تقارير حقوقية تتهم الحوثيين بتجنيد مزيد من الأطفال

الجماعة أجبرت قاصرين في صعدة على تأدية عرض عسكري

يأخذ الحوثيون الطلاب من المدارس إلى المعسكرات والخطوط الأمامية (إعلام حوثي)
يأخذ الحوثيون الطلاب من المدارس إلى المعسكرات والخطوط الأمامية (إعلام حوثي)
TT

تقارير حقوقية تتهم الحوثيين بتجنيد مزيد من الأطفال

يأخذ الحوثيون الطلاب من المدارس إلى المعسكرات والخطوط الأمامية (إعلام حوثي)
يأخذ الحوثيون الطلاب من المدارس إلى المعسكرات والخطوط الأمامية (إعلام حوثي)

اتهمت تقارير حقوقية الجماعة الحوثية في اليمن بتجنيد مزيد من القاصرين تحت سن 15 عاماً في مناطق سيطرتها، وتأسيس مراكز تدريب عسكرية جديدة لطلبة المدارس في مناطق سيطرتها، وإجبارهم على تأدية عروض عسكرية.

وأفادت منظمة «ميون» لحقوق الإنسان، وهي منظمة يمنية في بيان صادر عنها بأن جماعة الحوثي قامت بإنشاء مراكز تدريب عسكرية جديدة للأطفال بمدن قبضتها بهدف تجنيد الآلاف منهم عبر إجبارهم على الالتحاق بصفوفها والقتال في جبهاتها.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأوضحت المنظمة أن عملية تجنيد الحوثيين للأطفال بمدن سطوتهم قد دخلت مرحلة «جديدة» و«خطيرة»، حيث يعد ذلك انتهاكاً صارخاً لحقوق الأطفال، ويقوض جميع الجهود الدولية على مدى السنوات الماضية الهادفة لوقف تجنيد الأطفال في اليمن.

وكشفت «ميون» لحقوق الإنسان عن إجبار الحوثيين عشرات الأطفال المجندين على تقديم عروض عسكرية حضرها القيادي محمد علي الحوثي وهو ابن عم زعيم الجماعة، وذلك باسم «اختتام دورات عسكرية مفتوحة»، أقامتها الجماعة بإحدى الساحات في مديرية سحار في محافظة صعدة، حيث معقلها الرئيسي.

وأدرج الحوثيون منذ أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، عشرات آلاف الأطفال اليمنيين بوصفهم جنودا في صفوفهم عقب تخرجهم مما يسمونه «دورات مفتوحة» ضمن معسكرات تدريب تقع ضمن المناطق الخاضعة لهم.

وكشفت «ميون» عن أنه ومنذ مطلع العام الحالي استدعت جماعة الحوثي آلافاً من الأطفال ممن كانت قد أجبرتهم على الالتحاق قسراً في معسكراتها الصيفية عام 2023، بوصفهم قوات احتياط، وحتى يتم إعادة تأهيلهم وتدريبهم عسكرياً للتأكد من جهوزيتهم للقتال.

الاستدراج والإغراء

ذكر التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن أنه اطلع على تقارير تشير إلى استخدام الحوثيين وسائل مختلفة ومتعددة لتجنيد الأطفال في مناطق سيطرتهم، بما في ذلك الاستدراج والإغراء والتأثير الفكري والخطف واستغلال الظروف المعيشية السيئة لعائلاتهم، معبراً عن أسفه لأن الجماعة تدعي في تصريحاتها العلنية أن تجنيد الأطفال عمل بطولي، وتصفه بـ«الدفاع عن الوطن».

يرى الحوثيون في صغار السن وقوداً مثالياً لحربهم ضد اليمنيين (إعلام محلي)

التحالف الحقوقي اليمني أبدى خلال سلسلة منشورات جديدة على «فيسبوك» استياءه حيال استغلال الطفولة في اليمن باسم الدين، وإجبارهم على حمل السلاح والذهاب لتعلم طرق الموت السريع. موضحاً أن ذلك حدث مع أحد الأطفال اليمنيين الذين تجندهم الجماعة الحوثية، وتم توثيق تلك الواقعة عقب تمكن الطفل من الهرب بعد تجنيده من قبل الجماعة في الخطوط الأمامية.

وأعاد «تحالف رصد» التذكير بما يعانيه ملايين الأطفال اليمنيين الذين فقدوا حقهم في التعليم جراء الحرب، وتكرار الهجمات على المدارس، وكشف أيضاً عن تسجيل ما يزيد على 400 اعتداء خلال الأربع السنوات الماضية طالت مدارس في عموم مناطق اليمن.

وفي منتصف فبراير (شباط) الحالي، اتهم تقرير دولي آخر الحوثيين بأنهم استغلوا الحرب على غزة والضربات الأميركية على مواقعهم، لتجنيد الأطفال، بمزاعم القتال في فلسطين، بينما يقومون بإرسالهم إلى خطوط التماس مع القوات الحكومية في مأرب وتعز.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن الجماعة جندت أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم 13 عاماً، حيث تزايدت عمليات التجنيد في الأسابيع الأخيرة أكثر من أي وقت مضى.

معظم حالات تجنيد الأطفال في اليمن يعزى إلى الحوثيين (إعلام حوثي)

وأوضحت نيكو جعفرنيا، باحثة اليمن والبحرين في «هيومن رايتس ووتش» أن «الحوثيين يستغلون القضية الفلسطينية لتجنيد مزيد من الأطفال من أجل قتالهم الداخلي». وأكدت أنه ينبغي للحوثيين استثمار الموارد في توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال في مناطق سيطرتهم، مثل التعليم الجيد والغذاء والمياه، بدلا من استبدال طفولتهم بواسطة النزاع.

ونقلت المنظمة الدولية عن امرأة تدير منظمة غير حكومية تركز على حقوق الإنسان أن الحوثيين جعلوا الأطفال يعتقدون أنهم سيقاتلون من أجل تحرير فلسطين، لكن الأمر انتهى بهم بإرسالهم إلى الخطوط الأمامية في مأرب وتعز.


مقالات ذات صلة

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

العالم العربي عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

أدت حملة الحوثيين ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية إلى شلل العمل الإنساني في مناطق سيطرتهم، ما فاقم الجوع وهدد ملايين المحتاجين بالمجاعة

«الشرق الأوسط» (محمد ناصر)
العالم العربي مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)

تحركات يمنية لتوحيد الدعم الأممي مع أولويات الحكومة

الحكومة اليمنية والأمم المتحدة تبحثان تعزيز الشراكة التنموية والإنسانية، فيما تتواصل الجهود الدولية لدعم القطاع الصحي والتحصين ومواجهة الأوبئة في البلاد

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

الحوثيون يدخلون على خط المواجهة الجديدة بين إيران وإسرائيل

تبنى الحوثيون إطلاق دفعة صواريخ تجاه إسرائيل، وأعلنوا فرض حظر على السفن المرتبطة بتل أبيب في البحر الأحمر، عقب تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

مع دخول اعتقال موظفي المنظمات الإنسانية عامه الثالث، تكشف عائلات المحتجزين عن معاناتها المتفاقمة، فيما يجدد مجلس الأمن مطالبته الحوثيين بالإفراج الفوري عنهم...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي وضع اللمسات الأخيرة لإعادة افتتاح سينما «أروى» في عدن (إعلام محلي)

عدن تستعيد «شاشتها الكبيرة» بإحياء دور السينما

إعادة افتتاح سينما «أروى» في عدن تمثل خطوة لإحياء الحركة الثقافية والفنية في المدينة بدعم أوروبي، وسط آمال باستعادة دورها التاريخي كمركز للإشعاع الثقافي.

محمد ناصر (عدن)

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
TT

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

في وقت يقترب فيه بعض المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين من مستويات كارثية من الجوع، وتزداد فيه حاجة ملايين السكان إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، تحولت حملة الاعتقالات التي شنتها الجماعة المتحالفة مع إيران ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، إلى أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة الإنسانية وأعاقت وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

فبعد سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي، بات العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة القيود المتزايدة والتدخلات المستمرة في أنشطة المنظمات الدولية والمحلية، وصولاً إلى حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت عشرات الموظفين والعاملين في المجال الإغاثي تحت مزاعم أمنية واتهامات بالتجسس.

وبينما كانت المساعدات الإنسانية تمثل شريان حياة لملايين السكان في شمال اليمن، أسهمت هذه الإجراءات في تعطيل جزء كبير من العمليات الإغاثية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع الأمن الغذائي في مناطق تعاني أصلاً من الفقر وانعدام مصادر الدخل وارتفاع معدلات الاحتياج.

وقبل تصاعد الأزمة الأخيرة، كان نحو 3 ملايين شخص في مناطق سيطرة الحوثيين، يحصلون على مساعدات غذائية منتظمة رغم التراجع الحاد في التمويل الدولي المخصص لليمن، غير أن الخلافات المتعلقة بآليات توزيع المساعدات والتدخلات الحوثية في عمل المنظمات الإنسانية، أدت إلى تراجع نشاط كثير من البرامج الإغاثية.

المنظمات الإنسانية رصدت جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ومع حملة المداهمات والاعتقالات التي طالت مكاتب الأمم المتحدة وعدداً من المنظمات الدولية والمحلية في صنعاء ومناطق أخرى، دخل العمل الإنساني مرحلة جديدة من التعقيد، حيث اضطرت منظمات عديدة إلى تقليص عملياتها أو تعليقها بشكل كامل، ما أدى إلى حرمان ملايين المحتاجين من المساعدات المنقذة للحياة.

ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن القيود المفروضة على المنظمات جعلت الوصول إلى المجتمعات الأشد ضعفاً أكثر صعوبة من أي وقت مضى، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.

قمع الإغاثة

ترى منظمات حقوقية دولية؛ بينها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن الحوثيين حوّلوا تهم «التجسس» إلى أداة لقمع العاملين في المجال الإنساني، وتبرير حملات الاعتقال التي استهدفت أكثر من 100 موظف وعامل إغاثة خلال العامين الماضيين.

وبحسب هذه المنظمات، فإن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين لم يقتصر تأثيره على الضحايا وأسرهم؛ بل انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى الفئات المحتاجة، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة.

كما أشارت المنظمات الدولية إلى أن عدداً محدوداً فقط من المحتجزين أُفرج عنهم، فيما لا يزال عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية رهن الاحتجاز، وسط مخاوف متزايدة بشأن ظروف احتجازهم ومستقبل عمل المنظمات في تلك المناطق.

وربطت المنظمات الحقوقية بين حملة الاعتقالات وتدهور الوضع الغذائي في شمال اليمن، مشيرة إلى التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة بشأن تفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة الحالية.

العشرات من العاملين الإغاثيين اعتقلهم الحوثيون ما تسبب في عرقلة المساعدات (إعلام محلي)

وتقول هذه المنظمات إن تعطيل العمل الإنساني جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد البلاد تراجعاً مستمراً في التمويل الدولي، خصوصاً بعد تقليص مساهمات بعض الجهات المانحة الرئيسية، الأمر الذي قلص قدرة المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وفي ظل هذا الواقع، رصدت المنظمات الإنسانية جيوباً من المجاعة في عدد من المناطق، بينما تواجه ملايين الأسر صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية، ما يهدد بدفع مزيد من السكان إلى مستويات أشد خطورة من الجوع وسوء التغذية.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن استمرار القيود المفروضة على المنظمات سيجعل الاستجابة الإنسانية أكثر هشاشة، خصوصاً مع تزايد أعداد المحتاجين وتراجع الموارد المتاحة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

مخاوف على المحتجزين

مع امتلاك الحوثيين سجلاً حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان بحق المعتقلين، تتزايد المخاوف المحلية والدولية بشأن مصير العاملين الإنسانيين المحتجزين، خصوصاً بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الجماعة في فبراير (شباط) 2025.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن كثيراً من المحتجزين تعرض للاختفاء القسري لفترات طويلة، واحتُجزوا دون إجراءات قانونية سليمة، فيما حُرم بعضهم من الرعاية الصحية ومن التواصل مع محامين أو أفراد أسرهم.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (إعلام محلي)

كما تشير إلى أن الحوثيين يواصلون منذ سنوات توجيه اتهامات بالتجسس والتآمر للعاملين في المجال الإنساني والنشطاء والصحافيين والمعارضين، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير حملات القمع وإصدار أحكام مشددة بحق بعض المعتقلين.

ودعت المنظمات الحقوقية، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إلى تبني موقف أكثر حزماً للضغط على الحوثيين من أجل الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية، ووقف القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية، بما يسمح بوصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين الذين يواجهون خطر الجوع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


«مهمة ثقيلة» تنتظر نبيل فهمي في الجامعة العربية

اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
TT

«مهمة ثقيلة» تنتظر نبيل فهمي في الجامعة العربية

اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)

يُبدي المرشح الجديد لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير نبيل فهمي، تفاؤلاً ورغبة كبيرة في إحداث تغيير بمنظومة الجامعة عبر خطط واعدة لتطوير العمل العربي المشترك، لكن دبلوماسيين وخبراء يرون أن أمامه «مهمة ثقيلة منتظرة» بالنظر إلى التحديات الصعبة التي تواجهها الجامعة والمنطقة العربية كلها في الوقت الحالي.

ومن المنتظر أن يتولى الدبلوماسي المصري المخضرم منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، عقب انتهاء ولاية الأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط في آخر يونيو (حزيران) الحالي، وذلك بعد أن أقر مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية بالإجماع، نهاية مارس (آذار) الماضي، ترشيحه، ورفع توصية إلى القمة العربية المقبلة لاعتمادها.

السفير نبيل فهمي الذي سيتولى منصبه أميناً عاماً للجامعة العربية الشهر المقبل (صفحته على فيسبوك)

والدفاع عن كيان الجامعة العربية نفسه، وتوفير التمويل اللازم، من أول التحديات التي تواجه فهمي، وسط تساؤلات عن «جدوى المنظمة»، وعجز مالي مزمن ناجم عن تخلف أو تأخر غالبية الدول الأعضاء عن سداد حصصها المقررة في الموازنة السنوية؛ ما دفع الأمانة العامة للاقتراض من الاحتياطي النقدي لدفع رواتب الموظفين، وتسيير الأعمال، وفق ما تشير تقارير الأمانة العامة.

أزمة التمويل

تبلغ ميزانية الجامعة نحو 60 مليون دولار سنوياً، يذهب قرابة 90 في المائة منها لتغطية رواتب الموظفين ونفقات التشغيل. وتتحمل دول الخليج الحصة الكبرى من هذه الميزانية، حيث يبلغ الحد الأعلى لمشاركة الدولة الواحدة 14في المائة.

وشكا أبو الغيط مراراً من عدم سداد عدد من الأعضاء مساهماتهم في تمويل المنظمة، وحذر من تجميد أنشطة بالجامعة.

ويُرجع الأكاديمي والمحلل السياسي القطري، الدكتور عبد الله الخاطر، أزمة تمويل الجامعة إلى انشقاقات الصف العربي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمر به المنطقة من خلافات في قضايا مصيرية أدى لعزوف عدد من الأعضاء عن تمويل «كيان غير مفيد في نظرهم»، على حد قوله.

وأضاف: «حينما يستعيد الأمين العام للجامعة ثقة الدول الأعضاء في أهميتها وفائدتها ستُحل أزمة التمويل بكل سهولة، وسيلتزم الأعضاء بدفع حصصهم في الميزانية وكذلك المتأخرات».

ويتوقع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، أن «تدفع التحديات الحالية الدول الأعضاء لتوحيد الصف داخل الجامعة بشكل أكبر من ذي قبل استشعاراً بخطورة اللحظة، وهو ما قد يقود لحل مسألة التمويل».

بينما يطالب أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية بالرياض، الدكتور محمد بن صالح الحربي، بـ«إعادة ضبط الشؤون المالية، وتشكيل لجنة مراقبة مالية قوية، مع تقليص أعداد الموظفين والهيئات التابعة للجامعة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية الشهر الماضي (صفحة فهمي على فيسبوك)

هيكل إداري متضخم

في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لفت الحربي إلى أهمية إعادة هيكلة المنظومة كلها، مؤكداً أن الجامعة «باتت أقرب إلى جهاز بروتوكولي منها إلى منظمة إقليمية فاعلة»، ومن ثم يعتمد نجاح الأمين العام الجديد في رأيه على «قدرته على تفكيك البيروقراطية، وتقليص الهياكل، وهيكلة الجهاز الإداري، وخلق مركز ثقل عربي داخل المؤسسة».

وتتعدد المنظمات والهياكل التابعة للجامعة، والتي تعمل كأذرع فنية وبيوت خبرة في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة، ويبلغ عددها نحو 14 منظمة متخصصة، إضافة إلى اتحادات ومؤسسات تمويلية تهدف إلى تعزيز العمل العربي المشترك، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومنظمة العمل العربية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، واتحاد إذاعات الدول العربية... وغيرها.

ويرى المحلل القطري الخاطر أن هناك «فرصة تاريخية» أمام فهمي ليحوّل جميع المنظمات التابعة للجامعة إلى «جسور تواصل وتعاون بين الدول الأعضاء وشعوبها، وخلق قناعة بأهمية دور الجامعة في ظل هذا الوضع الحساس الذي تمر به المنطقة».

الدبلوماسية الهادئة

وأمام فهمي مهمة عاجلة لتقريب التباينات العربية، والتي اتسعت في السنوات الأخيرة بسبب الصراعات الدائرة في المنطقة، خصوصاً في السودان واليمن وليبيا وغزة وإيران، بما يمكّن الجامعة من اتخاذ القرارات.

وتصدر القرارات إما بالإجماع وإما بالأغلبية، وفق ميثاق الجامعة. ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بالجزائر، الدكتور حسام حمزة، أنه «في ظل الخلافات الكبيرة بين الكثير من أعضاء الجامعة، فإن فهمي لن يستطيع إرضاء الجميع، وهذا يعني أنه سيضطر إلى الاختيار بين الفاعلية والتوافق بين الأعضاء بما يحمله كل خيار من تكلفة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تنافس على النفوذ يجري خارج الجامعة؛ فالدول العربية، لا سيما الكبرى منها، طوّرت مسارات وممرات دبلوماسية خاصة تتجاوز الجامعة، كما أن هناك تناقضات مصالح حقيقية بين بعض الدول، خصوصاً في ملفات مثل ليبيا والسودان ولبنان واليمن».

ويقترح للتغلب على هذه الأوضاع «إعادة تأطير دور الجامعة من صاحبة القرار إلى منصة للتنسيق، مع تفعيل الدبلوماسية الهادئة في الملفات التي لا تُحلّ بالتصريحات، وأخيراً إعادة ترتيب العلاقة مع المنظمات الإقليمية الأفريقية والإسلامية لبناء ثقل تفاوضي عربي أكبر أمام القوى الدولية».

بناء آلية مرنة

وفور ترشيحه، أصدر فهمي بياناً وصف الإجماع على ترشيحه بأنه «مسؤولية كبيرة» بالنظر إلى «ما تواجهه الأمة من تحديات غير مسبوقة»، مؤكداً أن المنطقة تتعرض لـ«مخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».

ويرى الحربي أن الجامعة العربية «لا تملك قراراً تنفيذياً محوكماً أو مستقلاً»، مضيفاً أنه «ما دامت القرارات غير ملزمة، والإجماع شرطاً معطلاً، ستظل المؤسسة تدور في حلقة مفرغة، وتتحول عملياً إلى جامعة علاقات عامة تصدر بيانات أكثر مما تصنع سياسات».

وطالب بـ«إعادة تعريف دور الجامعة، وبناء آلية قرار عربية مرنة، واستعادة ثقة الرأي العام العربي».

ولا تعني السلاسة التي جرى بها اختيار نبيل فهمي وطموحاته الكبيرة لقيادة الجامعة العربية أن «هناك توافقاً عربياً على تعظيم دور الجامعة خلال المرحلة المقبلة»، وفق الباحث السياسي المتخصص في الشؤون العربية والدولية محمد أبو الفضل، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأداء سيكون محكوماً بحاصل جمع المواقف العربية والتباينات التي تخيم عليها».

ورجح أن تتركز أولوية فهمي على القضايا الإقليمية الجماعية، والتعامل مع تداعيات الحرب الإيرانية، وأن يعمل على تفكيك الأزمات الداخلية التي تعصف بدول مثل السودان وليبيا واليمن والصومال... وغيرها، وأن يبتعد إلى حد ما في البداية عن التباينات العربية في هذه الأزمات.


تحركات يمنية لتوحيد الدعم الأممي مع أولويات الحكومة

مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)
مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)
TT

تحركات يمنية لتوحيد الدعم الأممي مع أولويات الحكومة

مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)
مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)

استمرت الحكومة اليمنية في تحركاتها مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لتعزيز التنسيق في مجالات التنمية والصحة والاستجابة الإنسانية، في إطار مساعٍ لرفع كفاءة البرامج الدولية ومواءمتها مع الأولويات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي والخدمي.

وفي هذا السياق، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي الدكتورة أفراح الزوبة، مع المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية بالإنابة في اليمن لوران بوكيرا، آليات تفعيل التنسيق المشترك بين الحكومة ومنظومة الأمم المتحدة، بما يضمن توجيه التدخلات الدولية نحو الأولويات التنموية والإنسانية الأكثر إلحاحاً.

وتناول اللقاء الترتيبات الخاصة بإعداد إطار التعاون الأممي الجديد، إضافة إلى مراجعة برامج الوكالات الدولية العاملة في اليمن وسبل تطويرها بما يحقق نتائج أكثر استدامة للمواطنين، مع التأكيد على ضرورة أن يستند إطار التعاون المقبل إلى البرنامج الحكومي وخطط التنمية الوطنية.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزيرة الزوبة أكدت أهمية تعزيز دور المؤسسات الحكومية في تخطيط وتنفيذ ومتابعة البرامج التنموية والإنسانية، مشددة على ضرورة تطوير آليات تبادل المعلومات والبيانات بما يرفع مستوى التنسيق والتخطيط بين مختلف الجهات المعنية.

وزيرة التخطيط اليمنية أفراح الزوبة خلال لقاء وفد أممي في مدينة عدن (إعلام حكومي)

واستعرضت وزيرة التخطيط اليمنية الجهود الحكومية الجارية لإعداد خطة تنموية متوسطة المدى تمتد لثلاث سنوات، تهدف إلى تحديد أولويات التنمية والتعافي الاقتصادي، وتعزيز مواءمة التمويلات والدعم الدولي مع الاحتياجات الوطنية خلال المرحلة المقبلة.

وفي الجانب المناخي، جددت الدعوة إلى دعم إنشاء نظام وطني للإنذار المبكر بالكوارث والتغيرات المناخية، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالمناخ وتأثيراتها على المجتمعات المحلية والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

ونسب الإعلام الحكومي إلى المسؤول الأممي أنه أكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة دعم جهود الحكومة في مجالات التنمية والتعافي والاستجابة الإنسانية، والعمل على تعزيز التنسيق المشترك بما يسهم في تلبية احتياجات المواطنين وتحسين مستوى الاستقرار.

وبحسب المصادر الرسمية، اتفق الجانبان على عقد لقاء موسع خلال الفترة المقبلة يضم قيادات الوكالات الأممية والجهات الحكومية ذات العلاقة، لمناقشة أولويات التعاون المستقبلية ومتابعة إعداد إطار الأمم المتحدة للتعاون من أجل التنمية المستدامة.

تقييم أممي في تعز

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، اطلع وفد من صندوق الأمم المتحدة للسكان برئاسة نائب ممثل الصندوق مصطفى الكنزي، على مستوى الخدمات الطبية والصحية المقدمة في المستشفى اليمني - السويدي للأمومة والطفولة ومستشفى المظفر، في إطار تقييم الاحتياجات وتعزيز الدعم المقدم للقطاع الصحي.

واستمع الوفد - وفق المصادر الرسمية - إلى شرح من مسؤولي القطاع الصحي حول سير العمل في الأقسام التخصصية، خصوصاً أقسام الحاضنات وحديثي الولادة والعمليات، إضافة إلى الاحتياجات المتعلقة بتطوير الخدمات الصحية ورفع كفاءة الأداء الطبي.

يعاني اليمن تبعات صحية واسعة جراء الانقلاب الحوثي (إعلام حكومي)

وأشاد مسؤولو الصحة في تعز بالدور الذي يؤديه صندوق الأمم المتحدة للسكان في دعم خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الأم والطفل، مؤكدين أهمية استمرار الشراكة مع المنظمات الدولية لتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

كما اطلع الوفد على مستوى الأداء في مستشفى المظفر والتحديات التي تواجه العمل فيه، وسط إشادة أممية بجهود الكوادر الطبية والفنية التي تواصل تقديم خدماتها رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأكد نائب ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان استمرار دعم البرامج الصحية والإنسانية والتنموية في محافظة تعز، بما يسهم في تحسين مستوى الرعاية الصحية، وتعزيز قدرات المؤسسات الطبية المحلية.

أولويات صحية

في عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، ناقش المسؤولون مع «منظمة الصحة العالمية» ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) جملة من الملفات الصحية ذات الأولوية، في مقدمتها برامج التحصين والاستعدادات الخاصة بحملات مكافحة شلل الأطفال وتعزيز أنظمة الترصد الوبائي.

وترأس وكيل وزارة الصحة لقطاع الرعاية الصحية الأولية الدكتور علي الوليدي، اجتماعاً موسعاً ضم ممثلين عن «منظمة الصحة العالمية» و«اليونيسف»، لمراجعة مستوى تنفيذ الأنشطة الصحية المشتركة ومناقشة آليات تطوير الأداء الميداني للبرامج الصحية.

وركز الاجتماع على تعزيز إدارة اللقاحات، وتحسين التدخلات التوعوية المرتبطة بالأمراض القابلة للتمنيع، إلى جانب مناقشة أوضاع المصابين بالدفتيريا وحمى الضنك وسبل الحد من انتشار المرضين.

وأكد الوليدي أن الوزارة تولي برامج التحصين والترصد الوبائي أهمية كبيرة لحماية المجتمع من الأمراض المعدية، مشيراً إلى أن التحديات الصحية الحالية تتطلب تعزيز التعاون بين الوزارة وشركائها الدوليين لضمان استجابة أكثر فاعلية.

وذكرت المصادر الرسمية أن اللقاء مع «منظمة الصحة العالمية»، ناقش المخاوف المرتبطة بإمكانية عودة تفشي شلل الأطفال، خصوصاً في ظل محدودية المعلومات والبيانات الوبائية الواردة من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وهو ما يشكل تحدياً إضافياً أمام جهود الرصد والاستجابة الصحية.

ودعت وزارة الصحة اليمنية شركاء القطاع الصحي إلى المساهمة في توفير البيانات الوبائية الدقيقة لدعم عمليات التخطيط واتخاذ التدخلات الوقائية المناسبة، فيما أكدت «منظمة الصحة العالمية» استمرار دعمها للبرامج الصحية الوطنية، وتعزيز أنظمة التحصين والترصد الوبائي والاستجابة للأوبئة.