السودان: تعدد الميليشيات يثير مخاوف حروب جديدة

تواصل الانشقاقات عن «قوات الدعم السريع»

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودان: تعدد الميليشيات يثير مخاوف حروب جديدة

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

أصبح تعدد الميليشيات في السودان وتكاثرها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يثير مخاوف بين السودانيين من اندلاع حروب ونزاعات مسلحة جديدة تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد، وبعضها يقوم على أسس عرقية أو قبلية أو مناطقية.

وتجوب مركبات عسكرية مزوّدة بصواريخ شوارع الخرطوم حيث يتجوّل مسلحون شاهرين بنادقهم، رغم تأكيد الجيش انتهاء المعارك في العاصمة، ما يثير المخاوف من اندلاع نزاع جديد بعدما دمّرت الحرب المدينة وشرّدت الملايين.

في العام الرابع من الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، الحليفين السابقين، يستند الجيش إلى تحالفات مع مجموعات مسلحة أخرى.

وقال كاتب سوداني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم الكشف عن اسمه حفاظاً على سلامته: «شاهدنا هذا السيناريو مراراً وتكراراً... الوعود والأخطاء ذاتها. وهي مسألة وقت فقط قبل أن تنقلب هذه المجموعات المسلحة ضد بعضها».

نفوذ الجماعات المسلحة

بين عشرات المجموعات المسلحة النشطة في مناطق سيطرة الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، تعتبر الأقوى منها والأهم هي «القوة المشتركة»، وهي تحالف بين جماعات مسلحة من دارفور و«قوات درع السودان»، وهي مجموعة منشقة عن «قوات الدعم السريع» و«كتيبة براء بن مالك»، وهي مجموعة مسلحة إسلامية.

ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023، ارتفعت أعداد المنضمين إلى تلك المجموعات التي تملك مدفعية وصواريخ مضادة للطائرات وطائرات مسيّرة فتاكة. وفي مناطق سيطرة الجيش يتهامس سودانيون تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، بأن انقلاب تلك المجموعات ضد بعضها مسألة وقت فقط.

ويقول أحد سكان الخرطوم، وهو أب يبلغ 50 عاماً: «حظرت الحكومة التجوّل بالسلاح، ولكن ما زلنا نرى مسلحين وسط المواطنين في الأسواق وفي الشوارع، ما يثير مخاوف كبيرة». وفي مطعم بالخرطوم، جلس مسلحون من «القوة المشتركة» مرتدين العمامات الدارفورية التقليدية (الكدمول)، وهم يحملون بنادقهم إلى طاولة مجاورة لجنود جيش غير مسلحين.

وعند أطراف الخرطوم، شاهد فريق من «وكالة الصحافة الفرنسية» مقاتلين من «كتيبة براء ابن مالك»، أحدهم بلباس مدني ويحمل بندقية كلاشينكوف على كتفه، يوقفون السيارات المارة.

ولاية الجزيرة

أرشيفية متداولة للقائد المنشق أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) مع عناصر من «الدعم السريع» قبل انضمامه للجيش

وفي ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم، أقامت «قوات درع السودان» التي يقودها المنشق عن «قوات الدعم السريع» أبو عاقلة كيكل، نقاط تفتيش توقف المدنيين في الشوارع التي تسيطر عليها الآن باسم التحالف مع الجيش، بعدما ارتكبت فيها انتهاكات كبيرة نيابة عن «الدعم السريع» قبل عامين.

وتقول ناشطة في العشرينات تعيش في الولاية إن مقاتلي «درع السودان» يتصرفون كأنهم يملكون ولاية الجزيرة. وأضافت: «لا يمكن أن أثق في أي منهم أبداً. لا أحد يعلم لمن يدينون بالولاء».

لعقود طويلة، أوكل الجيش حروبه لمجموعات مسلحة خاصة في المناطق النائية. ففي مطلع الألفية الثانية، أوكل الرئيس السابق عمر البشير لـ«قوات الجنجويد» قمع تمرّد أقليات عرقية في إقليم دارفور في غرب البلاد، حيث وقعت مذابح راح ضحيتها أكثر من 300 ألف شخص.

وفي عام 2013، حوّل البشير «قوات الجنجويد» إلى «قوات الدعم السريع» وضمها إلى جيشه، تحت قيادة محمد حمدان دقلو الملقّب بـ«حميدتي». لكن بعد ستة أعوام، انقلب حميدتي على البشير إبان الاحتجاجات الشعبية الواسعة في عامي 2018 و2019 التي انتهت بإطاحة البشير. ثم تولّى البرهان قيادة الجيش ورئاسة المجلس السيادي، أعلى سلطة في البلاد، وكان دقلو نائبه.

مغادرة العاصمة

قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش ياسر العطا (متداولة)

صمد تحالف البرهان وحميدتي بضعة أعوام، ونفّذا معاً انقلاباً عام 2021 لإخراج المدنيين من الحكومة الانتقالية.

وفي كلمة في أبريل 2022، قبل عام واحد من اندلاع حربهما، أكد البرهان أمام مقاتلي «الدعم السريع» أنه «مستحيل... مستحيل أن يحدث قتال بيننا». لكن القتال اندلع بعد حين.

وأودت الحرب حتى الآن بحياة أكثر من 200 ألف شخص، وفقاً لبعض التقديرات.

وأمر البرهان المجموعات المسلحة التي ساعدته في طرد «قوات الدعم السريع» من العاصمة الخرطوم في العام الماضي، بمغادرة العاصمة، لكنها لا تزال تتجوّل بالسلاح في شوارعها حتى اليوم. كما يحاول البرهان كبح جماح «كتيبة البراء بن مالك»، وهي الجناح المسلّح للحركة الإسلامية المرتبطة بحكم عمر البشير والخاضعة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

«حميدتي القادم»

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

ويرى دبلوماسي يعمل في السودان أن كثيراً من هذه المجموعات المسلحة «تسعى وراء مصالحها... وليست لديها استراتيجية ولا أي تخطيط للمستقبل. وإذا شعر قادتها بأنهم لم يحصلوا على ما تمّ الاتفاق عليه، سينسحبون». وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» متسائلاً: «ما هي القوات المشتركة؟ إنها (حميدتي القادم) في المستقبل».

وتقول إحدى سكان العاصمة، في الأربعين من عمرها، إن المسلحين يسيرون في الخرطوم «كأنهم يبحثون عن المشاكل... والمواطنون خائفون من حرب جديدة بين القوة المشتركة والجيش».

ويقود «القوة المشتركة» شخصان هما: مني أركو مناوي حاكم إقليم دارفور الذي عيّنه الجيش، وأيضاً وزير المالية جبريل إبراهيم.

وترى المحلّلة السودانية خلود خير أن «القوة المشتركة» والجيش «متّحدان ضد (قوات الدعم السريع) باعتبارها عدواً مشتركاً، لكن لا يوجد ما يربطهما أكثر من ذلك»، مرجحة وجود أكثر من شخص مرشح ليكون «حميدتي القادم».

ولعلّ أخطرهم هو أبو عاقلة كيكل، بحسب خلود خير، وهو من أبناء ولاية الجزيرة التي يسيطر عليها الآن. ومنذ انشقاقه عن «الدعم السريع» في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ظهر كيكل كثيراً إلى جانب البرهان. وترى خلود خير أنه أنشأ «إقطاعية خاصة به في ولاية الجزيرة حيث يتمتع بسلطة مطلقة... وإذا كان هناك من يسير على خطى (الدعم السريع) فهو كيكل». وتساءلت: «في الوقت الراهن، العلاقة بين كيكل والبرهان جيدة، ولكن ماذا سيحدث عندما يقرّر كيكل أنه يريد شيئاً يرفض البرهان منحه إياه؟».

انشقاقات جديدة من «الدعم السريع»

أرشيفية لجنود من «قوات الدعم السريع» (أ.ب)

في غضون ذلك، أعلنت مصادر محلية سودانية أن نحو 280 جندياً على متن 30 عربة قتالية قادمة من إقليم دارفور في السودان، انشقوا عن «قوات الدعم السريع» وانضموا إلى الجيش. وظهر قائد القوة المنشقة، اللواء حسين الدودو، في مقطع مصور معلناً اعتذاره بشدة عن الانتهاكات التي ارتكبتها «قوات الدعم السريع».

في الأثناء، قال وزير الدفاع السوداني، حسن داؤود كبرون، يوم الخميس، إن «قوات الدعم السريع» تعيش أضعف حالاتها، وإن «ما تنفذه من هجمات وأعمال نهب وسرقة في بعض المناطق في إقليمي دارفور وكردفان يُعد مؤشراً على تراجعها».

ميدانياً، ذكرت مصادر عسكرية أن حشوداً تابعة لكل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تتجمع في عدد من المناطق بشمال إقليم دارفور، على الحدود مع دولة تشاد، ما ينذر بعودة القتال إلى تلك المناطق. كما تجدَّدت المعارك بالفعل بين الطرفين في غرب دارفور، بعدما حاول الجيش تنفيذ توغل بري بعد أشهر طويلة من سيطرة «قوات الدعم السريع» على كامل الإقليم.


مقالات ذات صلة

«الجنائية الدولية» تُسقط الدعوى ضد زعيم إحدى ميليشيات السودان

شمال افريقيا عبد الله بندا خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية في يونيو 2010 (موقع المحكمة)

«الجنائية الدولية» تُسقط الدعوى ضد زعيم إحدى ميليشيات السودان

أنهى قضاة المحكمة الجنائية الدولية، يوم الخميس، الإجراءات القانونية ضد الزعيم السابق لإحدى الجماعات المسلّحة في إقليم دارفور بالسودان، بعدما سحب الادعاء التهم.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)

النيل ينحسر... والسودان يواجه اختبار المياه

تحول انخفاض منسوب مياه النيل في السودان إلى أزمة أدت إلى خروج محطات مياه الشرب عن الخدمة وأثارت مخاوف من امتدادها للموسم الزراعي.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا معاناة وجوع يرتسمان في محيا سودانية بمخيم الحمانية للنازحين جنوب كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

الفقر يحاصر 83 % من السودانيين قبل الحرب

أظهر مسح الفقر المتعدد الأبعاد عن عام 2023، أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي، أن 82.8 % من السودانيين كانوا يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

البرهان يطلق مشاورات الحوار الوطني الداخلي السوداني

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مع «الكتلة الديمقراطية» إطلاق حوار سياسي داخلي... فيما احتضنت نيروبي اجتماعات لقوى «صمود».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا دبابتان متضررتان أمام مبنى بنك السودان المركزي بعدما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة في أبريل 2025 (أ.ف.ب) p-circle

السودان يرفض العقوبات الأميركية واتهامه باستخدام أسلحة كيماوية

رفضت الحكومة السودانية بشدة العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية عليها، بسبب اتهامها للجيش باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)