إيجارات المساكن تتصاعد... الغلاء يهدد ما تبقى من طمأنينة اليمنيين

تواطؤ حوثي مع الملاك وضغوط جراء تدفق النازحين

اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)
اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)
TT

إيجارات المساكن تتصاعد... الغلاء يهدد ما تبقى من طمأنينة اليمنيين

اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)
اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)

نهاية كل شهر يضطر نديم محمد وزوجته لبيع أحد أغراضهما لسداد إيجار المنزل الذي يسكنونه في العاصمة صنعاء، ويخشيان أن يأتي اليوم الذي لا يجدان ما يبيعانه، فالزوجة تخلت عن أغلب حليها وهدايا زواجها، ولم يتبقَّ من أثاث المنزل سوى ما تنام عليه العائلة.

تسكن عائلة نديم، المكونة منه ومن زوجته وثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم العاشرة، منزلا يوصف بالشعبي، (غير مسلح بالخرسانة) في حي السنينة غربي العاصمة صنعاء، ويبلغ إيجاره 55 ألف ريال يمني (نحو 110 دولارات)، وبين الحين والحين يأتي المالك للمطالبة بزيادة، غير أنه يضطر لتأجيل الأمر في انتظار أن يتحسن دخل نديم.

لم يؤدِّ التوسع العمراني الناتج عن اقتصاد الحرب في صنعاء إلى تراجع الإيجارات (إكس)

يعمل نديم منذ عدة أعوام في عدة أشغال بالأجر اليومي بعد أن توقف راتبه وراتب زوجته منذ سبع سنوات، حيث كانا يعملان في وظيفتين عموميتين، غير أن أجره اليومي لا يكفي إلا لمتطلبات المعيشة ومصاريف دراسة الأطفال، أما الإيجار فلا يستطيع الوفاء به إلا بالتنازل عن بعض الممتلكات.

أزمة ومضاربات

يعاني السكان في العاصمة صنعاء وعموم المدن اليمنية من أزمة سكنية ومضاربة في أسعار الإيجارات مصحوبة بانقطاع رواتب الموظفين العموميين واتساع رقعة البطالة وتدهور العملة المحلية. وفي صنعاء تقدر نسبة من يعيشون في مساكن بالإيجار بـ 75 في المائة، وفقا لإحصاءات غير رسمية.

وبرغم التوسع العمراني الذي تشهده المدينة، وهو التوسع الذي صنعته أموال اقتصاد الحرب، وفقاً للباحث اليمني أنيس مانع، فإن الزيادة المهولة في أعداد البنايات في مختلف أرجاء المدينة لم تساهم في تخفيف أزمة السكن، لأن هذه البنايات صممت وأعدت للأثرياء، ويتم تأجيرها بمبالغ خيالية لا يقدر عليها غالبية السكان، أو تترك خاوية.

ويتهم مانع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الانقلابيين الحوثيين بعدم الجدية في مزاعمهم إنصاف المستأجرين وحمايتهم من ملاك العقارات والمؤجرين، حيث أجروا تعديلات على قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، والتي بموجبها يُمنع زيادة الإيجارات أو طرد المستأجر ما دام يدفع الإيجار بانتظام، إلا أن هذا لا يجري تنفيذه إلا في نطاق محدود، بينما يجري الالتفاف عليه غالبا.

عائلة يمنية مشردة في الشارع بعد سنوات من توقف راتب عائلها (إكس)

ويفسر مانع هذا الالتفاف بأن غالبية ملاك العقارات والبنايات السكنية يملكون نفوذا وحظوة لدى جهات الضبط التابعة للانقلابيين، في حين يجهل الكثير من المستأجرين مواد القانون، أو لا يثقون في إنصافهم حال التقدم بشكوى، ما قد يعود عليهم بإساءة المعاملة من طرف المؤجرين أو اللجوء لطردهم.

غلاء برغم هروب السكان

يتبع ملاك المساكن حيلاً كثيرة لطرد المستأجرين، فقد يزعمون أنهم بصدد بيع المنازل أو الحاجة لها لإسكان عائلات أبنائهم أو أقاربهم أو الرغبة في ترميمها وتجديدها، كما أنهم يؤجرون منازلهم من دون عقود مكتوبة، وإذا ما تم التأجير بعقد مكتوب يتم التجديد بعد انتهاء المدة الإيجارية دون عقد.

ويضيف مانع أن أزمة السكن في صنعاء تفاقمت منذ وصول نازحي الحديدة، وأصبح الحصول على شقة من غرفتين أشبه بالمستحيل، ما يجعل المستأجر أمام خيارات صعبة، ويستغل غالبية الملاك الوضع لطلب إيجار عام كامل أو ستة أشهر مقدما، إلى جانب مبلغ الضمان الذي يساوي إيجار شهر على الأقل وتكليف المستأجر بدفع أجور السماسرة.

تضطر عائلات يمنية إلى السكن في دكاكين الحارات الصغيرة المهجورة (إكس)

وتعاني مدينة الحديدة من نقص كبير في الخدمات، ويعد انقطاع الكهرباء وشحة المياه من أشد مظاهر معاناة السكان فيها، ولكونها تقع على الساحل الغربي للبلاد المعروف بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى مستويات كبيرة، فإن نقص الكهرباء والمياه يجعل الحياة أكثر صعوبة فيها من غيرها من المدن.

ويقول عبد الله الوتيري إن الحديدة أصبحت طاردة للسكان منذ عام 2015، وتحديداً عندما انقطعت الكهرباء عن عموم البلاد بفعل الحرب الحوثية، وكانت الحديدة من أكثر المدن تأثراً بذلك، وبرغم أن الحرب لم تصل إليها إلا بعد ثلاثة أعوام، فإن النزوح منها بدأ في أول صيف انقطعت فيه الكهرباء.

وبحسب الوتيري، وهو موظف عمومي، عاد الكثير من سكان الحديدة إلى الأرياف التي كانوا قدموا منها، والكثير منهم اضطر إلى إخلاء مسكنه وبيع أثاثه، وتفاقم الأمر أكثر في صيف عام 2018 عندما اقتربت القوات المؤيدة للحكومة الشرعية من المدينة وتمكنت من تحرير الضواحي والأجزاء الجنوبية والشرقية منها.

وأجبرت المواجهات العسكرية والإجراءات الحوثية المتمثلة باتخاذ السكان دروعا بشرية، غالبية الأهالي على النزوح باتجاه محافظات مجاورة أو بعيدة، حيث نزح عشرات الآلاف باتجاه محافظات حجة وصنعاء وإب، بينما اتجه كثيرون إلى محافظات تعز وعدن، وتسبب هؤلاء النازحون في ارتفاع الإيجارات في المحافظات التي وصلوا إليها.

وقفة في مدينة تعز اليمنية احتجاجاً على غلاء إيجارات المساكن (إكس)

وبرغم ذلك، يؤكد الناشط الاجتماعي عبد الرحيم رامي أن الحديدة هي الأخرى شهدت ارتفاعاً تصل نسبته في بعض الأحيان إلى أكثر من 100 في المائة، لكن الزيادات الكبيرة تحدث عند استئجار سكن جديد، في حين لم يتمكن ملاك المساكن من فرض زيادات كبيرة على المستأجرين الذين فضلوا البقاء وعدم الانتقال.

انهيار قيم الريف

يقارن رامي، وهو ناشط اجتماعي، بين الإيجارات في صنعاء المزدحمة والحديدة التي نزح الكثير من سكانها بسبب نقص الخدمات وظروف المعيشة، مفيداً بأن الأخيرة تعد أغلى من حيث الإيجارات، وهو ما يصفه بالظلم الواقع على سكان الحديدة الذين، إلى جانب افتقارهم الشديد للخدمات الملحة، يعانون من قلة مصادر الدخل وانتشار البطالة أكثر من صنعاء.

ويقع متوسط إيجار الشقق في الحديدة ما بين 50 و70 ألف ريال، وهو متوسط مقارب لمتوسط الإيجارات في صنعاء.

أما مدينة إب (193 كيلومترا جنوب صنعاء) فقد استقبلت منذ بداية الحرب نازحين من مدينة تعز التي حاصرها الانقلابيون الحوثيون، كما استقبلت في صيف 2018 نازحين من مدينة الحديدة بسبب المعارك العسكرية فيها، لترتفع الإيجارات فيها بشكل غير مسبوق، برغم كونها مدينة ذات طابع ريفي زراعي.

عائلة يمنية تتخذ من فصول مدرسة في مدينة عدن سكناً لها (الأمم المتحدة)

وشهدت إب ارتفاعاً مهولاً في الإيجارات، وصل إلى ما يعادل 200 في المائة، بحسب ما ذكره فؤاد ثابت الذي يرى أن هذا الارتفاع المهول لا يعود سببه إلى النزوح فقط، بل وإلى ممارسات ميليشيات الحوثي التي استهدفت مدينة إب بأعمال النهب والجبايات.

ويذهب ثابت، وهو اسم مستعار لمهندس وناشط سياسي، إلى أن الميليشيات تسببت في خوف أهالي المحافظة من الفقر والفاقة ومن ضياع ممتلكاتهم وثرواتهم، ما أدى بهم إلى محاولة الكسب السريع دون اعتبار لأضرار ذلك على قيم الترابط والتكافل في مجتمع ريفي زراعي.

ويشير إلى أن عوامل مثل غلاء المعيشة ونهب الأراضي والعقارات وانتشار الجريمة وتكوين العصابات في إب، ساهمت جميعاً، وبشكل غير مباشر، إلى جانب موجات النازحين، في رفع الإيجارات بشكل كبير، حيث يسعى أصحاب العقارات إلى تأمين أنفسهم من خلال الكسب السريع.

وتعد هذه الأزمة المعقدة في غلاء المساكن في اليمن من أكبر التحديات التي تواجه السكان، لا سيما الموظفين الذين فقدوا رواتبهم، كما هو الحال مع نديم محمد وزوجته، ومثلهما عشرات الآلاف من العائلات في صنعاء وبقية المدن.


مقالات ذات صلة

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

العالم العربي مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

إعادة تأهيل الطرق الريفية في اليمن فتحت مسارات جديدة للتجارة والتعليم والرعاية الصحية، وعززت فرص العمل والصمود الاقتصادي، بالتزامن مع ارتفاع التمويل الإنساني.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين

كثّفت السلطات اليمنية حملاتها ضد شبكات تهريب المهاجرين بعد وصول 40 ألفاً منذ مطلع العام، وسط تقارير توثق تعذيباً واسعاً واستغلالاً منظماً للضحايا

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يعزِّز مشروع أممي ودولي البنية المائية والزراعية؛ لتثبيت عشرات الآلاف من المزارعين اليمنيين في مواجهة الجفاف وانعدام الأمن الغذائي، وإعادة الاهتمام بمحصول البن.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

الحوثيون يغيِّرون أسماء مدارس بصنعاء ضمن توجه طائفي يثير غضباً واسعاً، وسط تحذيرات من تسييس التعليم.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

تكثف الأمم المتحدة مساعي التهدئة باليمن والإفراج عن موظفيها المحتجزين في حين تلوّح الحكومة الشرعية بالقوة إذا استمر الحوثيون في رفض الانخراط الجاد بمسار السلام

«الشرق الأوسط» (عدن)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.