تدهور قياسي في الأوضاع الإنسانية بعد أسابيع من القتال بالخرطوم

سكان المدينة يترقبون الهدنة الفعلية للفرار من المدينة

كثير من سكان العاصمة السودانية نزحوا خارجها بسبب الحرب (أ.ف.ب)
كثير من سكان العاصمة السودانية نزحوا خارجها بسبب الحرب (أ.ف.ب)
TT

تدهور قياسي في الأوضاع الإنسانية بعد أسابيع من القتال بالخرطوم

كثير من سكان العاصمة السودانية نزحوا خارجها بسبب الحرب (أ.ف.ب)
كثير من سكان العاصمة السودانية نزحوا خارجها بسبب الحرب (أ.ف.ب)

يعيش الطبيب اختصاصي التخدير والعناية المكثفة، هيثم مكاوي، في شارع «الستين» الذي يعد إحدى أكثر المناطق سخونة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع». غادر معظم سكان المنطقة الراقية منازلهم هرباً من القتال الذي يدور داخل الحي، لكن مكاوي لم يستطع المغادرة لأن كبار السن من أسرته لا يمكنهم الخروج. ويرى مكاوي أن اتفاق الطرفين في جدة قد يكون مناسبة يستغلها لإخراج ذويه كبار السن الذين حبستهم الحرب في أخطر مناطق القتال.

وتصاعدت حدة الاشتباكات بين الطرفين منذ عشية توقيع «إعلان جدة الإنساني» يوم الخميس الماضي؛ إذ شهدت أنحاء عدة من العاصمة الخرطوم عمليات قتالية واسعة، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام أنباء عن انتهاكات لحقت بالمدنيين خلال اليومين الماضيين، من بينها اغتصاب لنساء، إضافة إلى اتساع دائرة النهب والسلب للمساكن والمنشآت والمصانع وغيرها. ومع التدهور القياسي في الأوضاع الإنسانية بعد أسابيع من القتال في الخرطوم، يترقب سكان المدينة الهدنة الفعلية للفرار من المدينة.

ورغم الخطر الماثل، بدا الطبيب مكاوي متفائلاً بالتزام الطرفين بوقف القتال، قائلاً: «تفاؤل الناس ناتج عن اعتقادهم بأن الطرفين يجب أن يتحليا بشرف الجندية الذي يعني حماية المواطنين». وتابع: «أتمنى أن يستمع الطرفان لصوت العقل ويحافظا على مصالح وأرواح المواطنين، فهذه حرب ليس فيها منتصر، والمنتصر فيها خاسر أيضاً، ومحصلتها الكاملة صفرية».

سوء الأوضاع الصحية

وبحكم مهنته، رأى الطبيب مكاوي بوضوح سوء الأوضاع الصحية في البلاد، قائلاً: «ساءت الأوضاع على الأرض بشكل ملحوظ رغم توقيع إعلان جدة الإنساني، وأثر هذا على الأوضاع الصحية بصورة كبيرة، ولم تعد في البلاد منظومة صحية تستطيع حتى التعامل مع مصابي الطرفين، ناهيك عن الخسائر وسط المدنيين، ودخلنا في أزمة دواء وننتظر أزمة جوع، الأوضاع هنا ضبابية وكارثية، حتى لو توقفت الحرب فستترك آثاراً سيئة جداً».

ومنذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان)، فر عشرات الآلاف من السودانيين لاجئين إلى دول الجوار: مصر، إثيوبيا، تشاد، جنوب السودان، فيما نزح آلاف آخرون من العاصمة إلى مناطق خارجها، وقدّرتهم منظمات طوعية بأكثر من 150 ألف لاجئ، وعشرات الآلاف من النازحين.

ولا تزال أعداد كبيرة من المتأثرين بالحرب في الخرطوم يتكدسون أمام البوابات الحدودية بين دول الجوار بانتظار السماح لهم بالدخول، وتضاعفت أسعار أجرة سيارات النقل الداخلي بصورة خرافية، فيما تحولت معظم المناطق الطرفية لمحطات نقل ولائي خارج العاصمة.

صحافية ميدانية

صحافية ميدانية طلبت عدم كشف اسمها، قالت إن «إعلان جدة» لم يؤثر على الأوضاع في الأرض بعد، بل إنها ساءت أكثر مما كانت عليه قبل توقيعه. وأضافت: «الإعلان نص على فتح ممرات آمنة للمدنيين، وفهم عند الكثير من الناس بأنه تحذير لهم للخروج من الخرطوم، وكأنه يقول لهم من لم يغادر فليتحمل مسؤوليته، وأن الأطراف ستواصل الاقتتال داخل المدن، وهذا مؤشر على أن الطرفين لا يحترمان المدنيين ولا يقران حقوقهم الأساسية، رغم زعمهما أنهما المسؤولان عن حماية المدنيين والأرض»، معتبرة صراع الطرفين على السلطة والنفوذ هو الخطر الحقيقي الذي يهدد البلاد والمواطنين.

وفي وسائل التواصل الاجتماعي السودانية، سخر الكثيرون من الاتفاق واعتبروه دعوة لإخلاء الخرطوم ليتقاتل فيها الطرفان، ونشطت دعوات للناس باستغلال الظرف لمغادرة المدينة، وتم تناقل العديد من الطرائف بشأنه، وقال أحد المعلقين في منصة «واتساب» إن السودانيين كانوا ينتظرون الاتفاقية لإخراج الجيش و«الدعم السريع» من الخرطوم، لكن ما حدث أن المدنيين هم من خرج.

مركبة محترقة وسط المعارك في السودان (رويترز)

تزايد القتال

وتزايدت حدة الأعمال القتالية بين الطرفين طوال اليومين اللذين أعقبا توقيع «إعلان جدة»، وهو ما فسره بعض المراقبين بأنها محاولات لتقوية أوضاع الطرفين على الأرض قبل وقف إطلاق النار، لكن بحكم التجربة فإن المواطنين لم يعودوا يثقون بتعهدات الطرفين، خاصة بعد فشل وخرق أكثر من هدنة لم يلتزم بها الطرفان.

ففيما لا تزال قوات «الدعم السريع» المحمولة على عربات دفع رباعي تتجول بين الأحياء، لم تتوقف عمليات القصف الجوي التي يقوم بها طيران الجيش على مقراتهم. ويقول مواطنون إن أعمال القصف الجوي تتم بعشوائية، وإنها ألحقت بهم ضرراً بالغاً. ونقلت تقارير يوم السبت، أن المطربة الشهيرة الشابة شادن محمد حسين، أصيبت بشظية في منزلها بمدينة أمدرمان، وتتناقل الوسائط الاجتماعية أخباراً مماثلة عن قصف تعرضت وتتعرض له أعيان مدنية ومساكن، أودى بحياة الكثيرين. ووفقاً للأمم المتحدة فإن عدد القتلى المدنيين تجاوز 500 قتيل، وتجاوز عدد الجرحى 5 آلاف، مع عدد كبير غير محصى للمنازل والمصانع والمنشآت الحكومية.

أنصار البشير

من جانبهم، اعتبر مؤيدو الجيش السوداني من أنصار نظام الرئيس المعزول عمر البشير، مجرد التفاوض «إهانة للجيش»، وظلوا يطالبون بضرورة حسم قوات «الدعم السريع» عسكرياً قبل أي تفاوض، بل دأبوا على وسم كل من يطالب بوقف الحرب بـ«الخيانة وعدم الوطنية». ومن قبيل هذه المواقف، نقلت صفحة على موقع «تويتر» عن أحد الصحافيين المعروفين بانتمائهم للحركة الإسلامية، وصفه للاتفاق بأنه «اتفاق الخيبة»، قائلاً: «اتفاق برهان مع الجنجويد - الدعم السريع - لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به»، معلناً مغادرته للبلاد، قائلاً: «غادرت السودان صباح اليوم، بعد اتفاق الخيبة، وأستودع الله أرضنا وشعبنا».

ووقع الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في مدينة جدة السعودية، يوم الخميس الماضي، «إعلان جدة الإنساني»، الذي توسطت فيه كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، ونص بشكل رئيسي على حماية المدنيين وفقاً للقانون الدولي الإنساني، لكنه خلا من أي تحديد لآليات تنفيذه أو مراقبته، في الوقت الذي واصل فيه الطرفان التفاوض في جدة للوصول إلى اتفاق قصير لوقف إطلاق النار، مع آليات مراقبة.


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تبحث في أديس أبابا دعوة البرهان لحوار وطني

شمال افريقيا رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مشاركاً في اجتماعات أديس أبابا (إعلام حزب الأمة القومي)

قوى سودانية تبحث في أديس أبابا دعوة البرهان لحوار وطني

بدأت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، السبت، اجتماعات القوى السياسية والمدنية المنضوية تحت إعلان نيروبي، لبحث دعوة «البرهان» لحوار داخل السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

العطش يضرب العاصمة السودانية... وسعر برميل المياه بلغ 4 آلاف جنيه

أفاد تقرير، السبت، بتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في العاصمة السودانية الخرطوم التي تشهد نقصاً حادّاً في إمدادات مياه الشرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

البرهان: الحرب لن تنتهي إلا بنهاية التمرد

قال رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن الحرب لن تنتهي إلا بنهاية التمرد، ولم يستبعد فرض عقوبات على بلاده مستقبلاً.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

«تعافي» التعليم يسرّع عودة السودانيين من مصر

برزت أحدث مؤشرات العودة الطوعية للسودانيِّين، عبر رحلة برية كبيرة، الخميس، نقلت 1470 سودانياً في 30 حافلة انطلقت من القاهرة والإسكندرية وأسوان.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مجموعة من عناصر «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في غرب أم درمان في السودان... 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

نقابة صحافيي السودان تحذّر من خطورة الزج بالإعلاميين طرفاً في الصراع

حذّرت نقابة الصحافيين السودانيين من خطورة الزج بـ«الصحافيين» طرفاً في الصراع الدائر في البلاد، مشيرة إلى أن ذلك يعرّض حياتهم للخطر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الحوثيون يوظفون احتفالاتهم بالمولد النبوي للتعبئة العسكرية

بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)
بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)
TT

الحوثيون يوظفون احتفالاتهم بالمولد النبوي للتعبئة العسكرية

بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)
بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)

يغطي العاصمة اليمنية صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية اللون الأخضر للاحتفال بذكرى المولد النبوي، وهي المناسبة التي دأبت الجماعة على استغلالها لتعزيز نفوذها الاجتماعي والسياسي والعقائدي، إلا أن مظاهرها تكتسب هذا العام أبعاداً عسكرية مضاعفة، في سياق تعبئة شاملة تستهدف حشد السكان للتصعيد الداخلي والخارجي.

فوراء الستار البصري المتمثل في طلاء الشوارع والمباني باللون الأخضر، وتكثيف الزينات الضوئية ليلاً، مع إلزام المحال التجارية ومحطات الكهرباء الخاصة بالمشاركة في تجهيزها وتمويلها، تتحرك آلة حشد واسعة تستثمر الفعاليات الاحتفالية في الدعوة إلى المشاركة في التصعيد العسكري، وتجنيد المقاتلين، وسط رفض ومخاوف شعبية متزايدة.

وفي مطلع الشهر الحالي، دشنت الجماعة خطة إعلامية خاصة باحتفالات المولد، لتدخل الفعاليات مرحلة مبكرة من التنظيم والترويج، بالتزامن مع تكثيف الخطاب التعبوي في المؤسسات والمناطق والمديريات.

ويقول مراقبون محليون إن هذا التزامن يعكس توجهاً لتحويل المناسبة، هذا العام، إلى منصة للحشد العسكري، إلى جانب أهدافها المعتادة في تعزيز النفوذ الاجتماعي والسياسي، وتحصيل الموارد.

وتنظم الجماعة منذ أكثر من 3 أسابيع سلسلة طويلة من الأمسيات والأنشطة في المساجد والمدارس والمؤسسات والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بينما يتجاوز الخطاب المصاحب لها الحديث عن المناسبة الدينية إلى الدعوة للانضمام إلى مقاتليها في الجبهات، وتقديم وعود بالحصول على مكافآت مالية ووظائف ومزايا أخرى.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة لجأت خلال الأسابيع الماضية إلى التجنيد المباشر من داخل بعض أنشطتها الاحتفالية، مع تطوير أساليب الاستقطاب بحيث ينتقل من يقتنع بالانضمام إلى صفوفها مباشرة من ساحات أو قاعات الفعاليات إلى معسكرات التعبئة والتدريب.

صعوبات وحلول

تأتي هذه المحاولات في وقت تواجه فيه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد، بعدما أفضت سنوات الحرب إلى مقتل وإصابة آلاف من عناصرها دون تحقيق كثير من المكاسب التي وعدت بها، وفي مقدمتها السيطرة على مناطق جديدة مثل محافظة مأرب.

فعالية ليلية في صنعاء ألزم الحوثيون السكان بالمشاركة فيها ضمن الاحتفالات بالمولد النبوي (إعلام حوثي)

وأسهم تدهور الأوضاع المعيشية وإهمال عائلات قتلى الجماعة وجرحاها في إضعاف قدرتها على التجنيد، بينما شكلت الحرب في غزة استثناءً مؤقتاً؛ إذ تمكنت الجماعة خلالها من استغلال الخطاب المرتبط بالحرب لاستقطاب آلاف اليمنيين إلى صفوفها. ومع توقف الحرب، عادت صعوبات الاستقطاب إلى الواجهة.

وتواجه الجماعة الحوثية، إلى جانب ذلك، مشكلة أكثر مباشرة تتمثل في توقف رواتب مقاتلين في الجبهات، وتراجع قدرتها على توفير الإمدادات الغذائية، في وقت تزداد فيه مخاوف السكان من إرسال أبنائهم إلى القتال.

وتؤكد المصادر أن المشاهد التي يبثها الجيش اليمني لعمليات الطيران المسيّر التي تستهدف مواقع الحوثيين، ضاعفت من هذه المخاوف.

وفي مواجهة ذلك، تلجأ الجماعة إلى مزيج من الإغراءات والوعود، بينها وظائف في المؤسسات التابعة لها أو في الجهاز الإداري للدولة، وتسهيل الدراسة والحصول على الشهادات بعد انتهاء المعارك، إلى جانب رواتب ووجبات يومية وسلال غذائية لعائلات المقاتلين.

فعالية حوثية ليلية للاحتفال بالمولد النبوي في الحديدة (إعلام حوثي)

وتبين المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن خطابات القادة الدينيين للجماعة خلال الفعاليات الاحتفالية تتجاوز الحديث عن المناسبة نفسها، وما تمثله بالنسبة لها من فرصة سنوية لتعزيز نفوذها الاجتماعي والعقائدي، وادعاء أحقيتها في احتكار تمثيل المجتمع، إلى الدعوة للانضمام للجبهات، وتقديم وعود بالحصول على مكافآت.

عنف واستخفاف بالتكلفة

تواصل الجماعة الحوثية استخدام نفوذها الإداري والاقتصادي للضغط على السكان، ففي عدد من المديريات والمناطق، ربطت صرف أنصاف الرواتب للموظفين الحكوميين، أو تسيير بعض المعاملات الحكومية، وتقديم الخدمات العامة بضرورة الحضور والمشاركة في الساحات المركزية المخصصة للاحتفال.

وفي محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، اتخذت الضغوط المرتبطة بتمويل الاحتفالات طابعاً أكثر عنفاً؛ إذ أطلقت عناصر حوثية النار، واعتقلت عدداً من الباعة في سوق مفرق حبيش بمديرية المخادر، بعد رفضهم دفع جبايات تفرضها الجماعة بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي، وفق مصادر محلية.

مسيرة ليلية بالأضواء الخضراء ألزم الحوثيون بها موظفين عموميين في صنعاء (إعلام حوثي)

وفي محاولة لتخفيف الانتقادات المرتبطة بالمظاهر الاحتفالية، زعم القيادي الحوثي أحمد حامد أن الزينات الخضراء غير مكلفة، ولا تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، بل يمكن تشغيلها باستخدام بطاريات الدراجات النارية، في وقت يشكو فيه السكان من تكلفة كبيرة يضطرون لتحملها جراء إلزامهم بشراء وإضاءة الزينات.

وتتميز احتفالات الجماعة الحوثية بالمولد النبوي، هذا العام، بجهود حثيثة للجمع بين الدعاية والتعبئة والتجنيد والجباية، ووضعها في خدمة أهداف التصعيد العسكري، في وقت يزداد فيه العبء الذي تفرضه مظاهر الاحتفالات على السكان الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة.


مصر تقلل من مخاطر اتفاق إثيوبيا وأميركا «الدفاعي» على «أزمة السد»

الوفد العسكري الإثيوبي أمام وزارة الحرب الأميركية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
الوفد العسكري الإثيوبي أمام وزارة الحرب الأميركية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

مصر تقلل من مخاطر اتفاق إثيوبيا وأميركا «الدفاعي» على «أزمة السد»

الوفد العسكري الإثيوبي أمام وزارة الحرب الأميركية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
الوفد العسكري الإثيوبي أمام وزارة الحرب الأميركية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اتفاق دفاعي بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، تساؤلات حول الموقف المصري الذي يقف في خصومة مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي، وسط تحركات من واشنطن لوساطة بشأن أزمة «سد النهضة».

وتعليقاً على ذلك، قال رئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية» وزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الإعلان عن إقامة تعاون استراتيجي شامل بين واشنطن وأديس أبابا في مجالات الدفاع والأمن لا يُعد حدثاً جديداً.

وأوضح أن «للولايات المتحدة مصالح مؤكدة مع إثيوبيا، وهذه المصالح ليست بالضرورة أن تكون مضرة بالآخرين».

وأضاف أن «إثيوبيا تواجه مشاكل داخلية أمنية عديدة إلى جانب الأزمات الاقتصادية»، مستبعداً أن يصل هذا التعاون إلى «حد إحداث خلل في ميزان القوى بمنطقة القرن الأفريقي».

وأشار العرابي إلى «أن التعاون الأميركي مع مختلف الدول له حدوده ومحدداته... والمساعدات والمساندة الأميركية لعدة دول سابقة لم تكن بالحجم الذي يؤثر على توازن القوى الإقليمي»، مؤكداً أن هذا الاتفاق «لا يقلق أحداً».

وبحسب «وكالة الأنباء الإثيوبية»، جاء الاتفاق خلال مشاورات ثنائية رفيعة المستوى أجرتها إثيوبيا والولايات المتحدة في وزارة الدفاع الأميركية، بمشاركة وفد إثيوبي برئاسة اللواء تشومي غمتشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري بوزارة الدفاع الإثيوبية.

وزار الوفد الإثيوبي الولايات المتحدة خلال الفترة من 19 إلى 20 أغسطس (آب) 2026، وأجرى مشاورات ثنائية في مقر وزارة الحرب الأميركية مع نظرائه وعدد من كبار المسؤولين في وزارة الحرب.

ويتسع التوتر بين مصر وإثيوبيا إثر خلافات حادة في ملف المياه والمنافذ البحرية، وترفض القاهرة إقامة أديس أبابا أي سدود جديدة على النيل ولوحت «بحق الدفاع الشرعي» عن حقوقها المائية، كما ترفض حصول إثيوبيا، الدولة الحبيسة تاريخياً، على أي منفذ على البحر الأحمر، باعتباره ليس حقاً قانونياً لها.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وفيما يتعلق بطموحات إثيوبيا العسكرية في المنطقة، لا سيما ما يرتبط بمنفذ إلى البحر الأحمر، دعا العرابي، إلى الانتظار لمعرفة مدى هذا التعاون، «وما إذا كان سيتضمن منح أديس أبابا قطعاً بحرية أو اختراقاً في ملف التسليح لإجبار الآخرين على قبول هذا المنفذ».

وعن كيفية موازنة واشنطن في علاقاتها بين القاهرة وأديس أبابا، بيّن العرابي، «أن هذا يمثل النمط الجديد في العلاقات الدولية القائم على التعامل مع الدول وفقاً للملفات دون تحيز لطرف على حساب آخر»، لافتاً إلى أن دولاً كبرى مثل الصين وروسيا «تقيم علاقات قوية مع مصر وفي الوقت نفسه تتعاون مع إثيوبيا».

وشدد على أن هذا التعاون «لن يقلق مصر، نظراً لما تتمتع به من وضع وثقل وموقع مختلف في الاستراتيجية الأميركية كدولة محورية بالمنطقة»، مؤكداً أنه «ليس من مصلحة واشنطن إيجاد أي عوامل لعدم الاستقرار تؤثر على الثقل المصري في القارة الأفريقية أو الشرق الأوسط».

تفاصيل التعاون الإثيوبي الأميركي

واتفق الجانبان الإثيوبي والأميركي، بحسب «وكالة الأنباء الإثيوبية»، على الارتقاء بالتعاون العسكري والدبلوماسي بين البلدين إلى مرحلة جديدة ومتقدمة، بما يعكس توجهاً نحو توسيع نطاق الشراكة في مجالي الدفاع والأمن.

كما اتفقت قيادات المؤسسات الدفاعية في البلدين على توسيع التعاون المؤسسي وتعزيز التنسيق الاستراتيجي بين الجانبين، بحسب المصدر ذاته.

وأكد الطرفان، «أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة ستقوم على عدد من الركائز الرئيسية، من بينها حماية المصالح الوطنية وتحقيق المنافع المتبادلة، وترسيخ تعاون مستدام يقوم على تعزيز الثقة المتبادلة».

كما تهدف الشراكة إلى «تعزيز الجهود المشتركة من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار المستدام في منطقة القرن الأفريقي والمنطقة الأوسع».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التوسط في أزمة مياه النيل وملف «سد النهضة»، الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة، إن إدارته «منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه»، كما جددت واشنطن في أكثر من موقف، سعيها لحل أزمة السد.

وعن تأثير ذلك المسار على أزمة «سد النهضة»، قال نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التطور العسكري «لن يؤثر على موقف واشنطن أو يدفعها للانحياز لأديس أبابا على حساب مصر في الملفات العالقة، وفي مقدمتها قضية سد النهضة»، مشدداً على أن «هذه القضايا تخضع لحسابات وأبعاد قانونية وسياسية واستراتيجية حاكمة».

​وأضاف أن «تقوية القدرات العسكرية الإثيوبية ترتبط بتحدياتها الداخلية التي تهدد وحدتها وسلامة أراضيها»، لافتاً في المقابل إلى «أن مصر تتمتع أيضاً بوضع وقدرات عسكرية قوية وعلاقات عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة».


جرحى بانفجار عبوة ناسفة في حافلة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)
TT

جرحى بانفجار عبوة ناسفة في حافلة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)

أسفر انفجار حافلة تابعة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق، السبت، عن عدد من الإصابات في صفوف عناصرها، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا).

وأوردت «سانا» نقلاً عن مصدر أمني «انفجار عبوة ناسفة يستهدف باص مبيت يتبع لقوى الأمن الداخلي على طريق معرونة-التل في ريف دمشق، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات بين العناصر»، مضيفة أن «التحقيقات» متواصلة «للكشف عن منفذي العمل الإرهابي».

وتشهد سوريا بين الحين والآخر تفجيرات واعتداءات تستهدف مدنيين وقوات الأمن، كان آخرها في 6 أغسطس (آب) حيث استهدف تفجير حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا قرب دمشق، ما أسفر عن إصابة 14 شخصا بجروح.

وفي السابع من يوليو (تموز)، شهدت دمشق انفجار عبوتين ناسفتين قرب فندق كان ينزل فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته دمشق، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين.

وأعلنت السلطات حينها توقيف المجموعة المسؤولة عن التفجيرين، وقالت إنها تتبع لتنظيم «داعش». ويتبنى التنظيم بين الحين والآخر اعتداءات تطال خصوصا قوات الأمن السورية.

وبعد إطاحة السلطات الجديدة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، حضّ التنظيم عناصره على قتال السلطات الجديدة.

وأعلنت الحكومة السورية أواخر العام الماضي انضمامها رسميا إلى التحالف الدولي لمكافحة التنظيم المتطرف.