«أراقب عداد الكهرباء ورصيد الكارت كل يوم، كأني أراقب المفاعل النووي»... هكذا تهكم المواطن المصري عماد نوح، الذي يعمل في مجال الأرشفة الإلكترونية والمقيم بمحافظة الجيزة، على أسعار فواتير الكهرباء خلال لقاء مع أصحابه على مقهى شعبي.
رد عليه صديقه الصحافي محمود حامد الذي يسكن بمدينة 6 أكتوبر: «مش عارف فلوس الشحن بتروح فين؟»، ويروي كيف أنه شحن كارت الكهرباء قبل أيام بـ300 جنيه (نحو 6 دولارات) ليفاجأ بنفاد الرصيد في اليوم التالي.
أما الصديق الثالث محمد حسام، الذي يعمل مبرمجاً بالقاهرة، فقال: «فاتورة الكهرباء يوم في العالي ويوم في النازل»، موضحاً أنه دفع الشهر الماضي فاتورة بقيمة 1500 جنيه، رغم أنه يعيش بمفرده.
بينما علَّق الموظف الحكومي محمد فريد، رابع أعضاء الجلسة والمقيم بمحافظة المنوفية: «كأني في امتحان، حاولت الحذر من الاستهلاك العالي وفشلت، لأجد نفسي في الشريحة السابعة». وأضاف في ضيق: «أنا مش عارف فاتورة الكهرباء بتتحسب إزاي».
نظام الشرائح التصاعدي
سواء في المقاهي أو الدواوين الحكومية أو وسائل المواصلات، وصولاً إلى منصات التواصل الاجتماعي، تحول سؤال «كيف تُحسب فاتورة الكهرباء؟» إلى نقاش يومي بين المصريين. فمع كل فاتورة شهرية أو شحنة جديدة، تحوَّل التعرف على قيمة الفاتورة أو الشريحة الكهربائية من بين شرائح الاستهلاك إلى لحظة ترقب وارتباك تشبه انتظار نتائج الامتحانات.
وكانت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة قد أعلنت، مطلع الشهر الماضي، عن تعريفة محاسبية جديدة للاستخدامات المنزلية بمتوسط 12 في المائة، وتثبيت أسعار الشريحة الأولى دون تغيير.
والأسبوع الماضي، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضبط فواتير الكهرباء ومنع التقديرات الجزافية وتسهيل عملية تسديد المواطنين للمبالغ المتأخرة المستحقة عليهم، بما في ذلك النظر في إمكانية تيسير سبل سداد المتأخرات.

ويقول أستاذ هندسة الطاقة ورئيس جهاز تنظيم الكهرباء السابق حافظ سلماوي: «مع كل زيادة في أسعار الكهرباء يتجدد اهتمام المواطنين بالفاتورة، لكن المشكلة في عدم إلمام البعض بطريقة المحاسبة، كما أن التعريفة نفسها لا تُعلن بشكل واضح، مما يخلق حالة من البلبلة ويجعل المواطن يشعر بأن الفاتورة غير مفهومة أو غير عادلة».
ويوضح لـ«الشرق الأوسط» طريقة احتساب قيمة الاستهلاك قائلاً: «آلية الحساب تعتمد على نظام الشرائح التصاعدي، حيث يُعاد احتساب الاستهلاك من الصفر عند تجاوز كل حد، مما يجعل الفاتورة ترتفع بشكل ملحوظ عند الانتقال من شريحة إلى أخرى».
وحسب جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، تُقسم الفواتير المنزلية إلى سبع شرائح استهلاك، تتدرج فيها نسبة الدعم الحكومي؛ ففي الشرائح الدنيا (حتى 200 كيلوواط/ساعة) يتحمل المواطن ما بين ربع إلى نصف التكلفة الفعلية، بينما ترتفع نسبة تحمله تدريجياً لتصل إلى نحو 88 في المائة عند استهلاك 1000 كيلوواط/ساعة، ثم إلى السداد الكامل عند تجاوز هذا الحد.
ويلفت أستاذ هندسة الطاقة الانتباه إلى أمر يغفل عنه كثيرون، وهو أن حساب الاستهلاك -سواء في العدادات مسبوقة الدفع عبر كارت الشحن، أو العدادات التقليدية التي تُقرأ شهرياً وتتبعها فاتورة لاحقة- تضاف إليه رسوم خدمة العملاء، وهي مقررة على جميع المشتركين وفقاً لكل شريحة، أي تزيد مع زيادة الاستهلاك، حيث تبدأ من 3 جنيهات وتصل إلى 100 جنيه. وقد بدأ العمل بهذا بالتزامن مع بدء العمل بزيادة أسعار شرائح الاستهلاك، وهو ما يدفع البعض للشكوى من خصم في الرصيد لا يعرفون سببه.
وحول شكاوى البعض من الانتقال من شريحة أقل إلى أعلى رغم ثبات الأجهزة المستخدمة، قال سلماوي: «الاستهلاك يتغير موسمياً حتى مع نفس الأجهزة؛ فالثلاجة مثلاً تستهلك كهرباء أكثر في الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة، كذلك أجهزة مثل المكيفات والغسالات ترتفع معدلات تشغيلها في الصيف، مما يرفع الاستهلاك تلقائياً».

وحسب بيانات وزارة الكهرباء، «بلغ استهلاك الفرد من الكهرباء في مصر عام 2024/2023 نحو 2152 كيلوواط/ساعة سنوياً».
الترشيد... والمرونة
ويوضح الخبير الاقتصادي عادل عامر لـ«الشرق الأوسط» أن الأثر المباشر لارتفاع شرائح الكهرباء المنزلية على المستهلك يختلف حسب مستوى الاستهلاك، حيث ينتقل إلى شرائح أعلى كلما ارتفع استهلاكه، وبالتالي ترتفع قيمة المبلغ المطلوب سداده.
ويشير إلى أن ارتفاع سعر الكيلوواط لا يعني بالضرورة ارتفاع الفاتورة بنفس النسبة، لأن الفاتورة تعتمد على كمية الاستهلاك ونظام الشرائح وطريقة المحاسبة.
ويضيف: «حماية أقل شرائح الاستهلاك لا تعني بالضرورة أن الطبقة المتوسطة لن تتضرر، فالأسرة المتوسطة التي تستخدم جهاز تكييف أو أكثر، وسخاناً كهربائياً، وثلاجة، وغسالة، وأجهزة منزلية متعددة، يمكن أن تنتقل بسهولة إلى شرائح استهلاك أعلى».
كما يلفت عامر إلى مفارقة مهمة، وهي أن «رفع أسعار الشرائح قد يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، وهو هدف اقتصادي مشروع، لكن تظل الكهرباء خدمة لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها بسهولة. فالأسرة تستطيع تقليل استهلاك الترفيه، لكنها لا تستطيع ببساطة الاستغناء عن الثلاجة، والإضاءة، والغسالة، والتكييف صيفاً».
لذلك فإنه يؤكد أن «مرونة الطلب على الكهرباء تكون محدودة في الأجل القصير؛ أي إن المواطن قد يدفع فاتورة أعلى دون أن يستطيع خفض استهلاكه بنفس نسبة ارتفاع السعر».




