المشروعات الصغيرة نافذة يمنية لمواجهة الفقر والبطالة

مساعٍ رسمية بدعم سعودي... ومخاوف من تأثير الأزمات

قدّم مركز الملك سلمان للإغاثة دعماً لتدريب المهارات المهنية والتجارية في اليمن (الأمم المتحدة)
قدّم مركز الملك سلمان للإغاثة دعماً لتدريب المهارات المهنية والتجارية في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

المشروعات الصغيرة نافذة يمنية لمواجهة الفقر والبطالة

قدّم مركز الملك سلمان للإغاثة دعماً لتدريب المهارات المهنية والتجارية في اليمن (الأمم المتحدة)
قدّم مركز الملك سلمان للإغاثة دعماً لتدريب المهارات المهنية والتجارية في اليمن (الأمم المتحدة)

منذ أعوام كانت منال تذهب إلى سوق الهاشمي في مدينة عدن اليمنية (جنوب) لبيع المخبوزات المنزلية وهي منتقبة، وتضطر إلى خفض صوتها عند اقتراب أحد أبناء حارتها في السوق، أما إذا اتجه إليها مباشرة للشراء منها، فإنها تتعامل معه بالإشارة أو تحاول تغيير صوتها حتى لا يتعرف عليها.

لم تكن منال تخجل من مزاولتها هذه المهنة بحد ذاتها، وكان أبناء حارتها يعلمون أنها تبيع الخبز الذي تصنعه بمساعدة والدتها، لكنهم لا يعلمون في أي مكان تذهب لبيعه، أما سبب خجلها فلأنها تخشى تدخلاتهم إذا ما حدث خلاف بينها وأحد الزبائن أو الباعة في السوق، أو تعرضت للتحرش والمضايقة.

طفلة يمنية تبيع الخبز في إحدى أسواق مدينة عدن (إكس)

أخيراً تزوجت منال من زميلها في كلية الهندسة في جامعة عدن، الذي وفر تكاليف الزواج من عمله في بيع الخضراوات، وبعد سنوات طويلة من تخرجهما من الكلية لم تعد بهما رغبة للعمل في مجال الهندسة، وتغيرت طموحاتهما باتجاه إنشاء مشروع يحقق إيرادات أفضل، ويوفر فرص عمل لعدد من الشبان والشابات.

ومثل منال وزوجها، يتطلع كثير من الشباب اليمنيين إلى وجود سياسة رسمية توفر للمشاريع الصغيرة الاستدامة وتحسين بيئة النشوء والتطور، والحماية من الاعتداءات والتطفلات التي ترتكبها جهات خارجة عن القانون، أو من تقلبات الأسواق بفعل الأزمات السياسية المحلية والدولية أو الكوارث الطبيعية.

وكشفت نتائج استطلاع أجرته مؤسسة محلية أن 36 في المائة من السكان يتفقون على أن للمشاريع الصغيرة دورا في التنمية والدعم الاقتصادي، وأن المشاريع الصغيرة تساهم في مكافحة الفقر والبطالة.

وفي الاستطلاع الذي استهدف 70 في المائة من الذكور و30 في المائة من الإناث، من مختلف الفئات العمرية ومختلف المحافظات اليمنية، بينت الآراء أن أبرز الحلول التي ستساهم في انتشار المشاريع الصغيرة، هي القروض الميسرة وتشجيع الاستثمار، والتأهيل والتدريب.

مساعٍ حكومية بدعم سعودي

تتمثل الصعوبات التي يُعاني منها أصحاب المشاريع الصغيرة في غلاء الإيجارات والتدهور الاقتصادي وضعف دور الجهات المعنية، وعدم وجود التمويل.

وتسعى الحكومة اليمنية إلى تعزيز سُبل العيش المستدامة وخلق فرص العمل وتحسين الدخل ومعالجة ضعف أداء الأسواق التي تهم صغار المزارعين والفقراء، والكشف عن أسباب هذا الضعف، واستهداف المنتجات ذات الإمكانات القصوى لتوليد سُبل عيش أفضل وتحقيق أقصى عائد ودخل لصغار المنتجين، بدعم وتمويل سعودي.

من المتوقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليمن بنسبة 0.5 % خلال العام الحالي (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق بحثت لجنة تسيير مشروع برنامج جاهزية الوصول إلى الأسواق في قطاعات التجارة الاقتصادية الرئيسية برئاسة وزيري التخطيط والتعاون الدولي واعد باذيب، والزراعة والري والثروة السمكية سالم السقطري، خطط وأهداف المشروع الذي تبلغ تكلفته مليوني دولار، بتمويل من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن والبنك الإسلامي للتنمية.

ويتضمن المشروع تدخلات في سلاسل القيمة لتحسين الوصول إلى الأسواق، واستشارات الأعمال وبناء القدرات والدعم الفني المقدم للمؤسسات الصغيرة ومتناهية الصغر، وإنشاء منصة للتجارة الإلكترونية تربط الشركات في اليمن بالتجار في الخارج، ومراقبة الوصول إلى الأهداف وتنفيذ المخرجات المتوقعة خلال الإطار الزمني.

وجرى خلال الاجتماع الذي شارك فيه مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن حسن العطاس، وممثل البنك الإسلامي للتنمية خالد أحمد، ومدير وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر في عدن رنا أنور، ومدير المشروع ماهر خان؛ التأكيد على أهمية المشروع في دعم زيادة إنتاجية وصادرات المحاصيل النقدية القابلة للتصدير مثل العسل والبن والبصل.

وأشاد الوزير باذيب، بالدعم المتواصل المقدم من السعودية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في المجالات كافة، الذي يشمل دعم المشاريع التنموية بمبلغ 400 مليون دولار، ودعم الموازنة العامة للدولة بمبلغ مليار و200 مليون دولار، ودعم البنك الإسلامي للتنمية الشريك الرئيسي لليمن منذ أكثر من أربعة عقود في مجالات مشاريع البنية التحتية والتنمية البشرية وقطاعات الزراعة والأسماك، وجهود وكالة تنمية المشاريع الصغيرة والأصغر المنفذة لمشروع جاهزية الوصول إلى الأسواق.

فني أجهزة منزلية يمني خلال عمله في ورشته (الأمم المتحدة)

ومن جانبه نوه الوزير سالم السقطري، بأهمية المشروع في الإسهام بدعم زيادة إنتاجية وصادرات المحاصيل النقدية القابلة للتصدير مثل العسل والبن والبصل، مطالبا بالتنسيق الوثيق مع وزارتي الزراعة والري والثروة السمكية خلال تنفيذ مراحل المشروع، في حين أكد مساعد مشرف البرنامج السعودي حسن العطاس، أن مشروع جاهزية الوصول إلى الأسواق يعد من مشاريع التمكين الاقتصادي النموذجية.

مطالب بالحماية والتأهيل

يشكو مصطفى الزريقي، الذي كان يدير معملا للخياطة والملابس الجاهزة، من عدم قدرة المشاريع الصغيرة على الاستدامة بفعل الحرب وآثارها على مختلف المستويات والجوانب، فمن جهة لا توجد إمكانية لدى أصحاب هذه المشاريع للتعايش مع أعمال الجبايات والإتاوات غير القانونية أو مواجهة الاعتداءات عليها.

ومن جهة أخرى يلفت الزريقي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تراجع الحافز ومخاوف أصحاب المشاريع الصغيرة ورؤوس الأموال من الاضطرابات والتقلبات والقرارات المفاجئة، إلى جانب أن إفلاس عدد كبير من كبريات الشركات التجارية أو نقل مراكز أنشطتها خارج البلاد يؤثر من عدة أوجه على أصحاب المشاريع الصغيرة، ويقلل من خياراتهم وفرصهم.

وتسببت ممارسات الجباية والإتاوات وفرض الغرامات غير القانونية التي فرضتها جماعة الحوثي في إغلاق المعمل وتسريح عماله الذين يزيدون عن 50 فردا.

وتوقع البنك الدولي أخيرا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليمن بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الحالي بعد انتعاشه بنسبة 1.5 في المائة العام الماضي، معللا ذلك بعدد من الأحداث الاقتصادية السلبية التي أثرت على اليمن مثل توقف صادرات النفط جراء الأعمال العدائية للجماعة الحوثية، وتقلبات سعر العملة المحلية وارتفاع التضخم، وزيادة الأنشطة العدائية على القطاع الخاص.

فتيات يمنيات يتلقين تدريبات في التصنيع الغذائي (الأمم المتحدة)

ويدعو الخبير الاقتصادي عادل السامعي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى تبني الجهات الرسمية برامج لمساعدة ومراقبة نشوء المشاريع الصغيرة، خوفاً من أن يؤدي تكرار الفشل إلى انتشار اليأس والإحباط، ويشدد على ضرورة تقديم الدعم من خلال المساعدة في دراسات الجدوى الدقيقة والخطط التسويقية بعيدة المدى، وتقديم دورات تدريبية مكثفة ومجانية في هذه المجالات.

كما يطالب السامعي القطاع الخاص بتقديم المساعدات اللازمة والممكنة والتعاون مع أصحاب المشاريع الصغيرة لكون هذه المشاريع رافدا للاقتصاد الوطني بشكل عام، وعاملا مساعدا في نجاح بيئة المال والاستثمار، ولما تمثله هذه المشاريع من وساطة مهمة بين المستهلك والمنتج.

وطبقاً لرأيه؛ فإن المشاريع الصغيرة توفر على كبريات الشركات كثيرا من الوقت والمال، وتدفع عجلة الإنتاج وتزيد من معدلات التسويق، ومعالجة مشكلاته الرئيسية وتوفير المرونة الإنتاجية والتسويقية.


مقالات ذات صلة

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العالم العربي ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

شهد عيد الأضحى في مناطق سيطرة الحوثيين وقائع انفلات أمني كشفت عن فشل الجماعة بتطويع المجتمع لها، كما أقدمت على ملاحقة المشاركين في صلاة الغائب على الرئيس هادي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من الاجتماع المرئي بين مركز الملك سلمان ومفوضية اللاجئين (مكتب مفوضية اللاجئين بالرياض)

مركز الملك سلمان ومفوضية اللاجئين يوقِّعان اتفاقية لتعزيز الحماية والرعاية الصحية باليمن

وقَّعت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، اتفاقية بقيمة 3.1 مليون دولار، لحماية اليمنيين.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
العالم العربي يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

إطلاق مركز «عناوين» للبحوث ودراسة التحولات كمؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في تحليل المتغيرات اليمنية والإقليمية عبر الدراسات وقواعد البيانات والأدوات الرقمية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي فرق صحية توفر الرعاية للأسر اليمنية في مخيمات النزوح (الأمم المتحدة)

السعودية تعزز جهود الاستجابة الصحية في اليمن

كثّفت السعودية دعمها للقطاع الصحي اليمني عبر فرق متنقلة وإمدادات طبية وبرامج تدريب وتأهب للأوبئة، بما يعزز الخدمات الصحية ويحمي الفئات الأكثر ضعفاً

محمد ناصر (عدن)
الخليج مشروع «مسام» يهدف الحد من مخاطر الألغام ومخلفات الحرب وتأمين المناطق السكنية والطرق والمرافق الحيوية (واس)

«مسام» ينتزع 1609 ألغام وذخائر غير منفجرة في اليمن خلال أسبوع

أعلن مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، التابع لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، انتزاع 1609 ألغام وذخائر غير منفجرة من مناطق يمنية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)

تعرقل «تحفظات مصرية» استقبال القاهرة عدداً من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية، حسب مصدر مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «اعتراضات على بعض أفراد البعثة»، تشمل امتناع وزارة الخارجية المصرية عن قبول ترشيح سوريا سفيرها الجديد في القاهرة.

وأوضح المصدر القريب من ملف العلاقات بين البلدين، أنه «بعد الاستقرار السياسي النسبي في سوريا منتصف العام الماضي، بدأت الحكومة السورية التفكير في مسألة التمثيل الدبلوماسي لدى الدول المهمة، ومن بينها مصر، وبالفعل أرسلت خطاباً إلى مصر بترشيح محمد طه الأحمد سفيراً لها في القاهرة».

ووفق المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، فإن «الأحمد هو من اقترح على وزير الخارجية السوري تسميته سفيراً لدى مصر، باعتبار أنه درس في جامعة القاهرة». وأضاف: «الحكومة المصرية حتى الآن لم تبلغ نظيرتها السورية بعدم الموافقة صراحة، لكنها أرسلت رسائل غير رسمية بأنها لا تقبل به لأنه شخص غير مناسب بسبب خلفياته السياسية. لكن الحكومة السورية أصرت عليه، وهو ما عطل كثيراً من الأمور المتعلقة بوضع البعثة الدبلوماسية السورية في مصر».

وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لمصر مطلع مايو (أيار) الماضي، رافق الأحمد الوزير، وكانت مسندة إليه الملفات التي ستناقشها الزيارة، «كأنه أمر واقع وأصبح سفيراً في القاهرة، مما عقّد الأمور أكثر»، حسب المصدر.

أسعد الشيباني خلال زيارته الأولى لمصر وعلى يساره محمد طه الأحمد (الخارجية السورية)

وأشار المصدر إلى أن «تسمية أعضاء البعثة الدبلوماسية والقائمين بالأعمال لا تستوجب موافقة الدولة المضيفة، بخلاف الحال بالنسبة إلى السفراء، لكن مصر أيضاً لم تصدر تأشيرات لمعظم أعضاء الوفد الدبلوماسي السوري حتى الآن، من دون إبداء أسباب».

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من وزارة الخارجية المصرية، وكذلك نظيرتها السورية، لكن لم يتسن ذلك.

ويتولى محمد طه الأحمد حالياً منصب مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية. وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة الزراعية من جامعة حلب عام 2007، ودرجة الماجستير في التقييم المالي والاقتصادي للمشروعات الزراعية من جامعة القاهرة عام 2012، والدكتوراه في التنمية الزراعية من جامعة إدلب عام 2020. وشغل مناصب وزارية عدة في حكومة الإنقاذ، قبل أن يوكل إليه في مايو 2025 منصبه الحالي بوزارة الخارجية، وفي الشهر التالي تولى رئاسة لجنة انتخابات مجلس الشعب.

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة، بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع، على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في القاهرة، طارق فهمي، أن «مسألة اعتماد السفراء والبعثات الدبلوماسية ترتبط بقرار سيادي للدولة المستضيفة، وبالتالي حينما يتم ترشيح اسم لمصر، فهناك عمليات تدقيق ومراجعة تسبق الاعتماد».

زيارة الشيباني لمصر شملت مباحثات موسَّعة مع نظيره المصري حول تعزيز العلاقات (الخارجية السورية)

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمور بين القاهرة ودمشق لم تصل إلى حد الأزمة، والعلاقات المصرية - السورية ماضية في طريق التوطيد، لكن البعد الاقتصادي فيها يسبق البعد السياسي والدبلوماسي، وهذا ظاهر جلياً من حركة وسرعة تبادل زيارات الوفود الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والاتفاقات البينية».

وأضاف: «ربما يقود هذا المسار إلى حلحلة أي خلاف سياسي، خصوصاً إذا عملت دمشق على تغيير اسم السفير الذي تتحفظ عليه مصر، فضلاً عن أن مصر حريصة على أن تعود العلاقات بين البلدين قوية، وتقدر ما تسعى إليه دمشق من إصلاحات في هذا السياق».

وزار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق بداية عام 2026، الأمر الذي دفع مراقبين إلى القول إنه سيشكل نقطة بداية في العلاقات الاقتصادية السورية - المصرية.

وقال رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر» تيسير النجار، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تفاؤل باستعادة العلاقات المصرية - السورية بعد زيارة الشيباني لمصر مع الوفد الاقتصادي الكبير، والتي كان من نتيجتها إعلان مجلس رجال الأعمال السوري - المصري، لكن ما حدث بعد ذلك يوضح عدم رضا الحكومة المصرية عن أمر ما».

وتابع أن «السلطات المصرية تعمل خلال هذه الفترة على المراجعة القانونية لوضع السوريين الموجودين على أراضيها للتأكد من الالتزام بشروط الإقامة».


دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
TT

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)

كشف عدد من حوادث العنف والاغتيالات، خلال فترة عيد الأضحى، في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، عن اتساع مظاهر الانفلات الأمني وفشل أدوات السلطة في تطبيع حضورها في أوساط المجتمع، وعجزها عن محاسبة أصحاب النفوذ، إلى جانب إهمال وسائل حماية السلامة العامة للسكان.

فبينما كان سكان مناطق سيطرة الجماعة يحاولون الاستمتاع بأيام العيد، وقعت سلسلة من الحوادث الأمنية والجنائية والانتهاكات التي عكست تصاعداً ملحوظاً في معدلات العنف والانفلات الأمني، بدءاً من اغتيال شخصيات قبلية بارزة، مروراً بجرائم قتل ارتكبها عناصر ومشرفون تابعون للجماعة، وصولاً إلى حملات اعتقال طالت مدنيين على خلفية مواقف ذات طابع سياسي.

وقُتل الشيخ علي بن حسين الحازمي، أحد أبرز الزعماء القبليين في محافظة الجوف، في كمين مسلح على خط المطار شمال العاصمة المختطفة صنعاء.

ووفق مصادر محلية، فإن العملية نُفذت بطريقة احترافية بعد مراقبة تحركاته واستخدام مركبة تابعة للنظافة العامة للتمويه، ما دفع أهالي الجوف وأقارب الشيخ القتيل إلى اتهام الجماعة الحوثية بالوقوف خلف الحادثة، في حين سادت المخاوف من تصاعد عمليات استهداف الشخصيات القبلية بسبب خلافاتها مع قادة الجماعة ومراكز النفوذ.

أجهزة أمن الحوثيين فشلت في إقناع السكان بدورهم في توفير الحماية لهم (غيتي)

ويرى مراقبون أن اغتيال الحازمي لا يمكن فصله عن سلسلة حوادث مشابهة استهدفت خلال الأشهر الماضية عدداً من مشايخ ووجهاء محافظة الجوف، في ظل توترات متصاعدة بين الجماعة ومكونات قبلية محلية.

عجز أمني

في محافظة الحديدة (غرب اليمن) كشفت حادثة مقتل أحد المشرفين الحوثيين على يد شقيقه عن جانب آخر من الأزمة الأمنية؛ إذ جاءت الواقعة بعد شكاوى متكررة من اعتداءات المشرف على أفراد أسرته، وسط اتهامات للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة بالتقاعس عن التدخل بسبب نفوذه.

وبحسب مصادر محلية في الحديدة، فإن والدة المشرف الحوثي القتيل تقدمت بشكاوى متعددة للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة، تطالبها بوقف اعتداءاته عليها وعلى شقيقته، إلا أن نفوذه حال دون اتخاذ أي إجراء ضده، ما دفع شقيقه إلى تحذير المسؤولين الأمنيين الحوثيين من مغبة تجاهل تلك الشكاوى.

ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

وذكرت المصادر أن سكان الحي الذي يسكن فيه المشرف لم يأسفوا للمصير الذي لاقاه على يد شقيقه، وخصوصاً أن ممارساته البلطجية، كما يصفونها، كانت تطولهم جميعاً.

وواصلت محافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) حضورها اللافت في مشهد الانفلات الأمني، حيث جسّد عدد من الحوادث التي شهدتها خلال أيام العيد نموذجاً واضحاً لتصاعد الجريمة والعنف؛ إذ وقعت عدة جرائم واشتباكات بالأسلحة في بعض مديرياتها أسفرت عن سقوط عشرة أشخاص بين قتيل وجريح.

وشملت الحوادث مواجهات بين مسلحين وحملات أمنية حوثية، وجرائم قتل على خلفيات مالية واجتماعية، إضافة إلى حوادث ارتبطت بفرض جبايات على بعض الأنشطة التجارية.

وطبقاً لمصادر محلية في مركز المحافظة، فإن خمسة قتلى وجرحى سقطوا في منطقة المعاين غرب مدينة إبّ، إثر اشتباكات بين مسلح وحملة حوثية حاولت القبض عليه، ما أدى لمقتل قيادي حوثي يعمل في إدارة أمن مديرية الظهار، وإصابة ثلاثة آخرين قبل أن تتمكن الحملة من قتل المسلح.

العنف يطغى على العلاقة بين الحوثيين والمجتمع (أ.ب)

وقُتل شاب وأصيب آخر، في مديرية مذيخرة، برصاص مسلح حوثي حاول أن يفرض جبايات على تجارة نبتة «القات» على الضحيتين. وفي نسخة مكررة من هذه الواقعة في مديرية السبرة، قُتل شاب وأصيب آخر برصاص مسلح حوثي أيضاً، في حين كانت مديرية السياني مسرحاً لجريمة قتل شاب على يد شقيقه.

وفي مديرية ذي السفال، أقدم مسلح حوثي على قتل شاب حديث الزواج، حاول بناء كوخ لإيوائه مع زوجته في أرض ادعى المسلح أنها تابعة له.

خصومة مع رمزية هادي

في اتجاه آخر، نفذت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات وملاحقات في مديرية الظهار بالمحافظة، استهدفت بها سكاناً أقاموا «صلاة الغائب» على الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي الذي أُعلنت وفاته ثاني أيام عيد الأضحى، وشملت الحملة مداهمة منازل وملاحقة مشاركين في الصلاة.

وتقول المصادر إن الجماعة طوقت عدداً من المنازل، وشرعت في ملاحقة المصلين وأئمة المساجد، ما اضطر عدد كبير منهم إلى الهروب والتخفي لدى أقاربهم وأصدقائهم في مناطق وقرى أخرى، في حين استمرت عمليات المداهمة والملاحقة حتى ساعات متأخرة من ليل رابع أيام العيد.

اتهامات للحوثيين بالتسبب في الحوادث المرورية وتهديد السلامة العامة للسكان (فيسبوك)

وفي مؤشر على تراجع الرقابة العامة وحماية السلامة الشخصية للسكان، تم تسجيل 353 حادثاً مرورياً في مناطق سيطرة الحوثيين خلال إجازة العيد، نتج عنها وفاة 49 شخصاً وإصابة 485 آخرين بجروح متفاوتة.

وبحسب مصادر محلية، فإن أسباب الزيادة الكبيرة في حوادث المرور تعود إلى الطرق المتهالكة والمركبات غير المطابقة للسلامة، والتي لا تحصل على صيانة تضمن سلامة التنقل عليها، إلى جانب مخالفات القواعد المرورية، والسرعة الزائدة، والتجاوزات الخطرة، والانشغال بالهواتف أثناء القيادة.

ويتهم السكان الجماعة الحوثية بإهمال صيانة الطرق وتنظيم المرور ورصد المخالفات المرورية، ما أدى إلى المزيد من العشوائية والمخالفات التي تتسبب في زيادة الحوادث الخطيرة، خصوصاً في مناسبات الأعياد التي تتزايد فيها حركة التنقل بين المدن والأرياف.


«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

أعلن مركز «عناوين للبحوث ودراسة التحولات» ومقره في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تدشين نشاطه بوصفه مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في دراسة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية في اليمن والمنطقة العربية، في خطوة تستهدف الإسهام في إنتاج المعرفة وتقديم قراءات معمقة للمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وقال المركز في بيان الإشهار، إن تأسيسه يأتي استجابةً للحاجة المتزايدة إلى مؤسسات بحثية قادرة على متابعة التحولات المتشابكة وتحليلها في سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية، في ظل مرحلة تتسم بدرجة عالية من التعقيد نتيجة تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتنامي تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين في مسارات الأحداث.

ووفقاً للرؤية المعلنة، يسعى المركز إلى أن يكون مرجعاً بحثياً متخصصاً في دراسة التحولات وصناعة المعرفة في المنطقة العربية، من خلال إنتاج دراسات وأبحاث نوعية توفر أدوات تحليلية تساعد الباحثين وصناع القرار والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام على فهم الاتجاهات المتغيرة واستشراف مساراتها المستقبلية.

مركز يمني وليد يُعنى بالبحوث ودراسة التحولات (إكس)

وأوضح المركز أن نشاطه لن يقتصر على إعداد الدراسات والتقارير، بل سيمتد إلى بناء قواعد بيانات ومؤشرات تحليلية متخصصة تساعد على قراءة الاتجاهات العامة، وتعزيز الحوار البحثي والأكاديمي، وتقديم الاستشارات والدعم المعرفي للجهات والمؤسسات المهتمة بالشأن اليمني والإقليمي.

ويغطي المركز عدداً من المجالات البحثية الرئيسية، تشمل التحولات السياسية ومسارات الدولة والحوكمة، والتحولات الاقتصادية والسياسات التنموية، والمتغيرات الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن قضايا الأمن والنزاعات والتفاعلات الإقليمية والدولية.

وبالتزامن مع تدشين نشاطه، أطلق المركز منظومة من المنصات والأدوات الرقمية المساندة الموجهة إلى الباحثين والصحافيين وصناع القرار، تضم منصات للرصد والتحليل والتحقق والأرشفة، وقواعد بيانات متخصصة، ومؤشرات قابلة للتحديث، إضافةً إلى خرائط تحليلية للنزاعات والتحولات وأدوات لمتابعة المخاطر والاتجاهات.

ويقول القائمون على المركز إن هذه المنظومة تستهدف تحويل البيانات المتفرقة إلى معرفة منظمة تساعد على تتبع التطورات وفهم السياقات واستشراف السيناريوهات المحتملة، بما يعزز من جودة التحليل ويزيد من كفاءة الوصول إلى المعلومات.

مؤسسة متكاملة

في هذا السياق، قال صالح البيضاني، رئيس ومؤسس مركز «عناوين»، إن المركز ينطلق من قناعة بأن فهم التحولات يمثل المدخل الأساسي لبناء معرفة رصينة وفاعلة، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إنشاء مرجع بحثي جاد يسهم في قراءة التحولات المعقدة التي يشهدها اليمن والمنطقة وتقديم أدوات تحليلية تساعد على فهم الواقع واستشراف المسارات الممكنة.

وأضاف البيضاني الذي يشغل منصب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض، أن المركز يضم نخبة من الباحثين اليمنيين الشباب إلى جانب خبرات بحثية وإعلامية متخصصة تعمل وفق منهجية تجمع بين البحث والرصد والتحليل والتحقق، وبناء قواعد البيانات، وتطوير المنصات الرقمية الحديثة.

وأكد البيضاني، وهو أيضاً رئيس دار النشر اليمنية «عناوين بوكس»، أن المركز لا يطمح إلى أن يكون مجرد منصة لنشر المقالات أو التقارير فقط، بل ليكون مؤسسة معرفية متكاملة توظف الأدوات الرقمية الحديثة إلى جانب التحليل الاستراتيجي والخبرة الميدانية، بما يمكِّنها من مواكبة التحولات المتسارعة وتقديم قراءات أعمق للأحداث.

وشدد المركز الوليد على التزامه بالمعايير المهنية والبحثية، وسعيه إلى بناء شراكات معرفية مع الباحثين والخبراء والمؤسسات ذات الصلة، بما يسهم في تعزيز النقاش العام وتوسيع دائرة المعرفة وتقديم مقاربات أكثر عمقاً لقضايا اليمن والمنطقة العربية.

Your Premium trial has ended