​شبح تداعيات اقتصادية يحدق باليمن بعد الضربات الإسرائيلية

مخاوف من استهداف المنشآت الحيوية ومحاصرة موانئ الحديدة

صورة وزعها الإعلام الحوثي عقب الضربات الإسرائيلية في الحديدة (أ.ف.ب)
صورة وزعها الإعلام الحوثي عقب الضربات الإسرائيلية في الحديدة (أ.ف.ب)
TT

​شبح تداعيات اقتصادية يحدق باليمن بعد الضربات الإسرائيلية

صورة وزعها الإعلام الحوثي عقب الضربات الإسرائيلية في الحديدة (أ.ف.ب)
صورة وزعها الإعلام الحوثي عقب الضربات الإسرائيلية في الحديدة (أ.ف.ب)

بينما كان يتوقع المراقبون أن تستهدف أي غارات إسرائيلية مواقع عسكرية حوثية ردا على مهاجمة تل أبيب، إلا أن الهجوم استهدف منشأة اقتصادية تتمثل في خزانات الوقود في ميناء الحديدة (غرب اليمن) وهو ما تسبب في أزمة وقود حادة ظهرت ملامحها خلال الساعات الأولى، وسط خشية من تفاقم الأزمات المعيشية التي تعيشها البلاد.

وبرر الجيش الإسرائيلي، هجماته، السبت، على ميناء الحديدة، بأنه المنفذ الذي تستقبل الجماعة من خلاله الإمدادات والمعدات العسكرية لتنفيذ هجماتها، وذلك بعد الهجوم المميت بالطائرة المسيرة في قلب العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، وهو الهجوم الذي تبنته الجماعة الحوثية ولوحت إسرائيل بالرد عليه مباشرة.

عمال يفرغون حاوية من سفينة تجارية في ميناء الحديدة الذي يعد أحد أكبر موانئ اليمن وأكثرها حيوية (رويترز)

وألحقت الضربات الإسرائيلية خسائر وأضراراً كبيرة بالميناء وخزانات الوقود فيه، ما أدى إلى أزمة وقود حادة في كثير من المدن اليمنية الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية، فبحسب مصادر مطلعة؛ استهدفت الغارات 20 خزاناً للوقود من أصل أكثر من 82 خزاناً في الميناء، إضافة إلى وجود منشآت للتخزين بميناء رأس عيسى شمال الحديدة ومنطقة كيلو 18.

ويتوقع الباحث الاقتصادي نجيب العدوفي أن تؤثر هذه الضربات على الحالة المعيشية داخل البلاد التي تستورد ما يقارب 90 في المائة من احتياجاتها من الوقود والأغذية والمواد الأساسية، ويعد ميناء الحديدة أحد أهم الموانئ التي تستقبل هذه المواد، وهو ما سيؤدي إلى زيادة المخاطر على النقل البحري.

ويخشى العدوفي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن تتسبب هذه المخاطر في عزوف شركات النقل عن إرسال سفنها إلى اليمن، أو أن تعمل إسرائيل على توسيع عملياتها ضد الجماعة الحوثية إلى تنفيذ حصار بحري، ما سيؤدي إلى مزيد من الإضرار بالمدنيين حتى في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية التي ستتأثر موانئها من استمرار الهجمات أو حدوث الحصار.

كارثة مرهونة بالتصعيد

تزداد المخاوف من أن تكون الغارات الإسرائيلية على موانئ الحديدة مقدمة لعمليات واسعة وحصار بحري، خصوصاً مع إعلان الجماعة الحوثية استعدادها للرد والدخول في مواجهة مفتوحة، وهو ما يهدد اليمنيين بمزيد من المعاناة المعيشية.

ويرى الباحث الاقتصادي عبد الحميد المساجدي أن تأثير الغارات الإسرائيلية سيكون محدوداً من الناحية الاقتصادية إذا توقفت عند هذا الحد، ولم تتطور إلى مزيد من العمليات العسكرية، واستهداف مزيد من المنشآت الاقتصادية.

السفينة «غالاكسي ليدر» التي بدأ الحوثيون هجماتهم في البحر الأحمر بقرصنتها تحت مزاعم دعم قطاع غزة المحاصر (إ.ب.أ)

ويوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن الغارات أخرجت ربع خزانات الوقود في الحديدة وموانئها، ومنشأتين لتفريغ الحاويات لم تدخلا الخدمة بعد، ما سيؤدي إلى تأخير تفريغ ناقلات النفط، وزيادة في تكاليف انتظارها على السعر النهائي للوقود.

لكنه يعود ويستدرك أن التأثيرات ستظهر في نقص الواردات إلى الميناء، وفي حال استمر التصعيد وتم استهداف منشآت جديدة للميناء وازدادت مخاطر الملاحة في موانئ الحديدة، ستتفاقم الكارثة الإنسانية مع صعوبة الاستيراد لتموين السوق المحلية بحاجتها من السلع الغذائية والوقود إضافة إلى ارتفاع أسعارها.

من جهته، يبدي الأكاديمي والباحث في اقتصاد الحرب يوسف المقطري مخاوفه من عدم قدرة ميناء عدن على تغطية الحاجة إلى إمدادات سلاسل الغذاء نتيجة لما يمر به الميناء من حالة تدهور في خدماته، وتراجع كفاءة منشآته، وعدم التوافق على إدارته وإدارة موارده من قبل القوى التي تتشارك قوام الحكومة الشرعية.

ويبين المقطري لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات المتوقعة للهجمات ما زالت قيد الاحتمالات بحسب حجم التصعيد والنيات الإسرائيلية ورد الفعل الحوثي، محذراً من كارثة إنسانية في حال استمرار التصعيد، واستهداف منشآت حيوية أخرى وإعلان حصار بحري.

سفينة راسية قبالة ميناء عدن الذي يخشى خبراء الاقتصاد عدم قدرته استيعاب الحاجة إلى الإمدادات في حال توقف ميناء الحديدة عن العمل (رويترز)

وينوه إلى أن تكلفة التأمين البحري والنقل سترتفع مجدداً بعد هذه الغارات، بعد أن كانت قد ارتفعت خلال الأشهر الماضية بسبب توترات البحر الأحمر، كما سترتفع تكلفة النقل البري بين المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية والواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

تحديث الموارد الحوثية

شهدت المدن الخاضعة للجماعة الحوثية مخاوف شديدة من حدوث أزمات في الوقود والمواد الأساسية، ورغم إعلان الجماعة عدم تأثير الضربات على مخزونها من الوقود، فإن المخاوف من حدوث أزمات حادة لم تتراجع.

وتراجع الزحام حول محطات الوقود إلى حد ما، في حين لجأت أعداد كبيرة من السكان إلى شراء المواد الغذائية بكميات تفوق احتياجاتها، وذكرت مصادر مطلعة في عدد من المدن أن عدداً من الموظفين والعمال اضطروا إلى الاستدانة بضمان رواتبهم لشراء المواد الضرورية.

الحرائق في ميناء الحديدة إثر غارات إسرائيلية استمرت طوال الليل (رويترز)

وينوه أكاديمي وباحث اقتصادي في جامعة صنعاء، إلى أن الضربات الإسرائيلية ستؤدي بالضرورة إلى تصعيد الجماعة الحوثية من ممارساتها للحصول على مزيد من الموارد، وستذهب إلى فرض مزيد من الجبايات والإتاوات تحت أسماء مختلفة.

ويشير الأكاديمي، الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته نظراً لإقامته تحت سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن تحول نقل إمدادات الغذاء والمواد الأساسية إلى الموانئ الواقعة تحت إدارة الحكومة الشرعية سيدفع الجماعة الحوثية إلى محاولة تعطيل هذه الموانئ للمساومة على مواردها، وإجبار الحكومة على تسليمها إليها.

وبحسب الأكاديمي، ستلجأ الجماعة إلى الحصول على موارد من المنافذ البرية التي تسيطر عليها ما سيؤدي إلى رفع الأسعار بشكل كبير، متوقعاً أن تؤثر الجبايات المفروضة في تلك المنافذ على أسعار السلع بشكل أكبر من تأثير ارتفاع تكاليف النقل البحري.

ويرى المتابعون أن الغارات الإسرائيلية كانت أشد قسوة وتأثيراً على مقدرات الجماعة الحوثية من الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة تحت راية «تحالف الازدهار» الذي نشأ أواخر العام الماضي لمواجهة هجمات الجماعة على السفن الملاحية في البحر الأحمر.

وتعدّ الغارات الإسرائيلية حدثاً نوعياً في مسار الصراع في اليمن من جهة، والصراع في الشرق الأوسط من جهة أخرى، بعد أشهر من ادعاءات الجماعة الحوثية بمناصرة أهالي قطاع غزة المحاصر، وتصعيد المواجهة بين إسرائيل وأذرع إيران العسكرية في المنطقة خلال الأشهر الماضية، وهي المواجهة التي لم تخفف من معاناة أهالي القطاع.


مقالات ذات صلة

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

العالم العربي سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

ذكر الجيش البريطاني أن جماعة مسلحة صعدت على متن ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن، الجمعة، أثناء عبورها خليج عدن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي العليمي أكد تمسُّك الدولة بالسلام مع حماية السيادة اليمنية (سبأ)

العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

اتهم الرئيس اليمني، رشاد العليمي، الحوثيين بالهروب من استحقاقات السلام، وافتعال أزمات بدعم إيراني، مؤكداً التمسُّك بالتهدئة، مع حماية السيادة ومنع فرض أمر واقع.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي عبد الله العليمي مع وزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز (سبأ)

تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

كثّف عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله العليمي لقاءاته بلندن لحشد دعم بريطاني ودولي للشرعية، مؤكداً أن حماية السيادة وأمن الملاحة يمثلان مدخلاً نحو سلام مستدام.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية نفَّذت حملات اعتقال وانتشار أمني بعد أزمة الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

بعد محاولة هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، حوّل الحوثيون الأزمة إلى إجراءات أمنية مشددة واعتقالات أثارت قلق السكان ومخاوفهم من تداعيات التصعيد وآثاره المعيشية

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تصعيد الحوثيين يهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تفاقمت المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن مع تصعيد الحوثيين واستئناف الحرب على إيران، وسط تعثر الواردات وارتفاع الأسعار وتحذيرات أممية من اتساع الجوع.

محمد ناصر (عدن)

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكر الجيش البريطاني أن جماعة مسلحة صعدت على متن ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن، الجمعة، أثناء عبورها خليج عدن.

وقال مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة، إن السلطات العسكرية أبلغت أن الناقلة صعد على متنها «أفراد غير مصرّح لهم» جنوب مدينة المكلا في اليمن، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري، إنه يُعتقد أن قراصنة صوماليين صعدوا على متن الناقلة التي لم يكن على متنها فريق أمني مسلّح.


العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
TT

العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)

وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي رسائل متزامنة إلى الداخل اليمني والمجتمع الدولي، أكد فيها أنَّ الدولة في بلاده ماضية في حماية سيادتها ومصالح مواطنيها، مع التمسُّك بخيار السلام وعدم الانجرار إلى توسيع دائرة المواجهة، متهماً الجماعة الحوثية، المدعومة من إيران، باستغلال معاناة اليمنيين وافتعال الأزمات للهروب من استحقاقات التسوية السياسية وتقويض التهدئة القائمة منذ عام 2022.

وجاءت تصريحات العليمي في أعقاب التصعيد الأخير المرتبط بمحاولة إدخال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء خارج موافقة الحكومة الشرعية، وهي الأزمة التي أعادت التوتر إلى واجهة المشهد اليمني، وسط مخاوف من سعي الحوثيين إلى فرض وقائع جديدة بدعم إيراني، ونقل الصراع إلى مستويات أوسع، بما يهدِّد مسار التهدئة الذي رعته الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني، في تغريدات على منصة «إكس»، أن سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين «يمثلون روح الجمهورية»، مشدداً على أن الدولة لن تتخلى عنهم، وستواصل العمل لتخفيف معاناتهم واستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق السلام العادل، رغم ما وصفه بـ«إصرار الجماعة على تحويل معاناة المواطنين إلى ورقة سياسية تخدم أجندتها الخاصة».

وأشار إلى أن الحكومة قدمت خلال السنوات الماضية مبادرات متكررة لتخفيف معاناة اليمنيين وفتح مسارات السلام، إلا أن الحوثيين اختاروا في كل مرة التصعيد بدلاً من الانخراط في الحلول، عادّاً أن هذا السلوك يعكس نمطاً ثابتاً في إدارة الجماعة للأزمة اليمنية.

اتهامات بتقويض التهدئة

تأتي تصريحات العليمي في وقت تشهد فيه الأزمة اليمنية تصعيداً متدرجاً، يرى مراقبون أنه يستهدف تقويض حالة الهدوء النسبي التي سادت منذ إعلان الهدنة الأممية في أبريل (نيسان) 2022، والتي، رغم انتهاء مدتها الرسمية، فإنَّ آثارها استمرَّت عبر تراجع العمليات العسكرية الواسعة، واستمرار الجهود الدولية للدفع نحو تسوية سياسية.

ويرى رئيس مجلس الحكم اليمني أن الجماعة الحوثية لم تتعامل مع التهدئة بوصفها فرصة لإنهاء الحرب، وإنما استغلتها لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، ثم عادت إلى سياسة خلق الأزمات كلما اقتربت من استحقاقات السلام، أو واجهت ضغوطاً داخلية وخارجية.

العليمي أكد تمسُّك الدولة بالسلام مع حماية السيادة اليمنية (سبأ)

وفي هذا السياق، شدَّد العليمي على أنَّ الحكومة لم تكن يوماً سبباً في تعطيل الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء، نافياً الاتهامات الحوثية بهذا الشأن، ومؤكداً أن السلطات الشرعية قدمت بدائل قانونية لتشغيل المطار عبر الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، بما يكفل حقَّ جميع اليمنيين في السفر دون تمييز.

واتهم الحوثيين باحتجاز طائرات الشركة الوطنية، والاستيلاء على أموالها، والإضرار بمقدراتها، عادّاً أن الجماعة تسعى إلى استخدام المطار أداةً لفرض أمر واقع سياسي، وليس بوصفه مرفقاً عاماً يخدم المواطنين.

كما أعلن بوضوح أن الحكومة لن تسمح مستقبلاً بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية في أي مطار يمني خارج موافقة الدولة الشرعية، في تأكيد على تمسكها بممارسة صلاحياتها السيادية وفق القانون الدولي.

رسائل للداخل... وتحذير من إيران

في موازاة رسائله السياسية، وجَّه العليمي نداءً مباشراً إلى القبائل اليمنية وإلى الأسر في مختلف المحافظات، دعاهم فيه إلى عدم السماح للحوثيين باستقطاب أبنائهم والزج بهم فيما وصفها بـ«الحروب العبثية» التي لا تخدم مستقبل اليمن، مؤكداً أن الجمهورية قامت لحماية كرامة جميع اليمنيين، وأن الانحياز لمشروع الدولة هو الطريق إلى الأمن والاستقرار وسيادة القانون.

وأكد أن الدولة ستواصل، عبر مؤسساتها وقواتها المسلحة، أداء واجبها الدستوري في حماية السيادة الوطنية وصون مصالح المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نهج مسؤول يجنِّب البلاد الانزلاق إلى مواجهة أوسع تخدم أهداف الأطراف الداعمة للحوثيين.

لقاء العليمي مع القائم بأعمال السفير الأميركي تناول التصعيد الحوثي (سبأ)

وخلال استقباله القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن، جوناثان بيتشا، أشاد العليمي بالشراكة مع الولايات المتحدة ودورها في دعم أمن اليمن ومكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية، كما ثمن موقف المجتمع الدولي خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، التي أدانت الانتهاكات الإيرانية لسيادة اليمن، وحملت طهران مسؤولية دعم الحوثيين، في مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216.

وأوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تعامل الحكومة مع التطورات الأخيرة انطلق من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بصفتها عضواً في الأمم المتحدة، مؤكداً أن قرار ضبط النفس وعدم توسيع المواجهة لم يكن تراجعاً عن السيادة، بل إنه تعبير عن مسؤولية الدولة وحرصها على حماية المدنيين، ومنع انزلاق البلاد إلى صراع يخدم الأجندة الإيرانية.

وقال إن الفارق واضح بين دولة تلتزم بالقانون الدولي وتحاول تجنب تعريض المدنيين للخطر، وبين جماعة مسلحة لا تتردد في استخدام السكان دروعاً بشرية، وتوظيف المؤسسات المدنية لخدمة أهدافها العسكرية والسياسية.

وفي تقييمه لمسار الأزمة، عدَّ العليمي أن قراءة سلوك الحوثيين خلال السنوات الماضية تكشف اعتمادهم سياسةً ثابتةً تقوم على الهروب من استحقاقات السلام عبر افتعال أزمات خارجية، وتحويل الأنظار عن جوهر القضية اليمنية، بما يسمح لهم بابتزاز المجتمعَين الإقليمي والدولي، وفرض وقائع جديدة بالقوة.

وأكد أنَّ هذا النهج لن يغيِّر حقيقة الصراع، ولن يحجب أي سلام مستدام يبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والالتزام بالمرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، مجدداً تأكيده أنَّ يد الدولة ستظل ممدودة لكل مسعى صادق يفضي إلى سلام عادل ينهي الحرب ويصون كرامة اليمنيين، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنَّ حماية السيادة الوطنية ستظل مسؤوليةً لا يمكن التهاون فيها.


تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
TT

تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)

حملت زيارة عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي إلى العاصمة البريطانية لندن أبعاداً تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين البلدين؛ إذ جاءت في لحظة تشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية، وتزايد التدخلات الإيرانية في اليمن، مع مساعي الحكومة الشرعية لإعادة وضع قضيتها ضمن أولويات العواصم الغربية بوصفها قضية تتصل بأمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية، وليس مجرد نزاع داخلي مع الجماعة الحوثية.

وخلال الزيارة التي اختتمها الخميس، شارك عبد الله العليمي في أعمال مؤتمر لندن 2026 الذي ينظمه المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، وأجرى سلسلة واسعة من اللقاءات مع مسؤولين في الحكومة البريطانية والبرلمان ووزارتَي الدفاع والخارجية، إلى جانب السفراء العرب، وعدد من الخبراء والإعلاميين وصنّاع القرار، في تحرك هدفه توسيع قاعدة الدعم الدولي للحكومة اليمنية، وتعزيز الشراكة مع المملكة المتحدة في الملفات السياسية والأمنية والدفاعية.

وجاءت الزيارة بالتزامن مع الأزمة التي أثارتها محاولة تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء، وهي القضية التي حضرت بقوة في معظم لقاءات عبد الله العليمي، باعتبارها - وفق رؤية الحكومة - اختباراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع جديد يسمح لطهران بتوسيع نفوذها داخل اليمن، في وقت تؤكد فيه الحكومة تمسكها بالحل السياسي، مع رفض أي خطوات تتجاوز مؤسسات الدولة أو تنتقص من سيادتها.

عبد الله العليمي مع وزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز (سبأ)

ويقول مسؤولون يمنيون إن زيارة العليمي تأتي في إطار تحرك أوسع لإعادة تعريف الأزمة اليمنية أمام المجتمع الدولي، باعتبارها أزمة تمس الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية، بعد أن تحول سلوك الحوثيين المدعومين من إيران إلى أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للقوى الإقليمية والغربية.

رسائل إلى لندن وشركاء اليمن

شهد برنامج زيارة عبد الله العليمي إلى لندن لقاءات مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونر، ووزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز، ومدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية البريطانية روب ديكسون، وزعيم مجلس العموم السير آلان كامبل، إلى جانب عدد من البرلمانيين والمسؤولين.

وركزت المباحثات على مستقبل العلاقات مع اليمن، وآفاق تطوير التعاون في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية، إضافة إلى دعم برامج بناء قدرات مؤسسات الدولة اليمنية، ومساندة جهود الحكومة في استعادة الاستقرار، وإنعاش الاقتصاد، واستمرار الدعم الإنساني والتنموي.

عبد الله العليمي خلال اجتماع مع زعيم مجلس العموم البريطاني (سبأ)

وأكد عبد الله العليمي خلال اللقاءات أن الحكومة في بلاده لا تزال منخرطة في جميع المبادرات السياسية الهادفة إلى إنهاء الحرب، لكنها ترى أن أي عملية سلام لا يمكن أن تنجح ما لم تقترن بضمانات تمنع الجماعة الحوثية من استغلال الهدن لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز ترسانتها العسكرية، كما حدث - وفق قوله - خلال السنوات الماضية.

كما شدد على أن السلام المستدام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة، واحتكارها للسلاح، وبسط سلطتها على المنافذ البرية والبحرية والجوية، باعتبار ذلك الضمانة الوحيدة لمنع تجدد الصراع.

من جانبهم، أكد المسؤولون البريطانيون استمرار دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ومواصلة التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يسهم في دعم جهود التعافي والاستقرار، وتحسين الأوضاع الإنسانية.

أمن البحر الأحمر

حظي الملف الأمني بالحصة الكبرى من مباحثات العليمي، في ظل استمرار المخاوف الدولية من تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وما ترتب عليها من اضطراب في حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل البحري.

وأكد عضو مجلس القيادة اليمني أن الجماعة الحوثية لم تعد تمثل تهديداً داخلياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمنية إقليمية ودولية، بعد أن وسعت دائرة عملياتها لتشمل استهداف الممرات البحرية، وهو ما جعل استعادة مؤسسات الدولة اليمنية مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، دعا عبد الله العليمي إلى توسيع برامج التعاون الدفاعي مع بريطانيا، خصوصاً في مجالات التدريب وبناء القدرات ورفع كفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وخفر السواحل، بما يعزز قدرة الدولة على حماية سواحلها الطويلة، وتأمين الموانئ والمنافذ، والمشاركة في حماية الملاحة الدولية.

عبد الله العليمي مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

ورأى أن دعم مؤسسات الدولة يمثل استثماراً طويل الأمد في أمن المنطقة، مؤكداً أن الحكومة لا تطلب تدخلاً عسكرياً نيابة عنها، وإنما شراكات تساعدها على استعادة وظائف الدولة، وتمكين مؤسساتها الأمنية والعسكرية من أداء مهامها الدستورية.

كما أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالدور البريطاني في برامج الدعم الفني والمؤسسي، وبالمساهمة في تعزيز قدرات خفر السواحل اليمنية، باعتبارها جزءاً من الجهود الدولية الرامية إلى حماية الممرات البحرية.

أزمة الطائرة الإيرانية

احتلت أزمة الرحلات الإيرانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مساحة بارزة في محادثات العليمي، الذي اعتبر أن هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، ومحاولة تشغيل رحلات أخرى، يمثلان انتهاكاً واضحاً للسيادة اليمنية، ويفتحان الباب أمام إنشاء مسار جوي خارج سلطة الدولة.

وأوضح أن الحكومة قدمت بدائل تتيح تشغيل الرحلات عبر «الخطوط الجوية اليمنية» وفق الترتيبات القانونية المعترف بها دولياً، بما يكفل خدمة المواطنين دون تمييز، إلا أن الحوثيين رفضوا تلك المقترحات وأصروا على إدارة المطار بصورة منفردة، وهو ما اعتبرته الحكومة خروجاً على القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية المنظمة للطيران المدني.

عبد الله العليمي في لندن مع مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية البريطانية (سبأ)

وربط العليمي بين هذه التطورات واستمرار الدعم الإيراني للجماعة الحوثية، معتبراً أن طهران تستخدم الجماعة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وأن أي تساهل مع هذه الممارسات سيؤدي إلى تقويض فرص السلام، ويزيد من تعقيد المشهد اليمني.

كما رحب بالخطوات البريطانية الأخيرة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، معتبراً أن تشديد القيود على أنشطة طهران من شأنه الحد من قدرتها على دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، وفي مقدمتها الحوثيون.

وفي تصريحاته للإعلام البريطاني قال العليمي إن الحوثيين تحولوا من تهديد محلي إلى تهديد إقليمي ودولي، مؤكداً أن الحكومة ستواصل السعي إلى السلام، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن مسؤوليتها في حماية سيادة البلاد واستعادة مؤسساتها.

تنسيق عربي وبريطاني

على هامش الزيارة عقد العليمي اجتماعاً مع السفراء العرب المعتمدين لدى المملكة المتحدة، دعا خلاله إلى تعزيز التنسيق الدبلوماسي العربي في مواجهة التحديات المشتركة، مؤكداً أن استعادة الدولة اليمنية تمثل مصلحة عربية قبل أن تكون مطلباً يمنياً، وأن أمن البحر الأحمر يبدأ من وجود دولة يمنية قوية وقادرة على حماية حدودها وممراتها البحرية.

عبد الله العليمي مع كوادر السفارة اليمنية في لندن (سبأ)

كما شدد على أهمية استمرار الدعم العربي، مشيداً بالدور السعودي في مساندة الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، ورعاية المبادرات الهادفة إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام، ومؤكداً أن هذا الدعم كان عاملاً أساسياً في استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية؛ إذ التقى العليمي عدداً من الإعلاميين والباحثين بمراكز الفكر البريطانية، في محاولة لإبقاء الملف اليمني حاضراً في دوائر صنع القرار. كما عقد اجتماعاً مع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمنية في لندن، مثمّناً دورهم في خدمة المواطنين والدفاع عن مصالح البلاد رغم الصعوبات المالية وتأخر المستحقات.