جبهة مدنية سودانية لوقف الحرب برئاسة حمدوك

كلفت حمدوك رئاسة هيئتها التنسيقية

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)
رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)
TT

جبهة مدنية سودانية لوقف الحرب برئاسة حمدوك

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)
رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك في أديس أبابا، السبت، خلال الاجتماعات التحضيرية لتأسيس «الجبهة المدنية» (المكتب الإعلامي للجبهة)

اختتمت القوى السياسية والمدنية السودانية، التي اجتمعت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا منذ الاثنين الماضي، أعمالها بالاتفاق على هيكل تنظيمي، يشمل هيئة قيادية لـ«تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (اختصاراً «تقدم»)، برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، تتكون من ممثلين لقوى سياسية ومدنية ولجان مقاومة ونقابات وأجسام مهنية، إلى جانب مكتب تنفيذي تنسيقي من 30 عضواً، مهمته التحضير للاجتماع التأسيسي للتنسيقية. واجتمع في أديس أبابا زهاء مائة شخص يمثلون قوى سياسية ومدنية ونقابية وعسكرية ولجان وشخصيات عامة، بهدف توحيد القوى التي تطالب باستعادة الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد، وتوافقوا خلال اجتماعاتهم التي بدأت الاثنين الماضي، على ورقة سياسية، وأخرى اقتصادية، وثالثة إنسانية، ورابعة إعلامية، تهدف جميعها لتعبيد المسار لوقف الحرب؛ في خطوة أولى.

حمدوك يشيد بـ«الروح الوطنية» للمجتمعين

وناشد الدكتور عبد الله حمدوك، في تصريح صحافي أعقب الاجتماع، أطراف النزاع تسهيل وصول العون الإنساني وإجراءات وصول العاملين في الحقل الإنساني إلى المحتاجين، كما طالب القوى المدنية التي تسعى لوقف الحرب بالتوحد، بقوله: «أتوجه بنداء صادق إلى كل القوى المدنية والديمقراطية التي تسعى لوقف الحرب، بضرورة توحيد الجهود للوصول لوحدة مدنية عريضة لوقف الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية الملحة، وتحقيق السلام الشامل».

حقائق

100 سوداني

يمثلون قوى سياسية ومدنية ونقابية وعسكرية ولجان وشخصيات عامة اجتمعوا في أديس أبابا

ووصف حمدوك توافق المجتمعين على مسودات ورؤى سياسية وتنظيمية وإنسانية تمهيداً لعرضها على المؤتمر التأسيسي المقبل، بأنه «تحلٍّ بالروح الوطنية»، أدى إلى تأسيس هيئة قيادة ومكتب تنفيذي. وتابع: «الاجتماع التحضيري كان خطوة أولى وبداية لعملية نأمل أن تنسق وتوحد الموقف المدني الديمقراطي المناهض للحرب». وأكد رئيس الوزراء السابق دعمه توصيات الاجتماع وبيانه الختامي، بوصفه خطوة أولى، وأبدى استعداده لرئاسة هيئته القيادية وصولاً إلى المؤتمر التأسيسي، ووجه رسالة شكر لدول الجوار والمجتمعين الإقليمي والدولي لمساندتهم الشعب السوداني في محنته، وناشدهم دعم جهود وقف الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية، وخص بالشكر جهود المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأفريقي من أجل وقف الحرب، بقوله: «أرحب بانطلاق جولة مباحثات جدة، ووصول وفدي الطرفين للمشاركة فيها، وأدعوهما للتحلي بالإرادة السياسية لحل يوقف إطلاق النار، ويعالج الكارثة الإنسانية، وينقذ بلادنا الحبيبة من مخاطر الانقسام».

محاور وورشات عمل

وقالت القوى المدنية في بيانها الختامي، الخميس، إنها نجحت في إجراء مناقشات عميقة بين المشاركين في المحاور السياسية والاقتصادية والعمل الإنساني والمحور الإعلامي، وأقرت تنظيم ورشات عمل مختصة تتقدم بتوصيات من أجل تطوير الموقف التفاوضي المدني، والإصلاح الأمني والعسكري والعدالة الانتقالية، وإعادة البناء المؤسسي لأجهزة الدولة، والسلام ورتق النسيج الاجتماعي ومحاربة خطاب الكراهية، فضلاً عن صناعة دستور دائم، ووضع برنامج اقتصادي لإعادة إعمار البلاد، وبحث قضايا الولايات والحكم المحلي. وأقر الاجتماع ورقة باسم «الموجهات العامة للعملية التفاوضية لوقف الحرب وإعادة تأسيس الدولة السودانية»، بوصفها مسودة تفاوضية تعبر عن وجهة نظر التحالف المدني، إلى جانب أسس ومبادئ إنهاء الحرب وتأسيس الدولة السودانية، وعلى رأسها التصورات السياسية التي تسهم في المحافظة على وحدة السودان.

كما شدد المجتمعون على أهمية التصدي للكارثة الإنسانية الناجمة عن الحرب، مشددين على أن «هذا واجب اللحظة الذي لا يحتمل التأجيل؛ إذ يوجد في السودان ما لا يقل عن 20 مليون شخص بحاجة إلى الغوث الإنساني، في ظل فراغ سياسي وإداري واستشراء للفساد، أدى إلى عدم وصول الإغاثة لمستحقيها». ودعا الاجتماع إلى وقف لإطلاق النار يتيح فتح ممرات آمنة للإغاثة ورقابة دولية، واعتماد طرق جديدة لإيصالات المعونات لمستحقيها. وناشد المجتمعون كلاً من الجيش وقوات «الدعم السريع» تسهيل مرور المواد الإغاثية؛ كلاً في مناطق سيطرته.

دعم «منبر جدة» التفاوضي

ودعا المشاركون القوى الرافضة استمرار الحرب والمؤيدة الانتقال المدني الديمقراطي، والتنظيمات المدنية والسياسية وقوى «ثورة ديسمبر»، إلى الإسهام في بناء أوسع جبهة مدنية ممكنة للوقوف ضد الحرب واستعادة الديمقراطية. ورحبت اللجنة التحضيرية باستئناف المفاوضات بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، وقالت: «نرحب باستئناف (منبر جدة) التفاوضي، ونتقدم بالشكر لكل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية؛ الدولتين الراعيتين للمنبر، وكل مبادرات إيقاف الحرب الإقليمية كمبادرة الـ(إيغاد) والاتحاد الأفريقي ودول الجوار»، ودعت لتوحيدها في «منبر جدة» التفاوضي، كما دعت طرفي النزاع إلى التحلي بالمسؤولية والجدية لإيقاف الحرب التي «لا منتصر فيها»؛ وفق البيان الختامي.

ووصف البيان الختامي الاجتماع بأنه «توافق تاريخي غير مشهود»، وقال إن المشاركين أجمعوا على المضي قدماً لعقد المؤتمر التأسيسي لـ«تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)»، من أجل وقف الحرب واستعادة الديمقراطية في البلاد، وفقاً لهيكل تنظيمي مرن، للإيفاء بجملة من المهام الضاغطة بسبب الحرب وإفرازاتها، وعلى رأسها الإغاثة الإنسانية العاجلة لضحايا الحرب، «تاركين الباب مشرعاً، لمشاركة كل من يرغب من قوى (ثورة ديسمبر/ كانون الأول) المنتصرة، ومن دعاة السلام المناهضين لـ(حرب الخامس عشر من أبريل/ نيسان)، في التحضير للمؤتمر المزمع وإنجاحه».

من جهته، قال عضو لجنة الاتصال، المقدم المتقاعد الطيب المالكابي، لـ«الشرق الأوسط» عقب الاجتماع، إن أهم نجاحات المؤتمر هو خلق تحالف مختلف عن التحالفات السابقة جميعها. وتابع: «لأول مرة يكون تمثيل القوى المدنية بنسبة أكبر من 70 في المائة، استجابة لمناداة عدد كبير من السودانيين، وذلك لتعزيز الثقة وليس تقليلاً من دور القوى السياسية، وأن الخطوة جاءت بمبادرة من القوى السياسية استناداً إلى إحساسها الوطني». وأوضح أن الطلب من الشخصيات القومية أن تكون جزءاً من الاجتماعات، وعلى رأسها الدكتور عبد الله حمدوك، «يكشف عن حس وطني حقيقي». وتابع: «كل الأوراق التي أجيزت مكتوب عليها مسودات، بمعنى أننا ننتظر أوراقاً وأفكاراً تأتي لتكمل أفكارنا، وحتى الهياكل التي تم تكوينها هي هياكل مؤقتة».

 

ووجهت وزيرة الحكم الاتحادي السابقة، بثينة دينار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، رسائل عدة للشعب السوداني، قالت فيها: «إن كل الذين شاركوا في الاجتماعات قوى مدنية وسياسية ولجان مقاومة وعسكريون متقاعدون وإدارات أهلية ومهنيون وشخصيات وطنية، لا يمثلون كل الشعب السوداني»، وحثت قوى «ثورة ديسمبر» جميعاً على الالتفاف حول مطلب «وقف الحرب وشعارات (ثورة ديسمبر) ورفع شعار: لا للحرب».

نحو جبهة مدنية واسعة

وقال رئيس «حزب البعث» السوداني، كمال بولاد، إن اجتماعات أديس أبابا خطوة مهمة في توحيد القوى المدنية، وتفتح المجال أمام مشاركة غير المشاركين، «ليكون هناك صوت واحد للقوى المدنية مقابل البندقية والحرب اللعينة في بلادنا». وتابع: «هذه بداية جادة لإيقاف الحرب، والانتقال المدني والتداول السلمي للسلطة». وقال الأمين العام لـ«حزب الأمة القومي»، الواثق البرير، إن الاجتماع كان «مثمراً وإيجابياً»، وإنه وضع الأسس لجبهة مدنية واسعة تمثل الشعب بمختلف مكوناته. وتابع: «اتفقنا على تمثيل هذه المكونات جميعها في المؤتمر العامل الذي ينتظر عقده في الأسابيع المقبلة». وقال السفير السابق نور الدين ساتي إنه كان هناك كثير من التخوف من فشل الاجتماع، لكنه أضاف: «أنا راضٍ تماماً عن هذا الاجتماع، وهو خطوة أولى مهمة وإيجابية في طريق توحيد القوى المدنية»، مناشداً الشعب السوداني «الالتفاف حول منظماته وأحزابه للخروج من المأزق الكبير الذي دخلنا فيه» بسبب الحرب.


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف الأربعاء (واس)

السعودية: لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية والميليشيات

شدّدت السعودية، الأربعاء، «أنه لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية ومجلس السيادة وبين ميليشيات ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.