الصين تدعم الشرعية وتتحدث مع الحوثيين وترفض هجماتهم البحرية

القائم بالأعمال في حوار مع «الشرق الأوسط»: زرت اليمن ثلاث مرات خلال عام

TT

الصين تدعم الشرعية وتتحدث مع الحوثيين وترفض هجماتهم البحرية

القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن (تصوير بشير صالح)
القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن (تصوير بشير صالح)

قال مسؤول صيني إن بكين تقوم بالتنسيق مع المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والجهات المعنية الأخرى؛ لدفع خريطة السلام في اليمن قدماً، مطالباً الأطراف اليمنية بالجلوس على الطاولة، وتوقيع اتفاقية سلمية بشكل عاجل.

وأكد شاو تشنغ، القائم بأعمال السفير الصيني لدى اليمن، في حوار موسع مع «الشرق الأوسط» أن لدى الصين تواصلاً مع جماعة الحوثيين، وبقية الأطراف اليمنية؛ داعيا إلى التوقف عن استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر.

القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن (تصوير بشير صالح)

وأشاد المسؤول الصيني بالجهود السعودية لتحقيق السلام في اليمن ووصفها بـ«الإيجابية»، مشيراً إلى أن السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر «صديق عزيز، التقيته مراراً وتكراراً».

وبشأن أحداث البحر الأحمر، كشف تشنغ أن بلاده تستعد للتنسيق مع الدول الإقليمية لتحقيق السلام في هذه المنطقة بشكل سريع، مبيناً أن القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي لا تشارك في أي مهات في البحر الأحمر حالياً.

وأشار القائم بالأعمال إلى أن البحرية الصينية الموجودة في خليج عدن وقبالة الصومال استطاعت خلال السنوات الـ15 الماضية، تقديم الحماية لـ7200 سفينة صينية وأجنبية في المنطقة، بمشاركة 35 ألف جندي صيني.

وتعليقاً على العقوبات الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة على بعض الشركات الصينية لاتهامها بتصدير مواد عسكرية للحوثيين، أوضح المسؤول الصيني أن بلاده ترفض أي عقوبات ضد الصين الشركات الصينية، وأن بكين تتمتع بنظام شديد لتصدير المنتجات العسكرية أو المدنية... ووصفها بأنها «فردية وأحادية، و(تمت) من دون موافقة مجلس الأمن».

العلاقات مع اليمن

عبّر القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن عن يقينه بأن مستقبل العلاقات مع اليمن «مشرق»، مبيناً أن الجانبين حققا نتائج تعاونية مثمرة في المجالات جميعها خلال السنوات الماضية.

وقال: «يصادف هذا العام الذكرى الـ68 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية الصينية - اليمنية. في السنوات الماضية حققت الصين واليمن نتائج تعاونية مثمرة في المجالات المختلفة؛ السياسية والاقتصادية وغيرها. الصين واليمن يدعمان بعضهما بعضاً على الساحتين الإقليمية والدولية، ونحن على يقين بأن مستقبل العلاقات الصينية - اليمنية مشرق، ويمكننا تعزيز التعاون عبر مبادرات الحزام والطريق والأمن العالمي، والتنمية العالمية، والمبادرات الصينية الأخرى».

وعن نتائج زيارته الأخيرة لليمن، وهي الثالثة خلال عام واحد، أوضح شاو أنها شملت حضرموت وعدن، حيث حضر مراسم وصول مساعدات طبية صينية، بما فيها أكثر من ألف قطعة طبية و10 سيارات إسعاف.

وأضاف: «وجدت كثيراً من التقدم في المجتمع المحلي، على سبيل المثال سرعة الإنترنت أفضل من قبل، لكن اليمن يواجه مشكلات أخرى مثل توليد الكهرباء، وخلال وجودي في عدن التقيت رئيس الوزراء والوزراء في الحومة الشرعية، وقمنا بتبادل مكثف بشأن العلاقات الثنائية والأوضاع اليمنية، ونحن ندعم الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي».

تعاون في الطاقة النظيفة

بحسب المسؤول الصيني، كان «التعاون الصيني - اليمني في الماضي يتمحور حول الصناعات التقليدية، لكنه اليوم يتمحور حول الطاقة الجديدة. اليمن يتمتع بموارد طاقة شمسية غنية، وكثير من العائلات اليمنية لديها ألواح طاقة شمسية مصنوعة في الصين، وكما نعرف، فإن اليمن يواجه مشكلة ونقصاً في توليد الكهرباء، والشركات الصينية تتمتع بالقدرة في هذا المجال، ومع تحسّن الأوضاع اليمنية وإحلال السلام، ستبدأ الصين واليمن التعاون في مجال الطاقة الجديدة والنظيفة، والمجالات الأخرى».

رئيس الوزراء اليمني والقائم بالأعمال الصيني مع عدد من سفراء الدول الغربية لدى اليمن (السفارة الصينية)

دعم الحكومة... والدور السعودي "إيجابي" في اليمن

أكد القائم بالأعمال أن بكين تتواصل وتنسق مع القوى الإقليمية كافة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي وصف دورها بـ«الإيجابي» لتحقيق السلام في اليمن. وقال: «بالنسبة للقضية اليمنية نقوم بالتواصل مع الدول الإقليمية دائماً، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر صديق عزيز، والتقينا مراراً وتكراراً. ندعم الجهود الإيجابية لتحقيق السلام في اليمن من السعودية والدول الإقليمية، ونتطلع إلى تحقيق السلام في الأيام القريبة بما يفيد المنطقة والعالم».

أكد السيد شاو أن علاقته بالسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر قوية وعميقة (الشرق الأوسط)

شدد القائم بالأعمال الصيني على أن دعم بلاده للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي ثابت. وأضاف: «ندعم خريطة السلام في اليمن، وأتمنى من الأطراف المعنية الجلوس على الطاولة؛ لتحقيق اتفاقية سلمية قريباً».

وتابع: «كما ندعم جهود المبعوث الأممي الخاص، ونتمنى من الأطراف الأخرى دعم جهوده أيضاً، ندعو لدفع عملية سلمية في اليمن يقودها اليمنيون (...) وندعو الأطراف المعنية إلى التمسك بضبط النفس وتجنب تصعيد الأوضاع في اليمن».

وكشف شاو تشنغ أن بكين تعمل بالتنسيق مع المبعوث الأممي الخاص، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والأطراف المعنية الأخرى للدفع بعملية سلمية في اليمن. وقال: «نقوم بتبادل مكثف، ونعقد اجتماعات لسفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. ندعو المجتمع الدولي لبذل الجهود لتحقيق السلام في اليمن. الحرب امتدت لتسع سنوات وتؤثر على المعاناة الإنسانية الكبيرة في اليمن، وبعد تحقيق السلام سنبدأ إعادة الإعمار في اليمن قريباً».

التواصل مع الحوثيين

تستعد الصين لتعزيز التعاون مع الأحزاب اليمنية المختلفة، وفقاً لشاو، الذي أفاد بأن زيارة وفد حزب «التجمع اليمني للإصلاح» إلى بكين جاءت تلبيةً لدعوة حضور مؤتمر مهم في الصين.

وأضاف: «لدينا تواصل مكثف مع المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي، والأحزاب اليمنية الأخرى. أتمنى من الأحزاب اليمنية أن تبذل جهوداً مشتركة لتحقيق السلام في اليمن، وتفيد الدولة والشعب».

أشار القائم بالأعمال إلى أن الصين تتمتع بعلاقة تواصل مع الحوثيين والأطراف المعنية الأخرى، وذلك بهدف معرفة النية الحقيقية لها، وبذل جهود مشتركة لتحقيق السلام في اليمن، على حد وصفه.

ودعا الحوثيين في هذا السياق وحثهم على أن «يتوقفوا عن الاستهدافات العسكرية للسفن التجارية في البحر الأحمر». وتابع: «ندعو الأطراف المعنية إلى الجلوس على الطاولة، وتحقق اتفاقية سلمية قريباً، وهذا يتماشى مع مصالح الشعب اليمني بشكل عام».

خسائر البحر الأحمر

جدد الدبلوماسي الصيني التأكيد على أن بلاده ترفض الاستهداف العسكري للسفن التجارية والملاحة في البحر الأحمر، وقال: «علينا أن نضمن أمن البحر الأحمر، ونعبِّر عن موقفنا للحوثي وللأطراف الأخرى. أزمة البحر الأحمر تتواصل منذ نحو نصف عام، وخلقت خسائر كبيرة في دول مختلفة، لذلك ندعو لوقف الاستهداف العسكري للسفن التجارية».

وأضاف: «في الوقت نفسه، فإن الصين تعتقد بأن أزمة البحر الأحمر تتعلق بالصراع في غزة، لذلك ندعو لتحقيق السلام في غزة فوراً، وتقديم مساعدات إنسانية لتجنب انتشار الأزمة في المنطقة».

وفي تعليقه على استهداف جماعة الحوثي إحدى السفن الصينية الفترة الماضية، أكد تشنغ أن الصين تتابع الأوضاع في البحر الأحمر بشكل مستمر، وقال: «كما تعرف سوق السفن الأجنبية معقدة نسبياً، ولا يمكننا أن نميز هذه السفينة تتبع لأي دولة، وعليه ندعو لوقف الاستهداف العسكري للسفن التجارية؛ لتجنب التأثير في سلاسل الإنتاج والتوريد في العالم».

وشدد على أنه «يجب على المجتمع الدولي أن يضمن السلام في البحر الأحمر وفقاً للقانون الدولي. لا يمكننا استهداف المدنيين لأي سبب، من ناحية أخرى علينا أن نحقق السلام في غزة ونتجنب انتشار استهداف المدنيين حول العالم، وأن نحترم السيادة للدول المطلة على البحر الأحمر مثل اليمن، كما ندعو وننبه السفن التجارية لأن ترفع الوعي الأمني».

القاعدة الصينية في جيبوتي

وفقاً للقائم بالأعمال فإن بكين تستعد للتنسيق مع الدول الإقليمية لتحقيق السلام في المنطقة بشكل سريع. وفي رده على سؤال حول أي دور للقاعدة الصينية في جيبوتي لتأمين السفن التجارية الصينية في البحر الأحمر، قال: «بالنسبة لأعمال قوات البحرية الصينية في هذه المنطقة لا تتعلق بأزمة البحر الأحمر، هي بدأت العمل في خليج عدن وقبالة سواحل الصومال بموافقة من مجلس الأمن».

القائم بالأعمال الصيني خلال لقائه السفير الأميركي والمبعوث الأميركي لدى اليمن الأسبوع الماضي (السفارة الصينية)

كشف المسؤول الصيني عن أن القوات البحرية الصينية الموجودة في خليج عدن وقبالة الصومال قدمت الحماية خلال السنوات الـ15 الماضية لنحو 7200 سفينة صينية وأجنبية في المنطقة، بمشاركة نحو 45 دفعة من الأسطول و35 ألف جندي صيني، وأنها «تتمحور حول مكافحة القرصنة، وتقديم مساعدات إنسانية».

وأوضح القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن أن بكين «أكبر دولة في العالم من حيث الصناعة، وهي شريك تجاري لنحو 100 دولة»، لافتاً إلى أنه «بعد اندلاع أزمة البحر الأحمر ارتفعت أسعار التأمين للبضائع أضعافاً عدة، وكما نعرف أن نحو 12 في المائة من البضائع تمرّ في البحر الأحمر، ولذلك ندعو لتحقيق السلام في البحر الأحمر؛ لضمان سلاسل التوريد والإنتاج حول العالم». وتابع: «بعض السفن التابعة لشركات صينية تمرّ من جنوب أفريقيا، وبالنسبة لسفارتنا نزودهم بالتنبيهات».

100 ألف فرصة دراسية لدول الجنوب

في إطار المبادئ الخمسة للتعايش السلمي التي أعلنت عنها بكين، «ستقدم 100 ألف فرصة دراسية وتدريبية لدول الجنوب العالمي في السنوات الخمس المقبلة»، بحسب شاو.

طلاب يمنيون مبتعثون يحتفلون في إحدى المناسبات في الصين (الشرق الأوسط)

وأضاف: «قبل 70 عاماً طرحت الصين مبادئ خمسة للتعايش السلمي، منها احترام السيادة بشكل متبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم الاعتداء، والتعايش السلمي، هذه مبادئ تتماشى وتناسب عصرنا الحالي، وقد شرح الرئيس الصيني أهمية المبادئ الخمسة وبناء مستقبل مشترك للبشرية، وقد أعلن الرئيس 8 أعمال لتعزيز التعاون بين الدول النامية، منها تقديم الصين 100 ألف فرصة دراسية وتدريب لدول الجنوب العالمي في السنوات الخمس المقبلة، كما تستعد لتعزيز التعاون التجاري مع الدول النامية، حيث من المتوقع أن تتجاوز قيمة الواردات الصينية من الدول النامية 8 تريليونات دولار أميركي حتى عام 2030».


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.


«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.