مصر إلى شراكة جديدة مع الصين دون خسارة الدعم الأميركي

السيسي يتمسك بسياسة «الاتزان الاستراتيجي»

شاشة كبيرة في القاهرة تعرض صورتي الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصيني شي جين بينغ (أ.ف.ب)
شاشة كبيرة في القاهرة تعرض صورتي الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصيني شي جين بينغ (أ.ف.ب)
TT

مصر إلى شراكة جديدة مع الصين دون خسارة الدعم الأميركي

شاشة كبيرة في القاهرة تعرض صورتي الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصيني شي جين بينغ (أ.ف.ب)
شاشة كبيرة في القاهرة تعرض صورتي الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصيني شي جين بينغ (أ.ف.ب)

استبق زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ للقاهرة، الثلاثاء، تأكيد مصري رئاسي على أن مصر تنتهج سياسية «الاتزان الاستراتيجي» في علاقاتها الخارجية وأنها تسعى لمرحلة جديدة من الشراكة مع بكين.

ويُقرّا هذا التأكيد من منظور نقل العلاقات الاستراتيجية المصرية - الصينية لمرحلة جديدة من التعاون دون خسارة الدعم الأميركي للقاهرة، بحسب ما يرى خبراء في مصر والصين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وتأتي هذه الزيارة الرسمية في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين «في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية»، بحسب ما ذكرت الرئاسة المصرية.

وكانت المرة السابقة التي زار فيها الرئيس الصيني مصر، وكانت الأولى منذ توليه الرئاسة، في يناير (كانون الثاني) 2016، حيث التقى نظيره المصري وبحثا في سبل تعزيز التعاون الاقتصادي في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، كما شارك في احتفالية أقيمت حينها بمناسبة مرور 60 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

في المقابل، أجرى السيسي عدة زيارات إلى الصين، كان أحدثها في مايو (أيار) 2024، في إطار مواصلة التنسيق وتعزيز الشراكة بين القاهرة وبكين.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين 29 مايو (أيار) 2024 (الرئاسة المصرية)

«شراكة استراتيجية شاملة»

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مقال نشرته الرئاسة المصرية، الثلاثاء، بعنوان «معاً من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً للشعبين المصري والصيني وللإنسانية»، التمسك بمساري الشراكة مع الصين والاتزان الاستراتيجي في العلاقات مع البلدان الأخرى.

وأوضح السيسي أن العلاقات بين البلدين على مدار سبعة عقود مضت تتطور على نحو ملموس وصولاً إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، وحققت الشراكة طفرة في العلاقات الثنائية، وجذباً لمزيد من الصناعات الصينية إلى مصر، بما في ذلك في مجال السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة والأجهزة الإلكترونية ومكونات محطات تحلية مياه البحر وبناء السفن وغيرها.

وأشار إلى أن تعزيز نقل التكنولوجيا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء من أولويات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ومسارات التعاون المصري - الصيني في المرحلة المقبلة.

وقال الرئيس المصري إن بلاده «حرصت على الدفع بعلاقات ممتدة وواسعة مع مختلف دول العالم، وتنويع سياستها الخارجية ومد أياديها لكل الأصدقاء، بهدف بناء شراكات أوسع وأعمق على أساس الاحترام المتبادل والتضامن والمنفعة المتبادلة».

وأشار إلى أن المنطقة وفرت فرصاً للمستثمرين الصينيين لتحقيق الأرباح والاستفادة من المزايا التي توفرها مصر للمستثمرين الأجانب، إلى جانب موقعها الجغرافي في قلب العالم باعتبارها حلقة وصل أساسية بين الشرق والغرب.

«شريكان موثوقان»

كما نشرت صحف مصرية كبرى، الثلاثاء، مقالاً للرئيس الصيني شي جين بينغ بعنوان «إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاماً من التآزر والتضامن».

وفي المقال قال شي: «أتطلع إلى تبادل أطراف الحديث مع الرئيس عبد الفتاح السيسي حول سبل تعزيز الصداقة والتعاون، بما يرسم خطوطاً عريضة جديدة لتعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة القائمة بين الصين ومصر».

وأضاف: «على مدى 70 عاماً حافلة بالتحديات والصعوبات التي تم تجاوزها، صمدت العلاقات الصينية - المصرية أمام اختبار تغيرات الأوضاع الدولية، وظلت تحافظ على اتجاه تطورها دون انحراف، وطبيعتها دون تغيير، وديناميكيتها دون تراجع»، واصفاً إياها بأنها «أصبحت نموذجاً يحتذى به للتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية والأفريقية وقدوة للتعايش الودي والتضامن والتعاون بين الدول النامية».

وأكد أن الصين ومصر ظلتا «شريكين موثوقين يسعيان إلى الكسب المشترك من خلال التعاون»، مشدداً على أن مصر تُعد «شريكاً تجارياً واستثمارياً مهماً للصين في العالم العربي وأفريقيا، وهي من أوائل الدول التي شاركت في التعاون في بناء الحزام والطريق».

مرحلة جديدة

ويعتقد عضو مجلس إدارة الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، نادر رونغ هوان، أن العلاقات الصينية - المصرية تحقق نتائج مثمرة، متوقعاً الارتقاء بمستوى التعاون بعد هذه الزيارة.

وتوقع في حديث لـ«الشرق الأوسط» الدخول في مرحلة جديدة من الشراكة، وخاصة في المجالات الصاعدة مثل الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «كذلك يمكن أن تصبح مصر قاعدة إنتاجية في المنطقة مع الوصول لمزيد من الاستثمارات الصينية والتكنولوجيا الصينية المتقدمة».

وترى أستاذة العلوم السياسية المصرية المتخصصة في الشأن الصيني، نادية حلمي، أن مصر تتجه لمرحلة جديدة من الشراكة مع الصين، وأنها تعلن محطة بارزة في مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وتدفع بالتعاون العسكري والدفاعي والتكنولوجي والاقتصادي نحو آفاق أوسع.

وأعربت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقادها أن تعود هذه المسارات إيجاباً على مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في إطار التوازن الاستراتيجي المرن الذي تنتهجه القاهرة.

تسير المركبات أسفل شاشة كبيرة تعرض صورتين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ في القاهرة (أ ف ب)

«على مسافة متزنة»

وأمام ما صاحب الزيارة من تقديرات بأن القاهرة تبعد عن واشنطن وتتجه شرقاً لبكين، قال الرئيس المصري في مقاله: «تمسكت مصر بسياسة الاتزان الاستراتيجي كوجهة للسياسة الخارجية المصرية في وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس، مؤكدةً على سياستها الخارجية المستقلة، وداعيةً لتنسيق جهود المجتمع الدولي للتغلب على التحديات العالمية التي باتت تهدد العالم بأسره».

كما كتب الرئيس الصيني في مقاله: «صمدت العلاقات الصينية - المصرية أمام اختبار تغيرات الأوضاع الدولية، وظلت تحافظ على اتجاه تطورها دون انحراف وطبيعتها دون تغيير وديناميكيتها دون تراجع»؛ مؤكداً أن الجانب الصيني يحرص على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصري لتعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما.

ويعتقد نادر رونغ هوان أن مصر ستواصل التمسك بالتوازن الاستراتيجي وتطوير العلاقات مع جميع الدول، مؤكداً أن الصين لا تجبرها على الوقوف في أي جانب؛ لأن التعاون بين الجانبين «قائم على الاحترام المتبادل، والمساواة، والمصلحة المتبادلة، ودون شروط. وهذا يصب في صالح مصر واستمرار علاقاتها مع واشنطن أو غيرها».

في حين لا تعتقد نادية حلمي أن يكون للزيارة تأثير على الدعم الأميركي لمصر، موضحة أن زيارة الرئيس الصيني للقاهرة «تأكيد على محورية مصر، ورسالة صينية واضحة بأن القاهرة تظل الركيزة الأساسية للأمن والاستقرار الإقليميين».

وأضافت أن ذلك سيعزز سياسة القاهرة في الوقوف على مسافة متزنة من الأطراف الدولية كافة، بما ذلك الصين وروسيا والولايات المتحدة، «دون أن تخسر أحداً».


مقالات ذات صلة

مصر تدعو إلى خفض التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول السياسية

شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري والمبعوث الأوروبي الخاص بمنطقة الخليج (الخارجية المصرية)

مصر تدعو إلى خفض التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول السياسية

دعت مصر إلى خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليميين وشددت على ضرورة ضمان أمن وحرية الملاحة البحرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط

عصام فضل (القاهرة )
العالم العربي لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)

«لا شبهة جنائية» في وفاة عسكري يمني بارز بأسوان

أعلنت السفارة اليمنية في القاهرة وفاة العميد محمد علي مهدي هادي في أحد فنادق مدينة أسوان (جنوب مصر)، واستبعدت «أي شبهة جنائية في الحادث».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سودانيون بمصر في طريق العودة للسودان (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

مصر: الضغوط الاقتصادية تجدد الجدل حول «أعباء الوافدين»

جدّدت الضغوط الاقتصادية التي تعيشها مصر حالة الجدل المرتبطة باستضافة ملايين الوافدين وتكلفة إقامتهم فيها

رحاب عليوة (القاهرة )

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
TT

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)

تضع قضية تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو العلاقات بين الجزائر وإسبانيا أمام اختبار عسير، بعد أن خرجت منذ فترة قصيرة من أزمة حادة لامست القطيعة بسبب اعتراف مدريد عام 2022 بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء.

ويُعد رجل الأعمال والمعارض الجزائري واحداً من أكثر الشخصيات ملاحقة من طرف الجزائر، لارتباطه بوجهاء النظام المتهمين بالفساد خلال فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019).

أما عيسيو فقال، في تصريحات حديثة نقلتها صحيفة «ذي أوبجكتيف» الإخبارية الإسبانية، إنه يخشى أن يؤدي الإفراج عنه في إسبانيا إلى اندلاع أزمة دبلوماسية جديدة مع الجزائر. وكانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها للصحافة منذ استعاد حريته، بعد أن ظل رهن الحبس الاحتياطي في إسبانيا.

رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو (ناشطون في مجال محاربة الفساد)

وتنظر المحكمة الوطنية الإسبانية، حالياً، في طلب التسليم الذي تقدمت به الجزائر.

وكانت محاكم جزائرية قد أصدرت بحقه عدة أحكام بالسجن في عدة قضايا، أحدثها عام 2025، بتهم تتعلق بالفساد والتزوير وتبييض الأموال، غير أن عيسيو يؤكد أن الأمر برمته «ذو خلفية سياسية» مرتبطة بنشاطه الإعلامي ومواقفه المعارضة.

الملاحقة القضائية

كان قد تم توقيف رجل الأعمال الأربعيني يوم 25 يوليو (تموز) الماضي في مطار برشلونة عندما كان عائداً من المغرب. وفي 4 سبتمبر (أيلول) الحالي غادر السجن، بعد أن طلبت النيابة الإفراج عنه، وقررت استبدال عدة تدابير احترازية بالحبس الاحتياطي، من بينها سحب جواز السفر، ومنعه من مغادرة إسبانيا، وإلزامه بإبلاغ المحكمة بأي تغيير في محل إقامته، والمثول أمامها كل أسبوعين.

ومنذ أن استعاد حريته، طُرح هذا السؤال في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية: ماذا سيحدث بين إسبانيا والجزائر لو ثبّتت المحكمة قرار رفض تسليمه؟

ولا يزال يتعيّن على المحكمة الوطنية الإسبانية أن تبت في الطلب الذي قدمته الجزائر. وسيواجه عيسيو هذه المرحلة وهو طليق.

وبعد سنوات من المواجهة مع الحكومة الجزائرية، ومن تهديدات يقول إنه تعرض لها في فرنسا، ومن سجنه في إسبانيا، يرى عيسيو أن الإفراج عنه قد زاد الصراع حدة، ويؤكد أن قضيته تحولت إلى «مسألة سياسية من الدرجة الأولى» في الجزائر.

ويدفع عيسيو عن نفسه صفة «الهارب» التي تنسبها إليه الجزائر، ويقول إنه خلال السنوات الأخيرة سافر عبر بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإسبانيا وبلدان أوروبية أخرى، من دون اختباء أو خوف من توقيفه.

كواليس إمبراطوريته

تعود مشكلات عيسيو مع القضاء الإسباني إلى متابعات في الجزائر تتعلق بـ«التزوير وغسل الأموال»، حيث سارعت النيابة العامة الجزائرية فور توقيفه إلى إرسال ملف تسليم متكامل إلى السلطات الإسبانية المختصة.

وكان عيسيو يتنقل بحرية بين عواصم أوروبية وعربية مستعيناً بجواز سفر ووثائق ثبوتية تعود إلى جمهورية أنتيغوا وبربودا في الكاريبي، اشتراها بمبلغ 150 ألف دولار، «معتقداً أنه بمنأى عن الملاحقة القضائية»، وفقاً لما كتبته صحيفة «الوطن» الجزائرية بعد توقيفه.

وعيسيو هو صهر رجل الأعمال، عضو حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، بشير ولد زميرلي، المسجون في الجزائر بتهم «الفساد المالي»، وهو أيضاً محسوب على فريق الحكم السابق.

سقوط الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجّلت بمحاكمة رجال في دائرته بتهم فساد (الشرق الأوسط)

وشقّ عيسيو، الذي انطلق أواخر التسعينات وبداية الألفينات بائعاً للمأكولات السريعة بالعاصمة، طريق صعود لافت توَّجه بتأسيس إمبراطورية مالية وتجارية شملت الاستيراد، والزراعة، والمنتجات الغذائية، ومواد البناء، والمقاولات العقارية، بالإضافة إلى إطلاق قناة «الجزائرية وان» عام 2012، التي أُغلقت، وهي حالياً منصة رقمية يديرها عيسيو بنفسه، تنشر مقالات شديدة اللهجة ضد السلطة في الجزائر.

ومع اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، سارع لتهريب أمواله إلى الخارج، وتحويل أصوله نحو فرنسا وسويسرا وكندا وإسبانيا، تاركاً أشقاءه الخمسة وصهره في الواجهة لإدارة أعماله ومشروعات العقار غير المكتملة.

وأفضت التحقيقات القضائية التي أُعيد فتحها بدءاً من عام 2024 إلى كشف ثروات هائلة تعود إليه وإلى أقاربه تُقدّر بنحو 30 مليار دينار (نحو 225 مليون دولار)، شملت 17 شركة وعشرات العقارات الصناعية والزراعية والمركبات السكنية الفاخرة بالعاصمة وفي وهران.

وشكّل «ملف استعادة الأصول والممتلكات المُهربة إلى إسبانيا» محور مباحثات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع المسؤولين الجزائريين خلال زيارته للجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي، متزامناً مع تعهدات بمضاعفة التعاون، استناداً إلى سابقة استعادة الجزائر فندقاً فاخراً ببرشلونة يعود إلى رجل الأعمال المدان بالفساد علي حداد.

ومنذ عام 2019، سلمت مدريد الجزائر عدداً من الرعايا المطلوبين قضائياً في قضايا فساد واختلاس، طالت على وجه الخصوص مسؤولين في شركات عمومية ومتعاملين اقتصاديين متورطين في تهريب أموال وتحويلات غير مشروعة، إلى جانب ناشطين محسوبين على معارضة الحكومة الجزائرية. كما سُلّم عسكريون معارضون، أشهرهم محمد بن حليمة ومحمد عبد الله.


الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يعود كثر إلى بلدٍ ما زال يرزح تحت وطأة النزاع، حيث المنازل والمدارس والعيادات المتضرّرة غير قادرة على تلبية الاحتياجات». وأضافت: «من دون دعم عاجل، تواجه الأسر خطر النزوح مجدداً».

وتستمر الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص بحسب تقديرات عاملين في مجال الإغاثة، وتشريد أكثر من 12 مليون سوداني، في أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو خمسة ملايين فروا إلى دول الجوار. لكن بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في العام الماضي، بدأ كثر ممن نزحوا يعودون إلى العاصمة ومناطق أخرى يعتقدون أن الوضع الأمني فيها قد تحسّن.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن بيانات جديدة تشير إلى أن 5.15 مليون شخص عادوا إلى 76 محلّة في تسع ولايات سودانية، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالشهر الماضي.

وأشارت إلى أن 8.58 مليون شخص ما زالوا نازحين داخلياً، موضحة أن هذا الرقم أقل بنسبة 1 في المائة عن الشهر الماضي، وأدنى بنحو الربع مقارنة بذروة الأزمة. وعلى الرغم من هذا التراجع، لفتت الوكالة إلى أن أعداد النازحين في السودان تُعد من الأكبر في العالم.

واعتبرت أن انعدام الأمن المستمر ما زال يدفع مزيداً من الناس إلى ترك ديارهم في أنحاء من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

مع ذلك، رحّبت المنظمة الدولية للهجرة بتجاوز عتبة خمسة ملايين عائد، معتبرة ذلك «علامة نادرة على إحراز تقدّم في أزمة إنسانية طويلة الأمد».

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في بيان: «لكن الوصول إلى الديار هو مجرّد بداية». وأضافت: «إذا لم نساعدهم الآن، سيُجبر كثر على النزوح مجدداً. علينا أن نستثمر في هذه المجتمعات اليوم لكي يتمكن الناس من إعادة بناء حياتهم والبقاء».

وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا قد نزحوا داخلياً، في حين عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا. ولفتت إلى أن نصف العائدين هم دون الثامنة عشرة.


«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
TT

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم حدودها البحرية في شرق البحر المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011، ما يؤجل حسم الاتفاقات البحرية ويجعلها رهناً بتوافقات داخلية وحسابات إقليمية تتجاوز الجوانب القانونية والفنية للملف.

وعادت قضية ترسيم الحدود البحرية إلى الواجهة خلال مباحثات لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الليبي مع أعضاء في البرلمان اليوناني نهاية الأسبوع الماضي في أثينا، وسط تأكيد ليبي أن اتفاقات ترسيم الحدود البحرية لا تزال قيد الدراسة داخل البرلمان في بنغازي، مع مراعاة مصالح جميع الدول المعنية بالحدود وفق الأطر القانونية ذات الصلة.

ويعكس هذا الموقف حرصاً برلمانياً على إبقاء ملف الحدود البحرية ضمن مسار مؤسسي، في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا، وتعقيدات القضايا المرتبطة بترسيم الحدود مع دول الجوار والمتوسط.

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وعبّر نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية، حسن البرغوثي، عن هذا التوجه في بيان أصدره المجلس، قائلاً: «إن التعامل مع هذه الملفات يتطلب الحوار والهدوء، إلى حين بلوغ البلاد مرحلة أكثر استقراراً تسمح بحسمها».

«تشابك المصالح»

تكتسب المسألة حساسية خاصة بسبب تشابك المصالح الليبية مع تركيا واليونان ومصر، فضلاً عن ارتباطها باحتياطات النفط والغاز ومسارات الاستثمار في شرق المتوسط.

ويزيد الانقسام الداخلي من صعوبة بلورة موقف ليبي موحد، في وقت تتوزع فيه السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق.

وفي هذا السياق، يتبنى عضو مجلس النواب، عبد السلام نصية، وجهة النظر القائلة بأن حسم ملف الحدود البحرية وحماية الموارد الليبية «يبدأ من معالجة الانقسام الداخلي، وتوحيد مؤسسات الدولة والقرار السيادي».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية الطويلة جعلت ليبيا ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية».

وذهب نصية إلى التأكيد على أن الموقف الليبي من شرق المتوسط ينبغي أن ينطلق من «المصلحة الوطنية العليا لليبيا»، وليس من الاصطفاف مع تركيا أو اليونان.

وفسّر موقفه بأن «توحيد مؤسسات الدولة وبناء قدرة وطنية على حماية الحدود وإدارة الموارد يتيحان لليبيا الدفاع عن مصالحها البحرية وفق القانون الدولي، والتعامل مع التفاعلات الإقليمية بوصفها دولة صاحبة قرار».

تعقيدات قانونية وسياسية

يعود أصل الخلاف إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين حكومة «الوفاق» السابقة في غرب ليبيا وتركيا عام 2019 إبان حرب العاصمة طرابلس، والتي اعترضت عليها سلطات شرق ليبيا حينذاك، وجوبهت برفض اليونان لما تقول إنه تأثير على حقوق الجزر اليونانية، خصوصاً كريت، بينما تتمسك أنقرة بمفاعيلها القانونية.

وخلال العامين الأخيرين، وتوازياً مع تحسن العلاقات بين شرق ليبيا وتركيا، اتخذت الخلافات مساراً أكثر تعقيداً حول طريقة احتساب الحدود البحرية، خصوصاً في خليج سرت، والأثر القانوني للجزر. وبدا ذلك جلياً مع تصاعد التوتر في يونيو (حزيران) 2025 بعد طرح اليونان مناطق للاستكشاف جنوب كريت؛ مما دفع حكومة حماد للاعتراض والمطالبة بالحوار ومراجعة الاتفاقات.

أما حكومة الدبيبة، فقد سبق وانخرطت في جولات حوار مع الجانب اليوناني بهدف حلحلة النقاط العالقة في ملف الحدود البحرية، وهي الجولات التي واكبتها تقارير إعلامية ليبية ويونانية تشير إلى وجود تعقيدات قانونية وسياسية تعرقل التقدم السريع في المفاوضات.

فقانونياً، يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية من القضايا الشائكة التي تتطلب دراسة قانونية وفنية وسياسية متأنية قبل أن يتخذ مجلس النواب موقفاً نهائياً من الاتفاقية الموقعة مع تركيا، وهي الرؤية التي يؤيدها الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي الدكتور محمد الزبيدي.

ويضيف الزبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المدخل الأساسي لحل هذه التعقيدات يتمثل في فحص مدى اتساق ترتيبات ترسيم المناطق البحرية مع قواعد القانون الدولي للبحار، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلى جانب مراجعة الإحداثيات وخطوط الترسيم الواردة في الاتفاق، والاستعانة بخبراء متخصصين في القانون الدولي وقانون البحار.

ويحذر الزبيدي من أن سيناريو تمرير الاتفاقيات البحرية برلمانياً «قد يُدخل البلاد في نزاعات بحرية يمكن أن تصل إلى القضاء أو التحكيم الدولي، وتحديداً محكمة العدل الدولية، في حال تضرر إحدى الدول».

أبعاد جيوسياسية

ولا تبدو الإشكالية قانونية فحسب؛ إذ ترتبط -وفق رأي الزبيدي- بأبعاد سياسية وجيوسياسية بالنظر إلى موقع ليبيا في وسط البحر المتوسط وتشابك مصالحها البحرية مع دول المنطقة، خصوصاً مصر واليونان ومالطا وتركيا، ويقول: «أي ترتيب بحري بين ليبيا وتركيا يمكن أن تكون له انعكاسات على مصالح دول أخرى».

وتطرق الزبيدي إلى وجود ضغوط تركية مستمرة لتمرير المذكرة البحرية بالنظر إلى نفوذها العسكري في غرب ليبيا، لكنه أشار إلى أن تأجيل الحسم لا يعني بالضرورة إغلاق الملف، وإنما إبقاءه في مرحلة الدراسة والمراجعة إلى حين توافر ظروف سياسية أكثر استقراراً تسمح ببلورة موقف ليبي موحد.

ويبدو أن المصلحة الليبية، من منظور الزبيدي ودبلوماسيين ليبيين، «تقتضي عدم اختزال القضية في حسابات سياسية آنية»، بل موازنة الاعتبارات القانونية والفنية مع علاقات ليبيا بدول الجوار والمتوسط.

Your Premium trial has ended