في جامعة صنعاء (إكس)
منظر عام لكلية الطب في جامعة صنعاء (إكس)
TT

غضب يمني من استيلاء الانقلابيين على أراضي جامعة صنعاء

منظر عام لكلية الطب في جامعة صنعاء (إكس)
منظر عام لكلية الطب في جامعة صنعاء (إكس)

تسببت واقعة منح أراضٍ تابعة لجامعة صنعاء إلى مستثمرين موالين للجماعة الحوثية بحالة من الغضب في الأوساط الأكاديمية اليمنية وقلق في مختلف الأوساط من أن يجري استهداف مختلف أراضي الدولة ومؤسساتها ومنشآتها الحيوية بنفس الطريقة.

وأظهرت وثيقة جرى الكشف عنها أخيراً عن توجيهات أصدرها القيادي الحوثي مهدي المشاط رئيس ما يُعرف بالمجلس السياسي الأعلى (مجلس الحكم الانقلابي)، بمنح 10 آلاف لبنة (وحدة قياس محلية، واللبنة الواحدة تساوي 44.44 متر مربع) من أرض جامعة صنعاء، لصالح شخص مجهول يُدعى عبده علي هادي، لتنفيذ استثمارات طبية عليها.

وثيقة تكشف عن منح القيادي الحوثي مهدي المشاط مساحة واسعة من أراضي جامعة صنعاء لمستثمر مجهول (إكس)

كما قضى التوجيه الصادر أواخر مايو (أيار) الماضي، بحسب الوثيقة الموجهة إلى القيادات الحوثية التي تسيطر على الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، بمنح نفس الشخص 40 ألف لبنة أخرى في منطقة بني مطر غرب صنعاء، وذلك بمقترح من ذات الشخص الذي جرى منحه تلك الأراضي.

وعدّ أكاديميو الجامعة، في أحاديثهم لـ«الشرق الأوسط»، هذه الإجراءات ممارسات عبثية ممنهجة تستهدف التعليم العالي، ومحاولات للتضييق عليه، ومنعاً للمؤسسة الأكاديمية والتعليمية الأولى في البلاد من أي توسع مستقبلي لمنشآتها.

واستغرب أحد أكاديميي الجامعة هذه الإجراءات بحق أراضي الجامعة، في حين تتوفر مساحات شاسعة من أراضي الدولة داخل صنعاء وفي محيطها، وتكفي لإنشاء عشرات المشاريع، وجميعها واقعة تحت تصرف الجماعة وفسادها.

وبحسب الأكاديمي، فإن استهداف أراضي ومنشآت جامعة صنعاء يعني أن هناك سعياً ممنهجاً لتجريف العملية التعليمية والأكاديمية، وإصراراً على تحويل مؤسساتها ومنشآتها إلى منصات للترويج للمشروع الحوثي، وتخريج الآلاف من أتباعه وأنصاره.

نهب مستمر

سبق للمشاط إصدار توجيهات خلال السنوات الماضية بتسليم مساحات من أراضي جامعة صنعاء ومبانٍ ومنشآت إلى هيئة الأوقاف (كيان حوثي موازٍ)، فيما وصفته الأوساط الأكاديمية والطلابية في حينه استهدافاً للجامعة، وسعياً إلى نهبها وتجريفها.

ويلفت أكاديمي آخر إلى أن صمت رئاسة جامعة صنعاء، المكونة من قيادات حوثية، عن هذه الإجراءات، يأتي في سياق تعاون مختلف قيادات الجماعة وتنسيقها في العبث بأراضي الجامعة، باعتبارها إحدى الملكيات العامة التي تقع ضمن مخططات الجماعة لنهبها والاستيلاء عليها.

مخطط توضيحي للمساحة التي قررت الجماعة الحوثية منحها لأحد المستثمرين (إكس)

وذكر أكاديمي ثالث أن الفساد الذي طال أراضي جامعة صنعاء قبل الانقلاب الحوثي لم يتجاوز أكثر من تأجيرها بعقود تعود بإيرادات لصالح الجامعة، دون أن يتم التصرف بها لصالح شخصيات بالطريقة التي أقدم عليها المشاط.

وبمقارنته بين ممارسات الفساد السابقة للانقلاب الحوثي وممارسات الفساد الحالية، يرى الأكاديمي أن الفاسدين السابقين لم يمتلكوا الجرأة للوصول إلى الاستهداف المنهجي للجامعة كما تفعل الجماعة الحوثية التي تسعى لحرمان المجتمع من التعليم ومنعه من التقدُّم واستلاب مقدراته وحقوقه.

وذكّرت مدرسة في إحدى كليات الجامعة بأن رئاسة جامعة صنعاء المعينة من الجماعة الحوثية اتخذت قراراً منذ ثلاثة أعوام ببيع مساحة من أراضي الجامعة تحت مبرِّر دعم جبهات القتال، مبديةً أسفها لأن ذلك القرار لم يحظَ بالإبراز الكافي، ولم يُعرَف مصير الأرض التي تقرر بيعها.

رفض داخل الجماعة

لم تتوقف الانتقادات عند الأكاديميين والشخصيات الاجتماعية المعارضة لهيمنة ونفوذ الجماعة الحوثية، بل إن قيادات وناشطين حوثيين أبدوا استياءهم من القرار، ودعوا إلى إيقافه ومحاسبة المشاط عليه.

وهدد المحامي هاشم شرف الدين، الموالي للجماعة، بمقاضاة المشاط بعد استقطاع أراضٍ من حرم جامعة صنعاء، مطالباً بإلغاء القرار الذي عدّه باطلاً بجميع فقراته؛ لمخالفته للدستور وقانون الهيئات والمؤسسات والشركات العامة وقانون أراضي وعقارات الدولة وقانون الشركات التجارية، متوعداً باللجوء إلى القضاء، رفقة عدد من زملائه، لإيقاف القرار.

وناشد عبد الله سلام الحكيمي، وهو شخصية سياسية واجتماعية مؤيدة للجماعة، زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، إلغاء ما وصفها بصفقة الاستيلاء على أراضي جامعة صنعاء، لما تنطوي عليه من شبهات فساد، مطالباً بضم أراضي معسكر الفرقة الأولى مدرع المجاورة إلى الجامعة لاستيعاب توسعها وتطويرها مستقبلاً.

وتهكم القيادي وعضو ما يُعرف بالمجلس السياسي الأعلى (مجلس الحكم الحوثي) سلطان السامعي من قرار المشاط من خلال ادعائه بأن أحد الموالين للحكومة الشرعية اتصل به لشراء مساحة من فناء دار الرئاسة لاستثمارها بإنشاء مدينة سكنية. وسأل السامعي زملاءه في المجلس عن رأيهم في الصفقة، وهل يوافقون على البيع؟

من هو المستثمر؟

يأتي تهكُّم السامعي في إطار ما جرى تسريبه حول شخصية المستثمر الذي مُنِحت له أراضي جامعة صنعاء، والذي تم اتهامه سابقاً بالعمل لصالح الحكومة الشرعية.

ووفقاً للتسريبات، فإن هادي جرى تصنيفه من طرف الجماعة الحوثية مؤيداً للحكومة الشرعية، وصادرت جميع ممتلكاته في صنعاء، حين كان هارباً من قبضتها في الأردن، حيث أنشأ مصنعاً للأدوية، قبل أن يعود إلى صنعاء بعد عملية تنسيق مع قيادات حوثية عليا، وتم منحه مساحات واسعة من أراضي الدولة، بشكل سري، ومن دون معرفة الأسباب والأغراض وراء ذلك.

وتقول تسريبات أخرى إن هادي لا يحمل شهادة دكتوراه، كما ورد في توجيهات المشاط، وإنه كان يعمل سمسار عقارات لصالح أحد البنوك التابعة لإحدى الشخصيات الاجتماعية، وكان مقرباً من تلك الشخصية، وتوسعت أنشطته بعد عام 2012، حيث امتلك عقارات واسعة، ووكالة لاستيراد الأدوية، قبل مصادرتها من الجماعة الحوثية أثناء هروبه إلى الأردن.

وورد في التسريبات أن هادي كان «وكيل شريعة» وليس محامياً، كما يزعم، وهي الصفة التي تُطلَق على من يخوض في التقاضي أمام المحاكم دون أن يمتلك شهادة في القانون.

ويرى كثير من اليمنيين أن هذا السطو على أراضي ومؤسسات الدولة والملكيات العامة يأتي ضمن سلوك ونهج قيادات ومؤسسي الجماعة الحوثية الذين كانوا قبل الانقلاب يعملون بطرق مختلفة على نهب الأراضي والملكيات العامة والخاصة، وزاد نهمهم بعد حصولهم على القوة والنفوذ.


مقالات ذات صلة

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

العالم العربي مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

هجوم الحوثيين في جنوب الحديدة وجنوب غربي تعز يضغط على تعز، ويهدد طريق المخا، ويدفع باتجاه توسيع نفوذ الجماعة نحو باب المندب وجنوب البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)

الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

تكشف قوائم التشييع الحوثية عن تصاعد خسائر الجماعة البشرية، مع مقتل أكثر من 35 عنصراً خلال أقل من أسبوعين و375 آخرين خلال يوليو وأغسطس الماضيين.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج يرفع الدعم قدرة الاقتصاد اليمني على مواجهة الضغوط المالية والنقدية (إعلام حكومي)

السعودية تدعم «البنك المركزي اليمني» لتعزيز الاستقرار الاقتصادي

قدمت السعودية دعماً جديداً لـ«البنك المركزي اليمني»، ضمن جهودها الرامية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي باليمن؛ إنفاذاً لتوجيهات قيادة المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

خاص تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

شرع الحوثيون في إجراء تغييرات مفاجئة لقيادات عسكرية وسط ضربات تتلقاها الجماعة من الشرعية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)

القيادة اليمنية تشدد على تجفيف موارد الحوثيين

شدد مجلس القيادة اليمني والحكومة على تجفيف مصادر تمويل الحوثيين ومكافحة التهريب، مع رفع الجاهزية العسكرية والأمنية وتعزيز الرقابة على المنافذ وحماية الموارد

«الشرق الأوسط» (عدن)

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
TT

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)

لا يبدو الهجوم الحوثي الواسع على جبهات الساحل الغربي لليمن مجرد محاولة جديدة لاختبار خطوط التماس، في ظلِّ اتساع نطاق العمليات بين جنوب الحديدة وجنوب غربي تعز، واستخدام الجماعة في وقت متزامن الهجمات البرية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.

فبعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022، اختار الحوثيون المدعومون من إيران منطقة شديدة الحساسية جغرافياً وعسكرياً لشنِّ واحدة من أعنف هجماتهم منذ ذلك الحين، مستهدفين مواقع القوات الحكومية في البرح والكدحة ومقبنة والأحطوب وجبل غباري، بالتزامن مع قصف طال المخا والخوخة والوازعية ومناطق أخرى في الساحل الغربي.

وتشير طبيعة التحرك وتوزع الهجمات إلى أن الجماعة تريد تحقيق أكثر من هدف ميداني في آن واحد؛ في مقدمتها الضغط على مدينة تعز من جهة الغرب، وقطع أو تهديد الطريق الذي يربطها بميناء المخا، ودفع القوات الحكومية إلى توزيع قدراتها على جبهة واسعة تمتد من ريف تعز إلى جنوب الحديدة، مع إبقاء الممرات البحرية في دائرة التهديد.

مسيّرة حوثية أطلقها الحوثيون في وقت سابق لاستهداف مدينة المخا ومينائها (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر من الجانبين، الجمعة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بمقتل أكثر من 80 شخصاً في الاشتباكات منذ الخميس، بينما لم تصدر حصيلة رسمية موحدة من الحكومة اليمنية أو الحوثيين.

وقال مسؤول عسكري يمني إن 24 من القوات الحكومية قُتلوا، بينما تحدث مسؤول عسكري آخر عن مقتل 15 من قوات محور تعز، بينما قالت مصادر طبية في مناطق خاضعة للحوثيين إن المستشفيات استقبلت 42 قتيلاً.

ويأتي التركيز على جنوب غربي تعز في منطقة تمثل حلقة وصل بين المدينة والساحل. ولذلك فإن السيطرة على مواقع متقدمة في الكدحة والبرح ومقبنة لا تعني، في الحساب العسكري، الاستحواذ على أراضٍ إضافية فحسب، وإنما الاقتراب من إحدى أهم خطوط الحركة والإمداد بين تعز والمخا.

وكانت القوات الحكومية قد قالت إن الهجوم الحوثي استهدف السيطرة على الطريق الرابط بين تعز والمخا، وهو ما يمنح هذا الطريق أهمية مركزية في فهم أهداف التصعيد الأخير.

فالضغط على هذا المسار يمكن أن يضع مدينة تعز أمام مزيد من الضغوط من الجهة الغربية، كما يمكن أن يربك حركة القوات الموجودة في الساحل، ويجبرها على التعامل مع تهديد بري متزامن بدلاً من التركيز على حماية الموانئ والمناطق الساحلية.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق لاستهداف الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

ومن هنا تبدو جبهات البرح والكدحة ومقبنة متصلة، في الحساب الحوثي، بما يجري جنوباً في اتجاه الساحل، وليس بوصفها قطاعات منفصلة من خطوط القتال.

وقد أحبطت القوات الحكومية والمقاومة الوطنية ومحور تعز محاولات التسلل والهجمات الحوثية، قبل أن تنتقل إلى هجمات مضادة بإسناد مدفعي وتعزيزات مشتركة. وأعلنت القوات الحكومية مقتل وإصابة وأسر عدد من الحوثيين وتدمير آليات عسكرية، كما تحدثت مصادر عن مقتل 3 قيادات ميدانية بارزة في صفوف الجماعة.

لكن الأهم أن الحوثيين لم يكتفوا بالضغط على الخطوط البرية. فقد أطلقوا نحو 14 صاروخاً باليستياً باتجاه مناطق في المخا والخوخة والساحل الغربي، بينها صاروخ استهدف جسر الوازعية الرابط بين الساحل وتعز، كما استهدفت الجماعة مدرسة كريم في الوازعية، ما أدى إلى أضرار في المبنى دون تسجيل ضحايا.

جنوب الحديدة وعين على البحر

لا تتوقف أهمية الهجوم عند حدود تعز والمخا. فالمواجهات امتدت إلى جنوب الحديدة، لا سيما في اتجاه حيس والخوخة، وهي جغرافيا تفتح مباشرة على الساحل الغربي وتقترب من خطوط الملاحة في جنوب البحر الأحمر.

ويمنح هذا الانتشار الحوثيين فرصة للضغط على القوات الحكومية من مساحة أوسع، كما يتيح للجماعة إبقاء تهديد البحر جزءاً من المعركة البرية. وقد ظهر ذلك بوضوح في استخدام الزوارق المفخخة بالتوازي مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأحبطت القوات البحرية هجوماً بزورق مفخخ حاول استهداف ميناء المخا، بينما أعلنت القوات الحكومية إسقاط 3 طائرات مسيّرة حوثية خلال المواجهات.

الهجمات الحوثية على ميناء المخا تسببت في أضرار كبيرة (أ.ف.ب)

ولا يسيطر الحوثيون بصورة مباشرة على المناطق الساحلية المطلة على باب المندب، لكنهم يسيطرون على مدينة الحديدة شمال المخا، وسبق أن استخدموا البحر الأحمر منصةً لمهاجمة السفن وتعطيل حركة الملاحة منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023.

ولذلك فإن أي توسُّع بري حوثي في المناطق المطلة على الساحل يكتسب أهميةً تتجاوز الجغرافيا اليمنية الداخلية، وينسجم مع التصعيد الإيراني في مضيق «هرمز» وفي بقية المنطقة.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذَّرت خلال أغسطس (آب) من خطط حوثية للسيطرة على ساحل باب المندب، الأمر الذي يضفي على التصعيد الحالي بُعداً إقليمياً، خصوصاً أن باب المندب يمثل ممراً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن.

اختبار قواعد الاشتباك

إلى جانب المكاسب الجغرافية المحتملة، يحمل الهجوم هدفاً آخر يتمثل في اختبار قدرة القوات الحكومية على التعامل مع عملية واسعة ومنسقة، بعد سنوات من جمود نسبي على معظم خطوط التماس.

فالجماعة لم تفتح محوراً واحداً، بل دفعت بهجمات متزامنة في عدد من القطاعات، وعززتها بقصف صاروخي ومسيرات وزورق مفخخ، في محاولة لإرباك القرار العسكري وتوزيع الجهد الدفاعي على أكثر من هدف.

كما دفعت، وفق مصادر عسكرية، بتعزيزات كبيرة باتجاه البرح، في مؤشر على أنها لم تتعامل مع الهجوم بوصفه عملية محدودة تستهدف موقعاً عسكرياً بعينه.

قوات الجيش اليمني تخوض مواجهات ضارية مع الحوثيين في جبهات تعز (إعلام عسكري)

لكن الهجوم اصطدم باستعداد القوات الحكومية والمشتركة. وقالت المصادر إن القوات امتصت الضربة الأولى وشنَّت هجمات مضادة، بينما أعلنت القوات الحكومية إسقاط مسيّرات وتدمير آليات حوثية وأسر عدد من عناصر الجماعة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية بالنسبة إلى حسابات الحوثيين؛ إذ إن نجاحهم في فتح ثغرة في هذه الجبهة كان يمكن أن يمنحهم زخماً ميدانياً وسياسياً، بينما يفرض فشل الهجوم، أو تحوله إلى معارك استنزاف، تكلفة بشرية وعسكرية مرتفعة عليهم.

وقد أظهرت المواجهات بالفعل خسائر في صفوف الجماعة، بينها 3 قيادات ميدانية بارزة، في وقت تحدثت فيه مصادر عسكرية عن سقوط نحو 50 عنصراً بين قتيل وجريح وأسير في جبهتَي مقبنة والكدحة.

في المقابل، دفعت المعارك سكان قرى في مقبنة والكدحة، بمَن فيهم نازحون في المخيمات، إلى النزوح مجدداً، وسط حالة من الخوف نتيجة القصف والمواجهات.

تأكيد على الرد الحازم

على المستوى السياسي، عكست تحركات القيادة اليمنية تقديراً بأن التصعيد الحوثي يتجاوز كونه هجوماً محدوداً على مواقع متقدمة، إذ أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، اتصالات مع عدد من القادة العسكريين، بينهم عضو مجلس القيادة الفريق أول ركن طارق صالح؛ للوقوف على تطورات الموقف في جبهات تعز والحديدة، ومستوى الجاهزية لمواجهة الهجوم.

طائرة مسيّرة حوثية أسقطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام عسكري)

وأكد العليمي، وفق ما أوردته المصادر الرسمية، أن القوات المسلحة بمختلف تشكيلاتها قادرة على التعامل مع التصعيد وإفشال أهداف الحوثيين، مشيداً بمستوى الجاهزية والروح المعنوية للقوات المرابطة في الجبهات. وعدَّ أن الهجمات الحوثية المتواصلة لن تغير معادلة القوة والردع التي راكمتها القوات الحكومية، ولن تتيح للجماعة تحقيق مكاسب جديدة على الأرض.

وحمل حديث رئيس مجلس القيادة بُعداً سياسياً إلى جانب رسالته العسكرية، إذ أكد أن المواجهة، من وجهة نظر الحكومة، لا تتعلق فقط بالدفاع عن مواقع عسكرية أو خطوط تماس، وإنما باستعادة مؤسسات الدولة وحماية المدنيين والممرات والمنشآت الحيوية.

كما شدَّد على أن الدولة سترد بحزم على التصعيد، عادّاً أن حرصها السابق على تجنب توسيع دائرة القتال وحقن دماء اليمنيين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ضعفاً أو تراجعاً عن حماية مناطق سيطرة الحكومة.

ودعا العليمي أبناء القبائل في مناطق سيطرة الحوثيين إلى عدم الدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال، محذراً من تحويلهم إلى وقود لمعارك الجماعة، في رسالة تعكس محاولة الحكومة الفصل بين الحوثيين والبيئات الاجتماعية التي تستقطب منها الجماعة مقاتليها، خصوصاً مع ارتفاع الخسائر البشرية التي أفرزتها المواجهات الأخيرة.


الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
TT

الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)

تواجه الجماعة الحوثية خسائر بشرية متزايدة في صفوف مقاتليها، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري على خطوط التماس مع القوات الحكومية اليمنية، خصوصاً في جبهات الساحل الغربي وتعز والضالع ومأرب، إلى جانب جبهات أخرى.

وتشير أحدث الخسائر المعلنة إلى مقتل أكثر من 35 عنصراً حوثياً خلال أقل من أسبوعين، معظمهم من حملة الرتب العسكرية، دون أن تكشف الجماعة عن أماكن أو توقيت مقتلهم.

ووفقاً لما أوردته قناة «المسيرة» التابعة للحوثيين، شيّعت الجماعة في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها عدداً من قتلاها، بينهم اللواء حسن علي مطهر، والعقيد محمد محسن الغاثي، والعقيد عبد الله عبد اللطيف الكبسي، والعقيد محمد علي جحاف، والعقيد يوسف دومان اليماني، والعقيد عمر مطهر الدعير.

وبحسب القناة، شيّعت الجماعة كلاً من يوسف إبراهيم الموساي، والنقيب نجيب حسين الحرثي، وعبد الله سعيد أبو سرعة، وعباد عبد الخالق المخاج، وعلاء الدين حميد السعيدي، ومحمد يحيى المرواح، وعمار حسين الأحوس، وأحمد علي جراد، وبشار عبد الله موانس، إلى جانب عدد آخر من القيادات والعناصر.

انقلابيو اليمن يشيعون عدداً من قتلاهم في شمالي محافظة الضالع (إعلام حوثي)

وأفادت وسائل إعلام حوثية بأن مراسم تشييع معظم القتلى جرت في صنعاء ومحافظات الحديدة وحجة وتعز وإبّ وريمة وعمران وصعدة ومناطق أخرى، دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

160 قتيلاً خلال 45 يوماً

في سياق متصل، أظهرت إحصائية يمنية حديثة تكبُّد الحوثيين خسائر بشرية كبيرة خلال نحو شهر ونصف الشهر، غالبيتهم من العناصر الذين ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، في ظل استمرار المواجهات مع القوات الحكومية.

وبحسب إحصائية أعدها ونشرها موقع «يمن فيوتشر»، شيّعت الجماعة أكثر من 160 من عناصرها في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، خلال الفترة من 15 يوليو (تموز) حتى نهاية أغسطس (آب) الماضي.

جانب من مشاركة عناصر حوثية في تشييع قيادات ميدانية بمدينة ذمار (إكس)

وضمت القوائم 82 ضابطاً وقيادياً يحملون رتباً عسكرية مختلفة، بينها لواء وعميد وعقيد ومقدم ورائد ونقيب وملازم أول وملازم ثانٍ ومساعد، مع حضور لافت لحاملي رتبتَي العقيد والعميد، مقابل 78 عنصراً لم تُذكر لهم رتب عسكرية.

وتوزعت مراسم التشييع على محافظات صنعاء وصعدة وحجة وعمران وذمار وإبّ والحديدة وتعز والضالع والمحويت والبيضاء وريمة. وسجلت الجماعة أكبر دفعة من مراسم التشييع المعلنة في 16 أغسطس، عندما شيّعت 37 من عناصرها، بينهم 7 برتبة عميد و9 برتبة عقيد.

375 قتيلاً

في مؤشر آخر على حجم الخسائر، كشفت مراجعة أجرتها منصة «شيبا إنتليجنس»، وهي منصة استخباراتية رقمية مستقلة متخصصة في رصد التطورات الأمنية والتهديدات وشبكات التهريب في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، عن مقتل ما لا يقل عن 375 عنصراً من جماعة الحوثيين خلال شهرَي يوليو وأغسطس الماضيين، بينهم 133 عنصراً أُعلن عنهم برتب عسكرية مختلفة.

وبحسب المراجعة، ارتفع عدد حالات التشييع المعلنة من 93 قتيلاً في يوليو إلى 282 قتيلاً في أغسطس، بزيادة تجاوزت 300 في المائة. كما ارتفع عدد القتلى من حملة الرتب العسكرية من 29 إلى 104 خلال الفترة نفسها.

وضمت قائمة القتلى 133 قيادياً، بينهم ضابط برتبة لواء، و9 برتبة عميد، و38 برتبة عقيد، و72 برتبة رائد، وفق بيانات المنصة.

جانب من تشييع الحوثيين قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأشارت «شيبا إنتليجنس» إلى أن الارتفاع الحاد في الخسائر البشرية جاء بالتزامن مع تصعيد عسكري متواصل للحوثيين في جبهات مأرب والجوف وتعز والساحل الغربي والضالع، موضحة أن استمرار العمليات القتالية فرض تكلفة متزايدة على الجماعة، خصوصاً على مستوى القوى البشرية والقيادات الميدانية.

وذكر التقرير أن ضربات جوية بطائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية استهدفت مواقع وثكنات ومراكز قيادة وتجمعات وتعزيزات للحوثيين في محافظات مأرب والجوف وتعز وحجة والحديدة والضالع.

ووفقاً للمراجعة، استحوذت صنعاء ومحافظات ذمار وحجة وصعدة وعمران على 289 قتيلاً، بما يمثل نحو 77 في المائة من إجمالي القتلى الذين أُعلن عنهم خلال يوليو وأغسطس.

وتشير هذه البيانات، رغم اختلاف الأرقام التي ترصدها المصادر المختلفة، إلى تصاعد ملحوظ في حجم الخسائر البشرية المعلنة في صفوف الحوثيين، ولا سيما بين القيادات والعناصر الحاملة رتباً عسكرية، بالتزامن مع استمرار التصعيد على عدد من جبهات القتال اليمنية.


الحوثيون يُصعِّدون عسكرياً في تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يُصعِّدون عسكرياً في تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

صعّد الحوثيون عملياتهم العسكرية على عدة جبهات غرب محافظة تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع قصف صاروخي طال مناطق ريفية في تعز والحديدة، بينما اندلعت مواجهات عنيفة مع القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مقبنة والكدحة والطوير وغباري.

وأفادت مصادر عسكرية بأن المواجهات بدأت منذ فجر أمس (الخميس)، بهجوم واسع استهدف مواقع القوات الحكومية والمقاومة في عدة قطاعات قتالية، قبل أن تتطور إلى اشتباكات مباشرة وقصف مدفعي استمر لساعات.

وتابعت المصادر أن القصف الصاروخي الحوثي تركز على محيط منشآت حيوية وخطوط الإمداد المدني والعسكري، مما أدى لخلق حالة من الهلع بين المدنيين، مشيرةً إلى سقوط قتلى وجرحى من دون تحديد أعداد الضحايا من الجانبين.

وترافقت الهجمات مع محاولة تسلل وهجوم بري نفّذته عناصر تابعة لجماعة الحوثي باتجاه مواقع القوات الحكومية في منطقة الكدحة ضمن محور البرح غرب تعز.

بدورها، أعلنت القوات الحكومية إسقاط ثلاث «مسيّرات» حوثية خلال تحليقها في أجواء عُزل بمديرية جبل حبشي، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات غرب تعز.