نيران اشتباكات «أذرع الدبيبة» تعطّل مصفاة الزاوية النفطية

قتلى وجرحى في صفوف المدنيين... ودعوات للتحقيق

قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)
قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)
TT

نيران اشتباكات «أذرع الدبيبة» تعطّل مصفاة الزاوية النفطية

قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)
قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة في مدينة الزاوية (غرب ليبيا)، بين تشكيلات بعضها يتبع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، طالت مصفاة تكرير النفط، وتسببت في تضرّر عديد البنايات، وأوقعت قتلى وجرحى.

ووقعت الاشتباكات فجر الجمعة، بين عناصر تابعة لمحمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، ومحمد بحرون، الملقب بـ«الفار»، آمر كتيبة «الإسناد الأولى»، بمساندة تشكيلات أخرى لدعمه لكلا الطرفين، على خلفية عملية أمنية تستهدف «تطهير المدينة من المخالفين».

الدبيبة يتوسط وكيل وزارة الدفاع عبدالسلام الزوبي (إلى اليسار) ورئيس الأركان العامة صلاح النمروش أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

وتقع الزاوية على بُعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً.

ساحة حرب مفتوحة

هذا الاقتتال العنيف الذي حوّل شوارع بالزاوية إلى ساحة حرب مفتوحة، هو أحدث فصل في دوامة العنف التي تعيشها مناطق بغرب ليبيا، وتعاني من توسّع نفوذ الميليشيات.

ووسط حالة من الفوضى الأمنية بالمدينة التي تعجّ بالميليشيات المسلحة، وتعدّ بعضها «أذرعاً مسلحة» لرئيس حكومة «الوحدة»، وتصاعد الاقتتال، أعلنت شركة «الزاوية» لتكرير النفط «توقف مصفاة الزاوية عن العمل نتيجة سقوط قذائف من العيار الثقيل بمحيطها».

وعبرت الشركة ومستخدموها، الجمعة، عن «بالغ القلق والأسف والخوف، نتيجة الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة المحيطة بالمجمع النفطي الذي اندلعت بالقرب منه اشتباكات مسلحة وتبادل لإطلاق النار، وتصاعدت حدته بشكل متسارع».

جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

قذائف من العيار الثقيل

أسفر الاقتتال، بحسب الشركة، عن «سقوط كثير من القذائف من العيار الثقيل في مواقع عدة داخل الشركة، ووصلت إلى مناطق التشغيل»، وقالت: «استوجب الأمر اتخاذ إجراءات عاجلة طارئة بإيقاف المصفاة بالكامل، وإخلاء الميناء من الناقلات، حفاظاً على سلامة أرواح المستخدمين والمنشآت والمحافظة على البيئة المحيطة».

وناشدت شركة «الزاوية» لتكرير النفط «الأطراف المتقاتلة كافة، ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، كما تدعو الجهات الرسمية بالدولة بضرورة التدخل السريع، وإبعاد الصراعات المسلحة عن المناطق الحيوية، حفاظاً على سلامة العاملين وسكان المناطق المجاورة».

ولفتت إلى أن «مصفاة الزاوية يرتبط نشاطها بالصالح العام وأمن الوطن والمواطن، وأن أي تهديد لأمن وسلامة هذه المنشآت الحيوية إنما هو تهديد لمقدرات الشعب الليبي».

«القصب» و«الفار»

«القصب» مدرج على قوائم العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، أما «الفار» فسبق واتُّهم بقتل ميليشياوي آخر قبل أن تبرئه محكمة بغرب ليبيا، والاثنان مواليان للدبيبة، وعادة ما يحضران موائد الإفطار السنوي التي يعدّها الدبيبة.

الدبيبة مستقبلاً أعيان ومشايخ وقادة ميليشيات من الزاوية في رمضان الماضي (مكتب الدبيبة)

وهذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها نيران اشتباكات الميليشيات إلى مصفاة الزاوية، فضلاً عن ملاحظة وجود تحشيدات مسلحة واسعة منذ أيام، في مناطق عدة بالزاوية من بينها الحرشة والصابرية.

ويرصد شهود عيان أن ميليشيات «الفار» بادرت بإطلاق النار على ميليشيات «سالم اللطيف»، وهي تشكيلات مسلحة أخرى تتبع «القصب» و«الكابوات» و«فرحات» تدخلت لدعم اللطيف.

واندلعت نيران في أحد المنازل بمنطقة قريبة من المصفاة، ورصد شهود عيان صعوبة وصول سيارات الإسعاف لإنقاذ جرحى، بسبب شدة إطلاق النار، وتحدثوا عن إصابة محمد الزيتوني الملقب بـ«الشلفوح»، ومقتل مواطن يُرجّح أن يكون اسمه مالك الميساوي.

وأمام تسعّر الاقتتال الذي استخدمت فيه أسلحة ثقيلة، أهاب «مركز طب الطوارئ والدعم» بالزاوية، بسكان المدينة، عدم الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى، وفيما طالبهم بتوخي الحيطة والحذر، خصص رقمين للطوارئ كي يسهل على المواطنين العالقين الاستغاثة.

وتحدث محمد القرج الإعلامي الليبي، عن وجود سكان عالقين وسط إطلاق النار، متسائلاً: «أين الحكومة والمجلس الرئاسي من هذه الفوضى؟».

دورية تابعة لقوات المنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

وأعلنت مديرية أمن الزاوية و«الغرفة الأمنية المشتركة» والأجهزة الأمنية المشاركة، الجمعة، عن انطلاق عملية أمنية واسعة النطاق تستهدف أوكار المجرمين والمطلوبين والخارجين عن القانون، «وكل من تورط في أعمال تهدد الأمن العام والسلم الاجتماعي».

وتؤكد الغرفة الأمنية أن هذه العملية «تأتي ضمن خطة أمنية شاملة تهدف إلى فرض سلطة الدولة، وتجفيف منابع الجريمة، وإنهاء حالة الفوضى والانفلات الأمني»، وتوعدت بأنه «لن يكون هناك أي تهاون مع كل من يثبت تورطه في أعمال إجرامية، أو محاولات لعرقلة عمل الأجهزة الأمنية».

ودعت الغرفة المواطنين كافة إلى التعاون مع القوات الأمنية، و«الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة أو أماكن تُستخدم أوكاراً للعناصر المطلوبة»، لافتة إلى أن «سلامة المواطنين وممتلكاتهم تمثل أولوية قصوى، وأن الإجراءات كلها ستتم وفق القانون، وتحت إشراف النيابة العامة».

وانتهت الغرفة التي يترأسها اللواء علي خليفة اللافي، محذرة «المطلوبين والخارجين عن القانون كافة من مقاومة القوات المكلفة بتنفيذ هذه العملية... كل من يسلم نفسه طواعية سيُعامل وفق الإجراءات القانونية».

قوات تابعة للمنطقة العسكرية في الساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

ونفت المنطقة العسكرية بالساحل الغربي ما تم تداوله بشأن مشاركتها في العملية الأمنية التي أعلنت عنها مديرية أمن الزاوية، مؤكدة أن «مثل هذه العمليات تتطلب التريث والترتيب والتنسيق على أعلى المستويات، بما يضمن حماية المدنيين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة».

كما تشدد المنطقة في بيان أصدرته الجمعة، على أنها «بعيدة كل البعد عن أي أعمال أو تحركات قد تُفهم على أنها تصفية حسابات، وأن موقفها ثابت في دعم الأمن والاستقرار وسيادة القانون بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن».

«حرب عبثية»

عدّ محمد قشوط الناشط السياسي الليبي، ما يحدث في الزاوية، «حرباً عبثية مدمرة تم التحشيد لها منذ أسابيع»، وقال في تصريح صحافي: «يراد للزاوية أن تعيش على هذه الحال، حتى يضمن من يصل إلى السلطة في طرابلس بقاءه واستمراره».

ومنذ مساء الخميس، نزحت عائلات عدة من مناطق التحشيد المسلح بالزاوية، خصوصاً القاطنين بمحيط المصفاة، في ظل شهود عيان يتحدثون عن سيطرة لعناصر «القصب» على بنايات مطلة على الساحات التي شهدت الاقتتال.

ورصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، وقوع قتيلين و5 جرحى من المدنيين، جراء تساقط القذائف والرصاص العشوائي على منازلهم، مشيرة إلى أضرار مادية لحقت بالسكان المدنيين.

وحملت المؤسسة الوطنية، وزارة الداخلية ورئاسة الأركان بغرب ليبيا، المسؤولية القانونية الكاملة «حيال فشلهم في حماية أمن وسلامة السكان وممتلكاتهم، وتعريض حياتهم وسلامتهم للخطر».

كما دعت النائب العام، والمدعي العام العسكري، والمجلس الرئاسي الليبي، إلى فتح «تحقيق جاد وشامل في أسباب اندلاع العنف والاشتباكات التي تشهدها الزاوية».

وترتبط مصفاة الزاوية بحقل الشرارة النفطي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً.


مقالات ذات صلة

قيود وملاحقة صانعي المحتوى تشعل سجالاً حقوقياً في ليبيا

شمال افريقيا اجتماع الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون الليبية في بنغازي في مارس الماضي (صفحة الهيئة)

قيود وملاحقة صانعي المحتوى تشعل سجالاً حقوقياً في ليبيا

أثارت إجراءات أمنية وتنظيمية اتخذتها السلطات في غرب ليبيا وشرقها بحق صانعي المحتوى والأنشطة الفنية جدلاً واسعاً بين مؤيدين ومعارضين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

تصعّد الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا من ملاحقة المهاجرين وسط كثير من الشكاوى الحقوقية من تكدّس مراكز لاحتجازهم بالعاصمة طرابلس

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)

تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن منح مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» مهلة جديدة للتوافق بشأن قانوني الانتخابات العامة، يمثّل «استمراراً في إهدار الوقت وإطالةً لعمر الأزمة».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن ستيفاني خوري، نائبة رئيس البعثة للشؤون السياسية، بحثت مع خالد حفتر رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني»، جهود دعم الاستقرار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)

رفض شعبي متصاعد في ليبيا لتدشين «إقليم رابع»

تخوفاً من تقسيم ليبيا، عبَّر محتجون من مدينة بني وليد بشمال غربي البلاد عن رفضهم لتدشين إقليم رابع تحت مسمى «الوُسطى»، كما أقدموا على إغلاق مقر بلديتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، مُثقلة بقصص عن انتهاكات وأهوال تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة بنساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكنها نجاة لن تكتمل إلا بمحاسبة الجناة وعدم تمكينهم من الإفلات.

بين تجربة مثقلة بصدمة الاختطاف، والاغتصاب، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

وفي بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية، والدعم النفسي، وآليات المحاسبة القانونية، يتحول العنف الجنسي من فعلٍ حربي يقع في سياق عسكري إلى أزمة مجتمعية ممتدة، وتتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن إنصاف الضحايا.

«الشرق الأوسط» رصدت معاناة ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، وتحدثت إلى عدد من الناجيات. كما وثّقت إحصاءات، وجمعت آراء خبراء قانونيين ونفسيين، مع الحرص على حجب أسماء النساء، وبعض التفاصيل التعريفية، حفاظاً على سلامتهن، وخصوصيتهن.


انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.