كارثة «روبيمار» تهدد سبل العيش والتنوع الحيوي في البحر الأحمر

مسؤول يمني لـ«الشرق الأوسط»: نشدد على الإسراع بانتشال السفينة

صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية للسفينة البريطانية المقصوفة من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية للسفينة البريطانية المقصوفة من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

كارثة «روبيمار» تهدد سبل العيش والتنوع الحيوي في البحر الأحمر

صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية للسفينة البريطانية المقصوفة من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية للسفينة البريطانية المقصوفة من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)

بإمكانات محدودة لمواجهة كارثة بيئية ناتجة عن غرق السفينة البريطانية «روبيمار» في البحر الأحمر؛ دخلت الحكومة اليمنية في سباق مع الزمن، أملاً في انتشالها والحد من الآثار التي ستخلفها حمولتها على البيئة البحرية في البلاد ومحيطها.

وإذ أكد الجيش الأميركي، غرق السفينة، حملت لندن الحوثيين المسؤولية ودعتهم لتقديم المصالح اليمنية أولا ووقف الهجمات، في الوقت الذي حذر مسؤول يمني تحدث لـ«الشرق الأوسط» من المخاطر الكارثية على البيئة البحرية بسبب حمولة السفينة من الأسمدة والزيوت، داعياً إلى الإسراع بعملية انتشالها.

وأوضح رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة في اليمن فيصل الثعلبي أن السفينة الغارقة تحتوي على مشتقات نفطية مكونة من المازوت بنحو 200 طن والديزل بنحو 80 طناً، ويقول إن هذه من المواد الخطرة جداً، ولها آثار سيئة طويلة جداً على التنوع البيولوجي المميز للبحر الأحمر، وأيضاً تلويث الشواطئ والجزر المتاخمة، إضافة إلى تأثيرها أيضاً على المجتمع المحلي الذي يعتمد على الصيد بوصفه مصدراً أساسياً للعيش.

وكان الحوثيون المدعومون من إيران قد استهدفوا السفينة بالصواريخ في 18 فبراير (شباط) في سياق هجماتهم المتصاعدة في البحر الأحمر وخليج عدن ضد سفن الشحن، ما أدى إلى إصابتها وغرقها تدريجياً، مع تعذر عمليات الإنقاذ.

تلوث واسع محتمل

يبيّن المسؤول اليمني أن أثر التلوث البيئي جراء غرق السفينة سيمتد أيضاً إلى آبار المياه سواء السطحية أو القريبة جداً من مواقع التلوث، وكذلك تلوث محطات التحلية التي تعتمد على مياه البحار سواء في الجزر أو المناطق المتاخمة التي تعتمد على مياه البحر في التحلية واستخدامها مصدراً أساسياً للحصول على مياه الشرب.

ولن يقتصر التأثير البيئي بسبب الحمولة من الوقود، وفق الثعلبي، بل إن البيئة البحرية ستلوث أيضاً بسماد فوسفات الكبريت من خلال تفاعل هذه المواد مع مياه البحر، حيث سينتج عنها تحرير بعض الأيونات مثل أيون الكبريت وأيون الفسفور الذي يكون بنسب كبيرة، وهذه الزيادة لها تأثير - وفق المسؤول اليمني - على انخفاض في مستويات الأكسجين، وذلك سيؤدي إلى خلل بيئي في مياه البحر، وسيؤثر سلباً في صحة التنوع البيولوجي الذي تتميز به البحار.

رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة في اليمن فيصل الثعلبي (الشرق الأوسط)

ويوضح الثعلبي أن تلوث البحر سيساعد على نمو الطحالب التي ستستهلك الأكسجين، وستحجب ضوء الشمس عن الأحياء الموجودة في البحر، ويؤكد أن هذه المواد وتسريبها إلى البحار أو إلى شبكات الصرف الصحي لها آثار سيئة على البيئة وعلى صحة الإنسان على حد سواء.

إجراءات حكومية

عن الإجراءات التي يمكن للجانب الحكومي القيام بها في ظل إمكانات محدودة، يذكر رئيس الهيئة العامة للبيئة في اليمن، أنهم تلقوا خبر غرق السفينة، وأن خلية الأزمة التي شكلتها الحكومة خلال الأيام الماضية عملت على اتخاذ مجموعة من الإجراءات، ومتابعة مالك السفينة ودولة العلم الذي تحمله، وطالب بضرورة العمل على سحب السفينة، ولكنه يقول بأسف: «إن هذه الدعوات لم تلق استجابة من الجانبين».

ويضيف الثعلبي: «في الوقت نفسه، اتخذت الدولة إجراءات عاجلة، وأرسلت فريقاً لمعاينة السفينة، والتعاقد مع شركة متخصصة بحيث تعمل على إنقاذ السفينة، والتقت مع مختلف المنظمات الإغاثية والأمم المتحدة والمنظمة الدولية للبحار... وغيرها من المنظمات، وجرى إطلاق استغاثة، وأبلغوا أن الوضع صعب وبحاجة إلى مساعدة في وضع حلول عاجلة».

صورة للسفينة «روبيمار» الغارقة في البحر الأحمر نشرها الجيش الأميركي (أ.ب)

وأكد المسؤول اليمني أن خلية الأزمة الحكومية في حالة انعقاد دائم، لكن جاء غرق السفينة ليزيد من أهمية وضع حلول عاجلة.

وبخصوص الإجراءات الفورية التي اتخذت بعد غرق السفينة يبين المسؤول الأول عن قضايا البيئة في اليمن أنهم اعتمدوا خطة تتضمن السيناريوهات المتوقعة من بينها السيناريو الأسوأ من خلال مراقبة الشواطئ حيث تعمل هيئة الشئون البحرية في المناطق المتضررة بالتعاون مع الجهات المختلفة، كما تواصل خلية الأزمة مناقشة الإجراءات المتبعة، وأكد أن هناك جهوداً تُبذل من الحكومة من أجل إنقاذ السفينة وإخراجها.

وبالنسبة لفرضية انكسار جسم السفينة وسبب غرقها يقول الثعلبي إن هذا الاحتمال قد يكون سبب غرقها لأن «العنبر رقم واحد والعنبر خمسة» قد تضررا بالضربة الصاروخية، وتدفقت المياه إلى مؤخرة السفينة بشكل غير عادي، وقد تسبب بزيادة الثقل في الجهة الخلفية، وقد يكون هذا الاحتمال.

وأوضح الثعلبي أن الجزم بهذه المسألة يتطلب نزول الجهات المختصة إلى قاع البحر، وهو الأمر الذي لم يحدث في اليوم التالي للغرق بسبب الأجواء في المنطقة من جهة سرعة الرياح ودرجة الحرارة.

وقال إن فريقاً من الهيئة العامة للشئون البحرية وهي جهة الاختصاص في مكافحة التلوث البحري توجهت إلى ميناء المخا، وعند استكمال مهمتها سيكون بحوزة خلية الأزمة المعلومات الكاملة خلال اليومين المقبلين.

دعوة للتحرك العاجل

مع تعاظم المخاوف من الأثر البيئي الكارثي جراء غرق السفينة، كان رئيس الحكومة اليمنية قد شدد على التحرك العاجل من قبل الجهات المعنية الدولية لتلافي آثار الكارثة.

وحذر رئيس الحكومة اليمنية أحمد عوض بن مبارك، في تصريحات خلال لقائه في الرياض السفير الأميركي ستيفن فاجن من كارثة بيئية كبرى مع إعلان خلية الأزمة التي شكلتها الحكومة عن غرق السفينة، بسبب إصرار الميليشيات الحوثية على إغراقها، وتقاعس ملاك السفينة عن التعاون مع الحكومة اليمنية.

وناشد بن مبارك المجتمع الدولي إلى التحرك العملي والعاجل وتشكيل خلية طوارئ دولية لإنقاذ البحر الأحمر ومعالجة الكارثة البيئية الناجمة عن غرق السفينة.

رئيس الحكومة اليمنية مجتمعاً مع السفير الأميركي (سبأ)

من جهته، قال وزير النقل في الحكومة اليمنية عبد السلام حُميد: «إن الوزارة ممثلة بالهيئة العامة للشؤون البحرية على تواصل مستمر مع الجهات المختصة الإقليمية والدولية للتعاطي مع الآثار البيئية التي سيخلفها غرق السفينة (روبيمار)، المحملة بالمواد الكيميائية الخطيرة، والتي استهدفتها ميليشيات الحوثي الإرهابية في البحر الأحمر قبل أسبوعين».

وأوضح الوزير اليمني في تصريحات رسمية أن الهيئة البحرية وجهت رسالة عاجلة لرئيس المنظمة البحرية الدولية والهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن، ومقرها في جدة، وجرى إبلاغهم بغرق السفينة، وطلب المساعدة لتلافي الآثار البيئية التي ستخلفها تلك المواد الخطيرة التي كانت على متن السفينة، وعلى أمل أن يحدث التجاوب في أسرع وقت ممكن».

وأكد حميد أن هناك إجراءات قانونية ستقوم بها وزارته عبر الهيئة العامة للشؤون البحرية لتفويض محامٍ دولي للضغط على ملاك السفينة للمساعدة للتخلص من الكارثة البحرية المترتبة على غرق السفينة وحمولتها التي ستؤثر في الثروة السمكية.


مقالات ذات صلة

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

العالم العربي منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

رفع الحوثيون أسعار البنزين والديزل في مناطق سيطرتهم، وسط تدهور معيشي وانقطاع المرتبات، في ظل مخاوف من موجة غلاء جديدة تطول النقل والغذاء والخدمات...

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

بعد السيطرة على الساحل الغربي، نقل الحوثيون اقتصاد الحرب إلى الأسواق والمزارع، بجبايات وحرب عملات ومصادرات، في وقت يدفع السكان تكلفة كبيرة تتسع معها موجة النزوح

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات المسلحة في حجة (إعلام حكومي)

قوات الحكومة اليمنية ترتّب صفوفها لاستعادة المبادرة الميدانية

رفع الجيش اليمني وقواته المساندة مستوى التأهب في جبهات تعز وحجة، بالتزامن مع تحركات ميدانية لإعادة ترتيب الأوضاع العسكرية واستعادة زمام المبادرة...

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي يمنية في تعز تغسل الملابس في مخيم مؤقت للنازحين جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

تصعيد الحوثيين يدفع 100 ألف يمني للنزوح خلال أسبوع

تتسع موجة النزوح في اليمن مع تصعيد الحوثيين غرب تعز، وجنوب الحديدة، وسط توقعات بتجاوز عدد الفارين 100 ألف خلال أسبوع، مع نقص الإغاثة، والمأوى، والخدمات.

محمد ناصر (عدن)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: إصابة 13 مدنياً وتضرر 7 منازل ومركبتين باعتداءات حوثية على السعودية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن إصابة 13 مدنياً بإصابات بسيطة ومتوسطة، وتضرر 7 منازل سكنية ومركبتين، نتيجة اعتداءات ميليشيا الحوثي الإرهابية على مدن سعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
TT

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

سيطر ملف المصريين العاملين في ليبيا على مباحثات وزيري العمل في البلدين، التي ركزت على تنظيم أوضاعهم، وتعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة «وافد» ومنصة التأشيرة الإلكترونية، لتسهيل إجراءات دخولهم وتنقلهم بين البلدين.

والتقى وزير العمل والتأهيل في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، علي العابد، نظيره المصري حسن الرداد، على هامش أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة، أمس الاثنين.

وتطرق اللقاء إلى تنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا، وفق الإجراءات واللوائح المعمول بها، بما يسهم في تنظيم سوق العمل، وتعزيز انسيابية الإجراءات بين البلدين.

وزير العمل المصري حسن الرداد خلال مباحثات مع نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» (وزارة العمل الليبية)

وقالت وزارة العمل في حكومة «الوحدة الوطنية» إن مباحثات الجانبين تناولت «أهمية تفعيل اللجان المشتركة بين ليبيا ومصر، وتعزيز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة (وافد) ومنصة التأشيرة الإلكترونية، بما يسهم في تطوير الإجراءات وتنظيم حركة العمالة».

وأكد الوزيران حرصهما على «تعزيز التعاون المشترك، وتطوير آليات التنسيق في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، بما يخدم المصالح المشتركة بين ليبيا ومصر».

وأوضحت وزارة العمل المصرية أن المباحثات تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، وتنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا.

وسبق أن أطلقت وزارة العمل والتأهيل الليبية منصة «وافد» الرقمية لتسجيل العمالة الأجنبية، وقالت حينها إن هذا الإجراء يهدف إلى «تنظيم سوق العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في ليبيا».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» التفعيل الرسمي لمنظومتي «وافد» و«E - VISA LIBYA»، باعتبارهما المنصة الوطنية المعتمدة لإدارة التأشيرات الإلكترونية، وتنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا، وذلك مع انطلاق المرحلة الثانية من المشروع.

ولا توجد أرقام رسمية في ليبيا عن عدد العمالة الأجنبية، بسبب الانقسام السياسي ووجود حكومتين، واتساع عمليات التهريب، وتسرب كثير من الوافدين إلى سوق العمل بشكل غير رسمي، لكن العابد ذكر في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن عدد العمالة الأجنبية في ليبيا تجاوز مليوني شخص.

وقالت الحكومة إن وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، أصدر تعميماً يقضي بالبدء الرسمي في تشغيل المنظومتين، في إطار تنفيذ رؤية الحكومة لتطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز مسار التحول الرقمي.

ووقعت مصر وليبيا خلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة، بحضور عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» ومصطفى مدبولي رئيس الحكومة المصرية، 13 اتفاقية مشتركة في سبتمبر (أيلول) 2021، شملت مجالات المواصلات والكهرباء والبترول، بالإضافة إلى البنية التحتية والشباب والرياضة والتأمينات الاجتماعية.

وفي ختام اللقاء، هنأ وزير العمل والتأهيل الليبي نظيره المصري بمناسبة انتخابه رئيساً لفريق الحكومات في الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، مؤكداً حرص ليبيا على «مواصلة تطوير علاقات التعاون المشترك مع مصر في مختلف مجالات العمل، والتشغيل والتأهيل».

ويتولى ائتلاف الشركات المصرية، المكون من «أوراسكوم» و«حسن علام» و«رواد الهندسة الحديثة»، تنفيذ مشروعات كبيرة في العاصمة طرابلس، من بينها مشروع الطريق الدائري الثالث، الذي تبلغ تكلفة تنفيذه 4.263 مليار دينار، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع طريق غات - أوباري جنوب غربي ليبيا.

(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية)، و9.44 في السوق الموازية.


انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
TT

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

فرضت الجماعة الحوثية زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية بمناطق سيطرتها، لترفع بذلك تكلفة المعيشة على ملايين السكان الذين يواجهون تدهوراً اقتصادياً واسعاً وتراجعاً في مصادر الدخل وانقطاعاً للمرتبات.

وأقرت شركة النفط الخاضعة للجماعة في صنعاء رفع سعر لتر البنزين إلى نحو دولار واحد (525 ريالاً يمنياً)، لتصبح قيمة الصفيحة سعة 20 لتراً نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، مقارنة بنحو 17.8 دولار (9500 ريال) سابقاً.

كما رفعت سعر الديزل إلى نحو 1.07 دولار للتر (575 ريالاً)، لتباع الصفيحة بالسعر الجديد بنحو 21.5 دولار (11 ألفاً و500 ريال)، بدلاً من نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، وفق سعر صرف ثابت للدولار عند 535 ريالاً تفرضه الجماعة بالقوة على الصرافين، ويختلف عن الريال اليمني في المناطق اليمنية المحررة.

تأتي الزيادة في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً متراكمة؛ نتيجة انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل وتدهور الخدمات، إلى جانب الضرائب والجبايات التي تفرضها الجماعة على المواطنين والأنشطة التجارية.

وتسود مخاوف لدى السكان من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة جديدة من الغلاء، بالنظر إلى ارتباط تكاليف النقل بأسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

جانب من طوابير كثيفة أمام محطة وقود في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال «أمين»، وهو أحد سكان ضواحي صنعاء، إن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على أصحاب السيارات، «بل تنتقل سريعاً إلى أجور المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخدمات».

وأضاف: «راتبي لا يكفي الاحتياجات الأساسية، وكل زيادة في سعر الوقود تعني أننا سندفع أكثر مقابل المواصلات والمواد الغذائية. الوضع أصبح صعباً جداً على الأسر محدودة الدخل».

أعباء النقل

يواجه سائقو سيارات الأجرة بدورهم ضغوطاً متصاعدة؛ إذ يجدون أنفسهم أمام خيار إما رفع أجور النقل وإما تحمل ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال أحد سائقي سيارات الأجرة في العاصمة اليمنية المختطفة إن رفع سعر البنزين يضع السائقين أمام «خيارين صعبين»، موضحاً: «إذا رفعنا الأجرة؛ فلا يستطيع المواطن الدفع، وإذا أبقيناها كما هي، فلن يغطي الدخل تكلفة الوقود والصيانة».

وفي مدينة ذمار، قال أحد العاملين بالأجر اليومي إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية أصبح ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية؛ نتيجة ارتباط نقل السلع والخدمات بتكلفة الوقود.

تجمع سيارات أجرة في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضاف أن أسرته اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص مشترياتها من المواد الأساسية، قائلاً: «كل شيء يرتفع مع ارتفاع الوقود، بينما فرص العمل منعدمة، وهذا يجعلنا أمام معادلة صعبة».

وفي محافظة إب، قالت ربة أسرة إن الزيادات المتتالية في أسعار الوقود فاقمت الأعباء المعيشية، في ظل ثبات المداخيل وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات.

وأضافت: «لم نعد نعرف كيف سندبر احتياجاتنا اليومية. كلما ارتفع سعر الوقود؛ ارتفعت معه أسعار المواصلات والمواد الأساسية، بينما دخل الأسرة لم يتغير».

احتكار وإيرادات

تتهم مصادر يمنية الجماعة الحوثية باستغلال سيطرتها على سوق المشتقات النفطية لتحقيق إيرادات كبيرة، من خلال احتكار استيراد الوقود وتوزيعه وبيعه في المناطق الخاضعة لنفوذها، إلى جانب الإيرادات الناتجة عن الضرائب والجبايات المفروضة على السكان والأنشطة التجارية.

وتقدر المصادر أن الجماعة تجني ملايين الدولارات يومياً من تجارة المشتقات النفطية، فضلاً عن موارد أخرى، بينما تتهمها بتوجيه جزء من هذه الإيرادات لتمويل أنشطتها العسكرية وتعزيز قدراتها في الحرب.

شاحنة مرور تقطع أحد شوارع صنعاء ضمن حملة جباية حوثية (الشرق الأوسط)

وتشير تقارير محلية إلى أن الجماعة تتسبب بأزمات متكررة في الوقود من خلال منع دخول شحنات المشتقات النفطية الآتية من المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، رغم انخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود المستورد عبر ميناء الحديدة، وفق هذه التقارير.

وخلال السنوات الماضية، فرض الحوثيون أكثر من 9 زيادات سعرية على المشتقات النفطية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم؛ مما أدى إلى ارتفاع متواصل في أسعار الوقود، وانعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، وسط تدهور اقتصادي ومعيشي متفاقم.


الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)

تواجه مناطق الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمها مديريتا حيس والمخا ومحيطهما، موجة واسعة من التضييق المعيشي بعد سيطرة الجماعة الحوثية حديثاً، والتي سارعت إلى نقل منظومتها لتحصيل الموارد وفرض الجبايات والإتاوات القسرية والإجراءات المصرفية وحرب العملات مع الحكومة الشرعية، وحوّلت الأنشطة الزراعية والتجارية المحدودة مصادر لتمويل أنشطتها الميدانية.

لم تقتصر الإجراءات الحوثية على الجبايات والإتاوات؛ إذ توجهت مباشرة صوب المنظومة المصرفية عبر ذراعها النقدية في صنعاء، حيث بدأت فرض حظر تام على تداول الطبعة النقدية الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ووجهت ببدء استبدالها بالطبعات القديمة المتهالكة أو الفئات المعدنية البديلة المستحدثة والمعتمدة لديها.

وبعدما سيطرت على مدينة المخا، أقدمت الجماعة على نقل محتويات مبنى البنك المركزي فيها إلى جهة مجهولة، في عملية وصفتها مصادر محلية في المدينة بالنهب المنظم.

وأعيد افتتاح مقر فرع البنك المركزي اليمني في المدينة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بعد توقف نشاطه قرابة 10 سنوات بفعل الانقلاب الحوثي والحرب التي فرضتها الجماعة.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (البنك المركزي اليمني)

وكشفت مصادر محلية مطلعة في المدينة عن اعتزام الجماعة إطلاق آليات تبادل مجحفة للعملات وبلا غطاء مصرفي عادل؛ ما أسهم في شل الحركة التجارية، المتضررة أصلاً بالعمليات العسكرية وسيطرة الجماعة؛ ما تسبب في توقف جماعي للأنشطة المصرفية وتلاشي قيمة المدخرات الحقيقية في غضون أيام.

ومن شأن ذلك، وفق خبراء اقتصاديين، أن يعمّق انقسام أسعار الصرف ونقل الفجوة المصرفية الحادة إلى قلب مجتمعات الساحل الغربي.

جبايات عاجلة

بدأت ملامح التضييق المعيشي في مديريات جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز، فور سيطرة الجماعة على المنطقة، وكان افتتاح مكاتب ما يسمى «الهيئة العامة للزكاة» أولى خطواتها الميدانية لتحصيل الجبابات وفرض واقع مالي جديد، ولم يتوقف الأمر عند مصادرة المباني الحكومية وتحويلها مراكز للتحصيل الإجباري، بل امتد ليشمل عسكرة الطرقات الحيوية الرابطة بين القرى والبلدات.

مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

وذكرت مصادر محلية أن الجماعة، وبمجرد سيطرتها، استحدثت منظومة من «الموازين الإلكترونية» ونقاط التفتيش العسكرية على المداخل المؤدية إلى الأسواق المحلية، لوزن محاصيل المزارعين من خضراوات وفواكه وقات، وفرض رسوم مالية ونسب عينية مجحفة قبل السماح ببيعها وتداولها؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية الأساسية وعجز السكان عن الشراء.

ووجَّه القادة الميدانيون خطابات لوجهاء وأعيان المناطق التي أخضعوها لسيطرتهم أخيراً، يحثونهم فيها على الإسراع بدفع مبالغ دورية لدعم «قوافل رفد الجبهات والمقاتلين»، والإسراع بتحصيلها من السكان، إلى جانب خطابات مشابهة للتجار وكبار ملاك المزارع.

وتعتزم الجماعة إقرار نظام جمارك داخلي مزدوج يفرض رسوماً على حركة البضائع القادمة من المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات القادة الحوثيين للتجار والوجهاء وملاك المزارع الكبيرة بتقديم تبرعات مالية وعينية تتمثل بالمواشي والمواد الغذائية، وألزمت الأعيان بحصر العائلات في مناطقهم وتقديم بيانات كاملة عنهم لتقدير التبرعات التي سيجري إقرارها بناءً على عدد أفراد كل عائلة.

دمار هائل في ميناء المخا بفعل استهدافه من قِبل الحوثيين قبل السيطرة عليه (غيتي)

وكشفت المصادر المحلية، عن أن الجماعة ألزمت المطاعم والمحال التجارية بتقديم وجبات ومواد غذائية للمقاتلين وعناصر الأمن والمسلحين التابعين لها، وسط تهديدات مباشرة بالعقوبات القاسية والمصادرة في حال تجاهل طلباتهم.

تكلفة السيطرة

تقول مصادر «الشرق الأوسط» إنه، وفي مواجهة التذمر الشعبي الواسع بسبب تلك الإجراءات، لوّح القادة الحوثيون بالرد على شكاوى التجار وملاك المزارع بمواجهة تهم الخيانة، عادّين أن هذه الأموال المطلوب جبياتها هي مقابل إجباري لما سمّوه «تحريرهم» من سلطة الحكومة الشرعية، وطلبوا من السكان إظهار الامتنان والشكر بذريعة تخليصهم من «الاحتلال الأميركي والإسرائيلي»، وفقاً لرواية الجماعة وسرديتها.

وتعكس التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة عن منظمات محلية حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية المروعة في المنطقة، فحسب تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، جرى اقتحام ومداهمة نحو 356 منشأة حكومية ومنزلاً خاصاً تعرضت لنهب كلي أو جزئي ومصادرة الأصول المادية والسيولة النقدية الموجودة بداخلها.

الجماعة الحوثية نقلت مباشرة ممارسات اقتصاد الحرب إلى المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

وشملت عمليات المصادرة العسكرية نحو 30 سيارة خاصة و17 دراجة نارية، بالإضافة إلى نهب أجهزة ومركبات تابعة لمركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا؛ ما تسبب في شلل تام لحركة الإغاثة والتبادل التجاري المحلي وحرمان المحتاجين من المساعدات الطارئة.

وكانت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» وثقت في تقرير لها، منذ أيام، أكثر من 18 واقعة مصادرة أموال وممتلكات وفرض جبايات مباشرة خلال سعي الحوثيين على مناطق في جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز.

ويعتمد غالبية سكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر على الزراعة الموسمية والصيد التقليدي، وهي أنشطة اقتصادية ذات دخل محدود ومتقطع، ويؤدي فرض الجبايات القسرية وصدمات الحرب إلى الإضرار بها بشكل بالغ.

أعمال جباية حوثية مكثفة لتمويل تصعيد الجماعة العسكري وتجنيد المزيد من المقاتلين (غيتي)

وتشهد المنطقة موجة نزوح جماعي واسعة النطاق عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن «الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين» نزوح ما لا يقل عن 823 أسرة (تضم أكثر من 5671 فرداً) من مديرية المخا وحدها باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية في تعز والمحافظات الجنوبية.

من جهتها، تتوقع الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن إجمالي العائلات المشردة والمهجرة قسرياً بفعل هذه الإجراءات الاقتصادية والأمنية التعسفية تجاوز 2300 أسرة في عموم مناطق الساحل الغربي؛ ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة وأزمة لجوء حادة تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.