البنك الدولي يتوقع نمواً اقتصادياً يمنياً في ظل السلام

رغم سوء المعيشة والحاجة إلى مليارات الدولارات للتعافي

 تسببت الأزمات والحروب الأخيرة في أوروبا وأفريقيا في مزيد من تهميش الوضع الإنساني في اليمن (رويترز)
 تسببت الأزمات والحروب الأخيرة في أوروبا وأفريقيا في مزيد من تهميش الوضع الإنساني في اليمن (رويترز)
TT

البنك الدولي يتوقع نمواً اقتصادياً يمنياً في ظل السلام

 تسببت الأزمات والحروب الأخيرة في أوروبا وأفريقيا في مزيد من تهميش الوضع الإنساني في اليمن (رويترز)
 تسببت الأزمات والحروب الأخيرة في أوروبا وأفريقيا في مزيد من تهميش الوضع الإنساني في اليمن (رويترز)

توقع البنك الدولي أن يؤدي اتفاق سلام دائم في اليمن إلى تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، والمساهمة في نمو الاقتصاد، رغم تقديره السابق لحاجة اليمن إلى مليارات الدولارات من أجل التعافي الاقتصادي؛ وترجيح منظمات أممية زيادة في سوء الأوضاع المعيشية في البلاد.

وفي تقريره المعنون «المستقبل: بارقة أمل في أوقات قاتمة» قال البنك الدولي: «إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام دائم في اليمن، فقد يكون ذلك إيذانا بعوائد سلام كبيرة لأبنائه، التي تتمثل في زيادة تصل إلى 6 نقاط مئوية في مسار نمو إجمالي الناتج المحلي». مبشراً بنمو كبير في حجم الاستثمارات العامة والخاصة ومعدلات التوظيف والإنتاجية فضلا عن تراجع نسب الفقر.

وأشار التقرير إلى احتمال أن يؤدي ذلك إلى زيادة تراكمية في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بمقدار الثلث على مدار السنوات الخمس القادمة بالمقارنة بالوضع الراهن، بشرط توافر العديد من العوامل، ومنها زيادة مساعدات المانحين وإعادة فتح مسارات النقل الرئيسية في البلاد، ووجود قطاع خاص قادر على الصمود والاستمرار.

ويقدر أن الصراع أدى إلى انكماشٍ بنحو 50 في المائة في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بين عامي 2011 و2022، ملحقاً أضراراً أو دماراً في أكثر من ثلث المنازل والمدارس والمستشفيات ومنشآت المياه والصرف الصحي في البلاد، لتزداد مؤشرات الإنتاجية تدهوراً مع اشتداد العنف.

ووفقاً للتقرير؛ فإن إنتاج النفط الذي يعد ركيزة حيوية لاقتصاد البلاد، تضرر بشدة جراء الحرب، ما أدى إلى تقويض قدرة الحكومة على مساندة السكان من خلال تقديم الخدمات الأساسية، وأثر على التوظيف في القطاع العام، منوهاً إلى أن كثيرا من موظفي الخدمة المدنية لا يتقاضون رواتبهم إلا بصورة جزئية أو بشكل مُتقطع.

جرعة أمل

يستدرك البنك في تقديمه للتقرير مانحاً الأمل بأن نظام اللامركزية الذي أصبح بحكم الأمر الواقع في اليمن قد يساعد على النمو في المستقبل، وهو ما يوافق منظوراً تم التعبير عنه باستمرار في مقابلات تمت مع مصادر المعلومات الأساسية للتقرير، مبديا أسبابا أخرى تدعو للتفاؤل الحذر بشأن التعافي المحتمل حينما يتم التوصل إلى اتفاق سلامٍ شاملٍ للجميع.

ومن هذه الأسباب، بحسب التقرير، ما يتميز به الشعب اليمني من روح العمل الحر، لا سيما بين النساء، والقرب من أسواق الجوار مرتفعة الدخل في دول الخليج، والإمكانات الاقتصادية التي يتمتع بها اليمن من التصنيع الزراعي وإنتاج الصناعات التحويلية الخفيفة وصادراتها.

وتضمن تقديم البنك الدولي لتقريره حديثاً لمديرة مكتبه في اليمن تانيا ميير التي قالت إن «إحلال السلام ضرورة حتمية لتحقيق نمو شامل للجميع، وتعزيز التنمية المستدامة، وفوق ذلك كله، تحسين ظروف المعيشة للشعب اليمني»، منبهة إلى ضرورة الدراية الواضحة بالحقائق على أرض الواقع، لأن المصاعب التي يواجهها اليمنيون هائلة كالتضخم وتدني جودة الوظائف وعدم استقرار القطاع العام.

أطفال يمنيون نازحون في مدينة عدن (الأمم المتحدة)

وسبق للبنك الدولي أن أعلن قبل نحو شهر أن ما يقارب 17 مليون يمني؛ يعانون من انعدام الأمن الغذائي؛ بسبب الحروب والأوضاع الاقتصادية المتردية، وأنّ الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية تُعدّ من بين التحديات الأكثر إلحاحاً في اليمن، التي تفاقمت بسبب الصراع الذي طال أمده في البلاد.

وتحدث حينها عن خطة تأهب لأزمة الأمن الغذائي في اليمن للتخفيف من تأثير الأزمات الغذائية في المستقبل، مرجحا أن يكون للزراعة كثير مما تقدمه للمساعدة في الهروب من الحلقة المفرغة للأزمات المتكررة والفقر المزمن الذي يمكن أن يساعد في دفع البلاد نحو طريق الصمود على المدى الطويل.

وفي مارس (آذار) الماضي قدّم البنك الدولي منحة بـ207 ملايين دولار، لدعم الأمن الغذائي في اليمن، بهدف معالجة انعدام الأمن الغذائي المزمن وسوء التغذية في اليمن، لكنه عاد بعد ذلك بشهر ليعلن حاجة اليمن إلى ما بين 11.82 و16 مليار دولار خلال العام الحالي، وما بين 11 و22 مليار دولار العام القادم لإعادة بناء الاقتصاد المحلي.

ويأتي تقرير البنك الدولي بعد يوم فقط من إعلان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن (أوتشا)، عن تخصيص 18 مليون دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة للمتضررين من الأزمة الإنسانية في البلاد، والمساهمة في منع المجاعة ومعالجة المستويات المتزايدة من انعدام الأمن الغذائي التي تسبب بها الصراع والصدمات الاقتصادية وتغير المناخ.

طفل يمني يعاني المجاعة في الحديدة غرب اليمن (رويترز)

وحذر المكتب في بيان صادر عنه بهذا الشأن من أن الأزمة الإنسانية في العام الحالي ستؤثر على 17.3 مليون شخص، بينما تمّ حتى نهاية مايو (أيار)، تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن بنسبة 23.5 في المائة فقط، وذلك بعد أسبوع من تحذير سابق له من أن نقص التمويل سيعرض الاستجابة الإنسانية في اليمن للخطر، ويؤدي إلى تقليص معظم الأنشطة والخدمات الضرورية خلال الستة الأشهر المقبلة.

ووفقا لتقرير صادر عن المكتب؛ فإنه لم يتم تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في الربع الأول من هذا العام سوى بنسبة 10.4 في المائة فقط من إجمالي 4.3 مليار دولار مطلوبة لتلبية الاحتياجات الملحة لـ17.3 مليون شخص من الفئات الأشد ضعفا، ما أجبر منظمات الإغاثة على تقليص أو إغلاق برامج إنسانية ضرورية.

التنمية هي الحل

أشار التقرير إلى أن منظمات الإغاثة في اليمن تواجه نقصا كبيرا في التمويل، وسط تزايد الاحتياجات الإنسانية، الأمر الذي يعرض الاستجابة المنقذة لأرواح ملايين الأشخاص للخطر.

وتشكو الأمم المتحدة دائماً من نقص التمويل، مقارنة بالخطط المقترحة لتمويل مواجهة الأزمة الإنسانية في اليمن، التي تعدها المنظمة الأممية الأسوأ في العصر الحديث، وعقدت لأجل جمع التمويل لمعالجتها مؤتمراً للمانحين من عدة نسخ في السنوات الماضية، وتمكنت في النسخة الأخيرة منه المنعقدة أواخر فبراير (شباط)، من جمع 1.2 مليار دولار، من أصل 4.3 مليار كانت تخطط للحصول عليها.

وتساءل جمال بلفقيه، مستشار وزارة الإدارة المحلية اليمنية لشؤون الإغاثة، عن وجود إحصاءات دقيقة قامت بها المنظمات الدولية عن أعداد الأسر المحتاجة والمهددة بالمجاعة؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة الوصول بنفسها إلى كل المناطق؟!، مستدركاً بأن أعمال الإغاثة وتقديم المساعدات تحدث بالاعتماد على التكهنات بأعداد المستهدفين دون وجود دراسات إحصائية ومسحية حقيقية.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» طرح بلفقيه وجهة نظره لتقديم حلول ناجعة لإنقاذ الأسر اليمنية من المجاعة، بتحديد مناطق الاستهداف ودعم الأسر ببرنامج متكامل لربط الغذاء بالإنتاج، مثل الغذاء مقابل الإنتاج في المجال الزراعي أو تربية الحيوان أو غيره من مشروعات متوسطة مدرة للدخل.

تفعيل الشراكة

بحسب بلفقيه، وهو أيضاً منسق عام اللجنة العليا للإغاثة في اليمن؛ فإنه في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتغير المناخي والزلازل في تركيا وروسيا، ثم الصراع في السودان وزيادة الاحتياجات العالمية وضعف خطة الاستجابة 2023 التي تعهدت الدول المانحة فيها بدعم اليمن بمليار ومائة مليون دولار فقط؛ يبدو أنه لا يمكن إيجاد حل حقيقي وجذري للأزمة الإنسانية في اليمن.

ومن الضروري طبقاً لرأيه تفعيل شراكة حقيقية بين الدول المانحة وشركائهم من المنظمات الدولية لتحديد الاحتياجات الحقيقية مع تقليص الميزانيات التشغيلية والإدارية، لتحقيق أعلى استفادة للمستهدفين، إلى جانب ترشيد المبالغ المالية واستخدامها للتنمية، وخاصة في الزراعة وتربية الحيوانات وصيد الأسماك، وتوجيهها لتستفيد منها المرأة في مواجهة التحديات القادمة عند نقص الأمن الغذائي.


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».