«حوار وطني» مرتقب تتجه إليه الكونغو الديمقراطية، الغارقة في صراع مسلح شرقي البلاد وخلافات سياسية بشأن محاولة تعديل الدستور لتمديد ولاية الرئيس فيليكس تشيسيكيدي.
ويرى خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الحوار، الذي أعلن عنه تشيسيكيدي، ولم يُحدد موعده بعد، «قد يقود إلى تفاهمات سياسية إذا استند جدول أعماله إلى مسار جاد، وإلا فلن تتقبله المعارضة وقد تزداد الأوضاع سوءاً».
وبدأ تشيسيكيدي (62 عاماً) ولايته الأولى في يناير (كانون الثاني) 2019، التي استمرت حتى 2023، قبل انتخابه لولاية ثانية من 2024 إلى 2029. ويُقيد الدستور الحالي، الصادر عام 2006، الرئاسة بفترتين فقط، مدة كل منهما 5 سنوات، ما يعني عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة أغلبية البرلمان وإجراء استفتاء شعبي. وقد قوبل هذا المسار برفض واسع من المعارضة على مدار الأشهر الماضية.
وأعلن تشيسيكيدي عن إقامة «حوار وطني» في البلاد، وفق ما أفادت الرئاسة الكونغولية مساء السبت، وهي خطوة كانت تدعو إليها المعارضة التي تتهم الرئيس بالسعي إلى البقاء في السلطة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».
وحسب بيان للرئاسة نُشر عبر منصة «إكس»، أكد تشيسيكيدي «تنظيم حوار وطني يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني في ظل عودة عمليات حركة (23 مارس) المناهضة للحكومة، والتي سيطرت على مساحات شاسعة من الأراضي في الشرق بدعم من كيغالي».
وجاء إعلان تشيسيكيدي عقب اجتماع بين الرئيس الكونغولي وممثلين عن الطوائف الدينية الرئيسية في البلاد.
ويشهد شرق الكونغو الديمقراطية اضطرابات أمنية مع جماعات متمردة، أبرزها حركة «23 مارس» بخلاف جماعة متطرفة محسوبة على تنظيم «داعش» الإرهابي، كما تعاني البلاد تفشي فيروس «إيبولا»، ومع وجود 7 ملايين نازح في البلاد، ووصفت الأمم المتحدة الصراع في شرق الكونغو، الذي تصاعد منذ بداية 2025، بأنه «من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وخطورة على وجه الأرض».
ويمكن النظر إلى دعوة الرئيس تشيسيكيدي لإطلاق «حوار وطني» من زاويتين متباينتين، حسب الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى، موضحاً أنها من ناحية، «تبدو استجابة لمطالب المعارضة والقوى الدينية التي دعت إلى حوار شامل لمعالجة الأزمة السياسية والأمنية، لا سيما في ظل استمرار التحديات الأمنية في شرق البلاد، وهو ما قد يُسهم في تخفيف حدة الاستقطاب وتهيئة الظروف لتوافق وطني، ومن ناحية أخرى، لا تخفي المعارضة مخاوفها من أن يتحول هذا الحوار إلى منصة لإعادة فتح ملف تعديل الدستور، بما قد يُتيح للرئيس الترشح لولاية ثالثة بعد انتهاء ولايته الحالية».
وتستند هذه المخاوف إلى الجدل الذي أثاره مشروع تنظيم الاستفتاء، وإلى تجارب عدد من الدول الأفريقية التي استخدمت فيها الحوارات الوطنية أو الإصلاحات الدستورية، لإزالة القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية.

ويُشكل التوازن بين السلطة والمعارضة والمؤسسات الدينية وفق إسحاق، أحد أهم المحددات لمستقبل المشهد السياسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، نظراً للدور الذي تضطلع به هذه الأطراف في توجيه الحياة السياسية وصياغة التوافقات الوطنية، لافتاً إلى أن السلطة «تسعى إلى تعزيز الاستقرار والحفاظ على شرعيتها، في ظل تحديات أمنية متصاعدة، في حين تعمل المعارضة على ضمان احترام الدستور وتوسيع المشاركة السياسية، وتتمتع المؤسسات الدينية، ولا سيما الكنائس، بقدر كبير من الثقة المجتمعية، ما يؤهلها للقيام بدور الوسيط بين مختلف الأطراف».
ويبقى تقييم المبادرة، حسب إسحاق، «مرهوناً بطبيعة جدول أعمال الحوار، ومدى شموله جميع القوى السياسية، وما إذا كانت مخرجاته ستقتصر على معالجة الأزمات الأمنية والسياسية والإصلاحات المؤسسية، أم ستتجه إلى تعديل الدستور وإعادة صياغة قواعد التنافس السياسي».
ورغم المخاوف، يرى الخبير في الشؤون الأفريقية أن دعوة الرئيس تشيسيكيدي إلى الحوار الوطني «محطة مفصلية في المشهد السياسي الكونغولي، إذ تحمل فرصة لمعالجة الأزمات الأمنية والسياسية وتعزيز التوافق الوطني».
ويؤكد أن موقف المجتمعين الإقليمي والدولي «سيكون عاملاً مؤثراً في مسار الحوار، وأي مخرجات تمس التوازنات الدستورية أو قواعد التداول السلمي للسلطة ستخضع لتدقيق داخلي وخارجي».










