باتت الانشقاقات تضرب صفوف الجماعات المسلحة المتمردة الناشطة في الجنوب الليبي، مع إعلان قائد بارز في حركة «السمسير» التشادية انشقاقه وتسليم نفسه، مع عدد من عناصر الحركة إلى «الجيش الوطني» الليبي، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الليبية - التشادية المشتركة على الحدود، وسط تصاعد الضغوط على ما تُعرف بـ«غرفة تحرير الجنوب»، بقيادة المسلح محمد وردقو.
ويرى متابعون أن هذا الانشقاق داخل صفوف المسلحين بالجنوب الليبي، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية والتنسيق الأمني بين ليبيا وتشاد، قد يفرض واقعاً جديداً على المشهد الأمني في الجنوب، ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على الاحتفاظ بوجودها في المناطق الحدودية، خصوصاً إذا اتسعت وتيرة الانشقاقات خلال الفترة المقبلة.
وفي وقت متأخر من مساء الجمعة، جاء الإعلان المفاجئ من جانب صالح آدم إسحاق، قائد حركة «السمسير» التشادية المنشقة، عن انشقاقه مع عدد من عناصر الحركة وتسليم أنفسهم طوعاً، برفقة أسلحتهم وآلياتهم إلى «الجيش الوطني» الليبي، وانسحابهم من التمرد الذي يقوده محمد وردقو، وفق تسجيل مصور متداول في وسائل إعلام محلية.

وبرر إسحاق قراره بأنه جاء بعد مراجعة لمسار الحركة، معرباً عن أمله في أن يتولى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، التوسط لدى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي لتأمين عودتهم إلى تشاد، والمساهمة في ترسيخ الأمن والاستقرار هناك.
كما دعا بقية عناصر الحركة إلى «تغليب صوت العقل والانخراط في مسار السلام»، والتخلي عن القتال، مؤكداً أن استمرار المواجهات لن يحقق أي مكاسب. وبرر انشقاقه بما وصفه بـ«انحراف» قيادة الحركة عن أهدافها، متهماً رئيسها محمد علي يوسف، ومحمد وردقو، باستغلال عناصر الحركة لخدمة مصالح شخصية، والزج بهم في مواجهة القوات المسلحة الليبية.
ولم تعلق «غرفة عمليات الجنوب» على التطورات الأخيرة عبر حسابها الرسمي على موقع «فيسبوك»، الذي لم يشهد أي نشاط منذ 19 يوليو (تموز) الماضي، حين ظهر قائدها محمد وردقو داعياً المكونات الاجتماعية والقبلية في الجنوب إلى الالتفاف حول قواته، عقب هجوم تبنته الغرفة على بوابة أرينديغا، قالت إنه أسفر عن أسر عدد من عناصر «الجيش الوطني» الليبي.
وتشير مصادر مقربة من «الجيش الوطني» إلى أن عدداً كبيراً من أفراد حركة «السمسير» سلموا أنفسهم طوعاً، مع آلياتهم وأسلحتهم إلى «الجيش الوطني»، بعد مفاوضات استمرت لفترة. وفي هذا السياق، يشير الناشط السياسي المقرب من القيادة العامة، محمد قشوط، إلى جهود بذلها الفريق صدام حفتر، إلى جانب ما وصفه بـ«الضمانات الصادقة»، التي شجعتهم على التخلي عن القتال.
ويبدو أن انشقاق عدد من عناصر حركة «السمسير» التشادية يمثل من منظور البعض «مؤشراً قوياً» على تفكك ما يُعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب»، وحدوث مزيد من التصدع في صفوفها، وهي رؤية المحلل العسكري محمد الترهوني، معتبراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المجموعة «لا تعدو كونها عناصر تتحرك بمركبات آلية بين نقاط متفرقة على الحدود الجنوبية»، مبرزاً أن تضييق الخناق عليها دفع بعض أفرادها إلى الانشقاق.

ويقول الترهوني إن هذا التطور يعكس هشاشة بنية المجموعة، وتراجع قدرتها على الاستمرار، مبرزاً أن خياراتها أصبحت محدودة في ظل العمليات العسكرية الجارية جنوب البلاد، ومؤكداً أن عدداً من الأطراف الداخلية بدأ يتراجع عن دعم «غرفة عمليات الجنوب» عقب العمليات التي تنفذها القوات المسلحة، إلى جانب جولة نائب قائد الجيش الفريق أول صدام حفتر في مدن الجنوب، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة نهاية هذا التمرد.
ويتزامن انشقاق عناصر حركة «السمسير» مع تكثيف القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» تحركاتها في الجنوب، حيث أجرى الفريق صدام حفتر خلال الأيام الماضية جولة ميدانية، شملت (يوم الجمعة) قاعدة الواو العسكرية في أقصى الجنوب، للاطلاع على جاهزية الوحدات العسكرية، ومتابعة سير العمليات ضد الجماعات المسلحة المنتشرة في إقليم فزان، بحسب وسائل إعلام محلية.
كما استحوذت التحديات الأمنية على الحدود الليبية - التشادية على المحادثات التي جمعت، الأحد الماضي، الفريق صدام حفتر بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد ما تُعرف بـ«غرفة تحرير الجنوب».
وتشير تقديرات بحثية إلى أن «متمردي الجنوب» هو تشكيل من «المرتزقة الهجين»، يضم عناصر ليبية وأجنبية تتبدل ولاءاتها وفقاً للمصالح. وسبق أن قال مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف بوفردة، إن هذا التشكيل يضم بقايا عناصر من «جبهة التغيير والوفاق في تشاد (فاكت)» الذين بقي قسم منهم في ليبيا بعد «اتفاق الدوحة»، إلى جانب عناصر من قبائل التبو، وآخرين قاتلوا سابقاً إلى جانب «الجيش الوطني» خلال حرب طرابلس (2019 - 2020) قبل أن ينشقوا عنه.

وكانت قوة عسكرية مشتركة بين «الجيش الوطني» الليبي والجيش التشادي قد كثفت، الأسبوع الماضي، عملياتها لتأمين الحدود الجنوبية، بالتزامن مع استمرار العملية العسكرية ضد الجماعات المسلحة في إقليم فزان، وهو ما جاء بعد 9 أشهر من إعلان «الجيش الوطني» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تشكيل قوة مشتركة مع تشاد لحماية الحدود الجنوبية، في خطوة عززت انتشاره على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين، البالغ طوله نحو 1050 كيلومتراً.
وتحول الجنوب الليبي خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز لعدد من الجماعات المسلحة القادمة من دول الجوار، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، وارتباط نشاطها بعمليات تهريب البشر والأسلحة والوقود، فضلاً عن الصراع على مناطق التعدين غير المشروع عن الذهب.
