فتحت الضربات المتزايدة بالطائرات المسيّرة ضد أهداف حيوية في غرب ليبيا باب التكهنات واسعاً حول الجهات التي تقف وراءها ودوافعها.
وفي وقت ينشغل فيه الشارع بتبعات هذا التصعيد، تشير تقييمات سياسية وعسكرية إلى أن مواجهات الأطراف المتناحرة في غرب ليبيا وصراع الأضداد بات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتنافس الدولي المحتدم على النفوذ في البلاد.
وهاجمت طائرة مسيّرة «مجهولة» أهدافاً حيوية عديدة، من بينها خزانات للوقود في مستودع البريقة بطريق المطار في العاصمة الليبية طرابلس نهاية الأسبوع الماضي، في عملية كادت أن تتسبب في كارثة إنسانية وبيئية بالمنطقة لولا أن «الطائرة المجهولة» أخطأت هدفها.
وأبقى هذا الحادث حالة الحيرة قائمة في نفوس مواطني غرب ليبيا الذي يعاني تغوّل التشكيلات المسلحة، وسط «غموض» يحيط بهذه العمليات.

ورغم أن رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، سبق وقال إن استخدام الطائرات المسيّرة لضرب المنشآت الحيوية «عمل منظم وخطير يستوجب رداً حازماً ومنع تكراره»، فإن الحكومة لم تقدم حتى الآن أي دليل بشأن مرتكبي هذه الهجمات، باستثناء تصريح مجهّل تناقلته وسائل إعلام محلية مساء السبت يتحدث عن ضبط «خلية تخريبية» تضم ليبيين وأجانب.
«سلاح تستخدمه دول»
خلال العامين الماضيين، استخدمت حكومة «الوحدة» المسيّرات في استهداف ما سمته «أوكاراً لتهريب الوقود والبشر» في مدن من بينها زوارة، في أقصى غرب ليبيا على مسافة نحو 120 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس. وتوالت في أعقاب ذلك عمليات استهداف منشآت حيوية مملوكة للدولة من قِبل «جهات مجهولة»، ما أفسح المجال أمام تفسيرات عدة لم تستبعد مسؤولية السلطة الرسمية عن هذه العمليات.
وقال مصدر عسكري سابق في غرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط»: «الأمور أكبر من مجرد طائرات مسيّرة تستخدمها الأطراف المتناحرة في غرب البلاد»، مضيفاً: «الموضوع أن هناك دولاً تستخدم هذه التقنية لتصفية حساباتها مع دول أخرى»، مدللاً على ذلك باستهداف باخرة نفط روسية قبالة الساحل الليبي قبل ستة أشهر.
ويعتقد المصدر العسكري، الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، أن «سلاح المسيّرات تستخدمه دول أخرى، ولها غرف عمليات داخل طرابلس، ويتم التدريب على هذه التقنية الحديثة لتنفيذ عمليات الإطلاق».
ويدور في ليبيا حديث عن وجود أوكراني في غرب البلاد يتعلق بالتدريب على هذا السلاح. وسعت «الشرق الأوسط» للحصول على تعقيب من وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» بخصوص هذا الأمر، لكن تعذر الحصول على رد.
وسبق أن قالت «إذاعة فرنسا الدولية» في منتصف أغسطس (آب) الماضي إن طائرات مسيّرة أوكرانية الصنع من طراز «FPV»، موجهة بالألياف الضوئية، استخدمت في الهجوم الذي استهدف مجمع الزاوية النفطي في 12 أغسطس، وتسبب في فقدان 13 مليون لتر من الوقود، بحسب شركة «البريقة لتسويق النفط والغاز».

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، تعرضت ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» لهجوم بطائرات مسيّرة بينما كانت في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية. والتزمت سلطات طرابلس الصمت حيال اتهام موسكو بأن استهداف الناقلة تم عبر «عمل إرهابي دولي» انطلق من الساحل الليبي.
وعَدّ أستاذ القانون والباحث السياسي رمضان التويجر اللجوء إلى استخدام الطائرات المسيّرة «مؤشراً خطيراً جداً»، سبق أن حذّر منه خلال السنوات الماضية، ويرى أن تداعيات هذا الأمر تمس أمن الدولة الليبية وأمن دول الجوار، في ظل الانتشار المتزايد لهذه التكنولوجيا.
ويعتقد التويجر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أطرافاً دولية لم يسمّها «تسعى، بطرق مختلفة، إلى دفع الصراع في ليبيا نحو مرحلة أكثر تصعيداً، بما قد يؤثر بشكل مباشر في كيان الدولة الليبية، ويمتد أثره إلى أمن دول الجوار، ولا سيما دول جنوب البحر المتوسط».
وشدد على «ضرورة العمل خلال المرحلة المقبلة على تحقيق الاستقرار في ليبيا، وتوحيد مؤسسات الدولة، بما يسهم في الحد من تداعيات الصراع وتعزيز أمن البلاد ومحيطها الإقليمي».
«خلية تخريبية»
ومن دون أي توضيح، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر في وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» حديثاً عن القبض على «خلية تخريبية»، قال إنها «تضم ليبيين وعناصر أجنبية تقف وراء الهجمات بالمسيّرات ضد المنشآت الحيوية في غرب ليبيا».
غير أن جهات مثل «حراك ضد التوطين» اعتبرت الإعلان عن ضبط «خلية تخريبية» مجرد «مسرحية جديدة لإلهاء الشارع».
وتساءل الحراك، في بيان عبر صفحته على «فيسبوك»، عن غياب الأدلة وأسماء المتهمين، مضيفاً: «الشعب الليبي ليس بحاجة إلى روايات تُرمى في الإعلام، بل إلى الحقيقة؛ وإن كانت هناك خلية فعلاً، فاكشفوها بالأدلة والتفاصيل أمام الرأي العام».
ويعتقد سياسيون ليبيون أن الطائرات المسيّرة في حوزة الأجهزة الرسمية، كما هي في قبضة معظم التشكيلات المسلحة بغرب ليبيا، ولا سيما تلك التي تتمتع بنفوذ واسع وعلاقات دولية. ويشير هؤلاء إلى أن المشهد يزداد التباساً في ظل صراع حكومة «الوحدة» مع بعض التشكيلات المسلحة ومحاباتها لأخرى، بحسب قولهم.
وكانت مدينة الزاوية بغرب ليبيا قد شهدت، الشهر الماضي، تصعيداً أمنياً لافتاً إثر هجمات طالت محطة الكهرباء ومعسكر «الـ77» التابع لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية؛ وهو ما يسلط الضوء على خطر دخول الطائرات المسيّرة خط المواجهة المباشرة، ويُعمق حالة القلق والتوجس بين المواطنين.



