إثيوبيا: انطلاق «الحوار الوطني» وسط توترات سياسية

آبي أحمد يدعو المشاركين لـ«تحمل المسؤولية»

مشاركون في مؤتمر «الحوار الوطني» الإثيوبي الأربعاء بأديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مشاركون في مؤتمر «الحوار الوطني» الإثيوبي الأربعاء بأديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

إثيوبيا: انطلاق «الحوار الوطني» وسط توترات سياسية

مشاركون في مؤتمر «الحوار الوطني» الإثيوبي الأربعاء بأديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مشاركون في مؤتمر «الحوار الوطني» الإثيوبي الأربعاء بأديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

انطلق مؤتمر «الحوار الوطني» في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، الأربعاء، في أول خطوة شاملة لهذا المسار الذي عرفته البلاد في 2021، وسط غياب أبرز المعارضين المسلحين بالبلاد، لا سيما ممثلي «جبهة تحرير تيغراي».

واعتبر محلل سياسي إثيوبي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الانطلاقة بمثابة محور أساسي لإنقاذ الدولة الإثيوبية. وأكد «أن غياب أبرز قادة المعارضة في أمهرة وتيغراي، لا سيما المسلحين، يشكل معضلة لكنه يأتي في إطار الخلاف السياسي وهو أمر صحي طالما لم يتحول إلى نزاع مسلح»، ودعا «لاصطفاف الجميع حول الحوار الوطني».

وجرى الإعلان عن انعقاد ذلك المنتدى يوم 13 يونيو (حزيران)، ويستمر لمدة 3 أسابيع، باعتباره «محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الذي انطلق عام 2021» حسب معلومات وكالة «الأنباء الإثيوبية».

ويأتي الحوار بعد فوز كاسح لحزب «الازدهار» الحاكم بنتائج في البرلمان تسمح له بتشكيل الحكومة واستمرار آبي أحمد.

وتشمل محاور المؤتمر 8 بنود رئيسية، حسب ما أعلنه سابقاً رئيس «لجنة الحوار الوطني» الإثيوبية، مسفين أرايا، أبرزها «بناء الدولة» ويشمل القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية، والروايات التاريخية، والتماسك الاجتماعي، ومستقبل الدولة الإثيوبية، فضلاً عن «هيكل ونظام الحكم»، والنظام الفيدرالي، وآليات تقاسم السلطة، والحكم الدستوري، والأطر المؤسسية المنظمة لإدارة الدولة، بخلاف «وضع المدن الفيدرالية»، ويركز على مناقشة إدارة وحوكمة ودور مدينتي أديس أبابا وديري داوا في المنظومة الوطنية.

آبي أحمد خلال مؤتمر «الحوار الوطني» الإثيوبي الأربعاء بأديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وفي كلمة افتتاحية بالمؤتمر، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الأربعاء، إن «مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي بما يتميز به من اتساع في النطاق وشمولية في العملية، وطول في المدة، وما قد يسفر عنه من نتائج، يمكن أن يشكل في نواحٍ عديدة نموذجاً يحتذى به لبقية دول أفريقيا».

وحذر من أن «عدم اغتنام مثل هذه الفرص قد يؤدي إلى كتابة صفحة مؤلمة في التاريخ تتسم بالانقسام بدلاً من التنمية»، في إشارة إلى (غياب ممثلي تيغراي المناهضين للدولة).

كما حذر آبي أحمد من «النسور التي تحوم في سماء إثيوبيا»، وقالت وكالة «الأنباء الإثيوبية» إنها إشارة إلى الجهات التي تسعى إلى استغلال الخلافات الوطنية. وأكد أنه «على المواطنين الإثيوبيين وحدهم أن يقرروا كيفية تقاسم المصالح الوطنية، وأن يرفضوا أي محاولات للإكراه أو فرض الإرادة عليهم».

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي، زاهد زيدان، أن الحوار الوطني يمثل محوراً أساسياً لإنقاذ الدولة الإثيوبية، مشيراً إلى أن القائمين على هذا الحوار يمثلون طيفاً واسعاً وهذه الجلسات تهدف إلى تخفيف حدة التوترات السياسية وبناء توافق بين الأطراف المختلفة.

وأكد زيدان أن نجاح هذه العملية ليس مجرد إرادة لرئيس الوزراء وحده، بل هي إرادة الشعب الإثيوبي بكل ألوانه، لضمان مستقبل آمن ومستقر يخلو من أي نزاع مسلح داخل البلاد.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022، مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خصوصاً في إقليمي أمهرة وتيغراي.

ولم يشارك الممثلون المعارضون البارزون للحكومة من إقليمي أمهرة وتيغراي (لا سيما قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي)، في جلسات الإعداد للمنتدى، رغم أن وكالة «الأنباء الإثيوبية» تحدثت في أبريل (نيسان) الماضي عن «مشاركة أحزاب سياسية إقليمية وممثلين عن إقليم تيغراي في الجولات الأولى من المنتدى الذي تنظمه مفوضية الحوار الوطني الإثيوبية»، دون تسميتها.

وهذا الغياب المحتمل هو تكرار لغياب معارضي تيغراي عن الانتخابات العامة السابعة، حيث تم استثناء إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة. وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت حركة «فانو» بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

جانب من مؤتمر «الحوار الوطني» الإثيوبي الأربعاء بأديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وأعلنت «حركة فانو» الأمهرية (AFNM)، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» (TPLF)، أكثر من مرة، رفض الانخراط في الحوار الوطني الإثيوبي الذي تديره الحكومة في أديس أبابا، معتبرتين إياه عملية صورية لخدمة مصالح الحزب الحاكم.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

وسبق أن وجهت أديس أبابا في أغسطس (آب) 2023 اتهامات لحركة «فانو» في إقليم أمهرة المسلحة بأنها حاولت الإطاحة بالحكومتين المحلية والاتحادية، بعد أيام من القتال الذي دفع السلطات لإعلان مؤقت لحالة الطوارئ وقتها مع استمرار المواجهات بينهما.

ورغم هذه العقبات، شدد زيدان على أهمية «انصهار كل الأفكار، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مؤيدة أو معارضة، وحتى تلك التي تدعو إلى بعض النزاعات أو الحراك المسلح، تحت قبة مقر اجتماعات الحوار الوطني»، موضحاً أن «إدلاء الجميع بآرائهم بكل وضوح وصراحة من شأنه أن يقلل حدة التوترات، حيث سيتم التعرف على ادعاءات ومطالب كل طرف».

وفيما يخص التحديات، أشار زيدان إلى أن أبرزها «يتمثل في عدم استجابة بعض الأطراف المسلحة ما قد يشكل معضلة، في ظل غياب قيادات تيغراي وأمهرة لكن وجود خلاف سياسي هو أمر صحي وطبيعي لنهضة البلاد، ما لم يتحول إلى نزاع مسلح».


مقالات ذات صلة

مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

العالم العربي سد النهضة (رويترز)

مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

استمرت التصريحات الإثيوبية المناوئة لمصر على وقع أزمة «سد النهضة» والتي اتسعت لتشمل الحقوق المائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقراره.

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي الوفد العسكري الإثيوبي أمام وزارة الحرب الأميركية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مصر تقلل من مخاطر اتفاق إثيوبيا وأميركا «الدفاعي» على «أزمة السد»

أثار اتفاق دفاعي بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، تساؤلات حول الموقف المصري الذي يقف في خصومة مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية بتنزانيا (مواقع التواصل)

مدبولي في تنزانيا لافتتاح سد شيّدته مصر وسط توترات «أمن المياه»

تزامنت مشاركة مصر في افتتاح السد التنزاني الذي شيّدته مع تمسك أديس أبابا ببناء سدود جديدة على النيل دون تنسيق مع دولتَي المصبّ مصر والسودان.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ما معنى التلويح المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» في أزمة السد الإثيوبي؟

كررت مصر، خلال أسبوعين، الحديث عن حقها في منع أي تحركات لأديس أبابا على نهر النيل، مؤكدة أنها تمتلك «حق الدفاع الشرعي» في مواجهة أي سدود إثيوبية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)

دفع الجيش السوداني أمس بوحدات من قوات «النخبة» إلى جبهة النيل الأزرق، لوقف تقدم «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» بقيادة عبد العزيز الحلو، وقطع الطريق أمامهما نحو الدمازين، عاصمة الإقليم.

وجاء التحرك عقب إعلان «الدعم السريع» السيطرة على قاعدتي «بكوري» و«سركم» الاستراتيجيتين.

وتزامن التصعيد مع كشف مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل عن حشد عسكري مفاجئ داخل قاعدة إثيوبية في أصوصا قرب الحدود السودانية، شمل نحو 100 مركبة قتالية خفيفة وناقلات جند ومعدات لوجستية، يمكنها نقل ما يصل إلى ألف عنصر. وحذّر المختبر من أن الحشد يرفع مخاطر تصعيد واسع ويزيد الضغوط العسكرية على الدمازين، فيما أكد حاكم الإقليم أن قواته مستعدة لحماية السكان والحدود.


القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

حرّرت البحرية التركية بالتعاون مع القوات الصومالية سفينة مختطفة كانت محتجزة في المياه الصومالية، وقتلت 14 قرصاناً بعد معركة استمرت أياماً، وفق ما أعلنت حكومة مقديشو السبت.

وجاء في بيان للحكومة الصومالية أن العملية «استمرت عشرة أيام، تمكنت خلالها القوات من تدمير أربعة قوارب استخدمها القراصنة (...) وقُتل 14 قرصاناً في العملية، في حين فرّ الباقون من السفينة بعد ضغط متواصل من القوات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار البيان إلى أن القوات قامت بعد ذلك بتأمين السفينة «لوتوف» التي استأنفت رحلتها بأمان.

ويظهر موقع «مارين ترافيك» أن السفينة التي ترفع علم الكاميرون غادرت تركيا في أواخر يوليو (تموز) متجهة إلى ميناء دار السلام في تنزانيا. وبحسب تقارير إعلامية دولية، كانت السفينة تحمل أسلحة تركية.


دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
TT

دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)

تترقب غينيا بيساو نتائج استفتاء، الأحد، بشأن تعديل دستوري يمنح الرئيس صلاحيات أوسع قبل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 6 ديسمبر (كانون الأول) المقبل لإعادة الحكم المدني.

ويتوقف مستقبل غينيا بيساو على مسار هذا الاستفتاء الذي تقاطعه المعارضة بحسب حديث خبير في الشؤون الأفريقية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن أول اختبار حقيقي سيكون في الانتخابات المقبلة التي ستكشف مراد الدستور الجديد هل كان بنيَّة إصلاحات حقيقية، أو توسيع صلاحيات وهيمنة جديدة عقب الانقلاب العسكري.

واستولى الجيش على السلطة بغينيا بيساو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بعد أيام قليلة من انتخابات رئاسية، وأطاح برئيس الدولة، وعلّق العملية الانتخابية، في بلد يعد من أفقر دول العالم، وقد شهدت 5 انقلابات وعدد من محاولات الانقلاب منذ عام 1974.

والأحد، سيجيب الناخبون بـ«نعم» أو «لا» عن السؤال التالي: «هل توافق على دخول الدستور الجديد الذي أقره المجلس الوطني الانتقالي حيز التنفيذ؟»، بحسب معلومات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونص الدستور الحالي على أن يتولى المجلس التشريعي في غينيا بيساو تعيين رئيس الوزراء الذي يعيّن بدوره أعضاء الحكومة. أما الدستور الجديد فسيسمح للرئيس بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعزلهم.

وأظهرت نسخة اطلعت عليها «رويترز» أن الرئيس سيتمكن أيضاً من إنشاء أو إلغاء الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء، وحل البرلمان في حال حدوث أزمة سياسية خطيرة، وعزل الحكومة في ظل ظروف معينة.

وسيقلص الدستور الجديد أيضاً عدد مقاعد البرلمان من 102 إلى 65، ويخفض عدد الدوائر الانتخابية من 29 إلى 12.

ويشترط الدستور الجديد أن يكون المرشحون للرئاسة قد أقاموا على نحو دائم في غينيا بيساو خلال السنوات الخمس الماضية، وهو شرط لم يكن مدرجاً في الدستور الحالي، الذي يشترط أن يكون المرشحون مواطنين غينيين بالولادة، وألا تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وأن يتمتعوا بكامل حقوقهم المدنية والسياسية.

محطة مفصلية

يرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى أن استفتاء 30 أغسطس (آب) الحالي في غينيا بيساو محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري في نوفمبر 2025، كما يحدد ملامح النظام السياسي المقبل، في ظل مشروع دستوري يمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات أوسع، ويعيد ترتيب العلاقة بين مؤسسات الحكم.

ويعتقد إسحاق أنه من حيث المبدأ، يمكن للدستور الجديد أن يسهم في الاستقرار إذا نجح في حسم الخلاف المزمن حول توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان، لا سيما أن غينيا بيساو لسنوات في صراع مؤسساتي متكرر، خصوصاً داخل النظام شبه الرئاسي، حيث أدى التداخل في الصلاحيات إلى أزمات حكومية، وحل البرلمان وتوترات انتهت أكثر من مرة بتدخل الجيش.

وضوح المسؤولية

لذلك، فإن وضوح المسؤولية التنفيذية يمكن أن يقلل من احتمالات الشلل السياسي، لكن المشكلة أن العلاج المقترح يبدو في حد ذاته مصدراً لمشكلة جديدة، وفق إسحاق.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المشروع ينقل البلاد باتجاه نظام أكثر رئاسية، ويمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في تعيين وإقالة رئيس الوزراء والحكومة، مع تقليص حجم البرلمان من 102 مقعداً إلى 65، وتقليص عدد الدوائر من 29 إلى 12، كما يفرض شروطاً مالية وتنظيمية أكثر صعوبة على المرشحين والأحزاب.

كما يعتقد أن هذه التغييرات تعني عملياً تقليص وزن البرلمان والأحزاب مقابل مؤسسة الرئاسة، وهنا تكمن المفارقة، قد ينتج الدستور استقراراً قصير المدى، لكنه قد يزرع عدم استقرار طويل المدى إذا أدى إلى تركيز السلطة بدل توزيعها.

ويوضح أنه في ظل بلد له تاريخ طويل من الانقلابات والتدخل العسكري في السياسة، وقد تكون العودة إلى نموذج شديد التركيز حول الرئيس قد تعيد إنتاج أحد الأسباب التي دفعت غينيا بيساو أصلاً إلى تبني نظام تقاسم السلطة.

لكن المناخ السياسي متوتر في هذه الدولة الساحلية الواقعة بغرب أفريقيا، والتي تشهد انقلابات متكررة، حيث حثت المعارضة الناخبين على مقاطعة الاستفتاء في ظل قيود مفروضة على الحريات العامة.

وقال الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC) الذي قاد البلاد إلى الاستقلال عن البرتغال عام 1974 في بيان إنه «تم تعليق الأنشطة السياسية، وإغلاق مقار الأحزاب ومنع الجماعات السياسية من المشاركة في الاستفتاء».

إرساء الاستقرار

بينما يقول المجلس العسكري إن التغيير يهدف إلى إرساء الاستقرار في المؤسسات قبل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، تهدف لإعادة السلطة إلى المدنيين، والمقرر إجراؤها في السادس من ديسمبر المقبل.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن دعوة حزب الاستقلال الأفريقي لغينيا والرأس الأخضر، وهي من أبرز قوى المعارضة إلى مقاطعة الاستفتاء يطرح سؤالاً أساسياً، حتى لو حصل الدستور على أغلبية نعم، هل ستكون لديه شرعية سياسية كافية إذا كانت القوى المعارضة الرئيسية تشكك أصلاً في العملية؟

وأضاف: «لذلك أرى أن الحكم على الدستور يجب ألا يتوقف عند نتيجة الاستفتاء فالعامل الحاسم سيكون ما سيحدث بعده، لا سيما الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر».

وإذا أدى الدستور إلى انتخابات تنافسية، وبرلمان قادر على مراقبة الرئيس، وقضاء مستقل، وضمانات حقيقية لعدم تدخل الجيش في السياسة، فقد يصبح خطوة نحو استقرار مؤسساتي، أما إذا استخدم لتثبيت نفوذ السلطة الانتقالية ومنح الرئيس المقبل أدوات واسعة من دون ضوابط فعالة، فسيكون أقرب إلى إعادة توزيع السلطة لصالح الرئاسة منه إلى بناء نظام ديمقراطي أكثر استقراراً، وهنا مكمن الخطر، بحسب إسحاق.

ويعتقد أن انتخابات ديسمبر المقبل ستكون اختباراً حقيقياً للدستور الجديد، إذا سمحت القواعد الجديدة بمنافسة واسعة وتمثيل متوازن، فقد تساعد على إنهاء حالة عدم الاستقرار، أما إذا أدت إلى إقصاء منافسين وتقوية الأحزاب المهيمنة وتقليص دور البرلمان، فقد تصبح الانتخابات مدخلاً لترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية بدل إعادة بناء التعددية السياسية.