السيسي: نرفض أي إجراءات تمس وحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال جلسة مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال جلسة مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)
TT

السيسي: نرفض أي إجراءات تمس وحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال جلسة مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال جلسة مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، معلناً رفض مصر القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذي يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره.

وقال السيسي، في مؤتمر صحافي اليوم عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال، إيماناً بأن مواجهة هذه الآفة تتطلب مؤسسات وطنية قوية، وكوادر مدربة ومقاربة شاملة؛ تسهم في إيجاد البيئة المواتية، لتحقيق تطلعات الشعب الصومالي نحو التنمية والازدهار.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)

وأضاف أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال.

وتابع السيسي: «ناقشنا التطورات الإقليمية الراهنة، واتفقنا على تكثيف التنسيق المشترك، لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي، تعزيزاً للأمن والاستقرار والازدهار».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)

ومضى قائلاً: «|شددنا على أن مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما، وتناولنا الدور الخاص المنوط ببلدينا في هذا السياق، على ضوء موقعهما الفريد على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

وأكد السيسي أن مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال، وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وقال المتحدث باسم الرئاسة محمد الشناوي، في بيان صحافي، إن الرئيس الصومالي أعرب عن سعادته بزيارة مصر ولقاء الرئيس المصري، مثمناً العلاقات الأخوية بين البلدين، ومقدراً دعم مصر لوحدة واستقرار الصومال، وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، ومؤكداً حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي.

وأشار المتحدث إلى أن اللقاء تناول تطورات الأوضاع الإقليمية، حيث شهدت المباحثات توافقاً على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليميين، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية.


مقالات ذات صلة

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

العالم العربي وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مراقبون «دفعة لمسار التقارب» بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

هشام المياني (القاهرة)
الرياضة «جنرالات المونديال»... خمسة فرسان يتربعون على عرش التهديف العربي في كأس العالم

من هم هدافو العرب في تاريخ المونديال؟

خمسة فرسان يتربعون على عرش هدافي العرب في المونديال بـ3 أهداف، يلاحقهم جيل الثنائيات الذهبي عبر مسيرة حافلة أسقطت عمالقة الكرة وتوجت الأمجاد الرياضية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا اختتام المناورة المصرية - العمانية «قلعة الجبل 2» الثلاثاء في مصر (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)

تدريبات على اقتحام «بؤرة إرهابية» في ختام مناورة مصرية - عمانية

اختُتمت المناورة المصرية - العمانية المشتركة «قلعة الجبل 2»، الثلاثاء، بتدريبات على اقتحام «بؤرة إرهابية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد اجتماع رئيس الوزراء المصري مع ممثلي شركات السياحة والطيران الاثنين بالقاهرة (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

حوافز مصرية لدفع الطيران والسياحة بعد هدوء التوترات الإقليمية

تتوسع مصر في تقديم حوافر لشركات الطيران والسياحة بهدف تنشيط الحركة السياحية.

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «القومي لحقوق الإنسان» في مصر (صفحة المجلس على فيسبوك)

مصر لتوسيع صلاحيات «القومي لحقوق الإنسان» وقاعدة اختيار أعضائه

تترقب الأوساط الحقوقية بمصر تعديلاً تشريعياً مقترحاً بشأن المجلس القومي لحقوق الإنسان بعد نحو 23 عاماً من تأسيسه.

محمد محمود (القاهرة )

تحديات تواجه تنفيذ «خريطة» المنفي وصالح وتكالة في ليبيا

من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)
من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)
TT

تحديات تواجه تنفيذ «خريطة» المنفي وصالح وتكالة في ليبيا

من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)
من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)

تتسارع التطورات على الساحة الليبية منذ إعلان رؤساء مجالس: النواب عقيلة صالح، والرئاسي محمد المنفي، والأعلى للدولة محمد تكالة، «خريطة طريق» لإنهاء المرحلة التمهيدية، تتضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل فبراير (شباط) المقبل.

تهدف «خريطة طريق» إلى إنهاء مرحلة تمهيدية تتضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة (مفوضية الانتخابات الليبية)

وأثار هذا السقف الزمني المحدد شكوكاً واسعة؛ إذ وصفه سياسيون بأنه «غير واقعي» في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي، فيما رأى مراقبون أن الخريطة المطروحة تمثل «مناورة استباقية لحجز موقع في أي تسوية مقبلة»، خصوصاً مع تصاعد الزخم حول مبادرة مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية.

ولم تمضِ سوى أيام على إعلان «خريطة» صالح والمنفي وتكالة حتى أعلنت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» دعمها لمبادرة بولس، تبعه تأييد نحو 47 نائباً للمبادرة، في خطوة اعتبرت «تحدياً مباشراً لموقف رئيس البرلمان عقيلة صالح».

ويرى نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق صالح المخزوم أن هذه التطورات «عمقت الشكوك أكثر حول إمكانية إجراء الانتخابات في الموعد المحدد بخريطة الرئاسات الثلاث».

واستعرض المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أبرز العقبات، التي قد تحول دون إجراء الاستحقاق في الموعد المحدد، من بينها استمرار الخلاف بين مجلسي النواب و«الدولة» حول القوانين الانتخابية، وما نتج عنه من تعميق الانقسام السياسي، بالإضافة إلى أن مفوضية الانتخابات تحتاج إلى مزيد من الوقت لاستكمال إجراءاتها الفنية.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المجلس)

وتعيش ليبيا منذ سنوات حالة انقسام سياسي، بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من البرلمان في الشرق وبعض مناطق الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن «الاستحقاق لن يكون ممكناً إلا إذا تحول من إعلان وموعد سياسي إلى حزمة ضمانات تشريعية وأمنية وفنية، تحظى بقبول القوى الفاعلة على الأرض».

وأوضح أبو الرايقة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» تعد إحدى أبرز هذه القوى الفاعلة، و«أي خريطة لا تراعي موقفها في حساباتها ستظل منقوصة».

وترتكز المبادرة الأميركية على تقارب بين سلطتي الشرق والغرب، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة برئاسة الدبيبة، وتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي.

وحذر أبو الرايقة من أن «غياب تفاهمات واضحة بشأن تحييد السلاح، جراء ضيق المهلة الزمنية، قد يحول الانتخابات من أداة للحل إلى مصدر توتر جديد»، مشيراً إلى أن «الانقسام داخل البرلمان بين داعمي خريطة الرئاسات الثلاث ومؤيدي مبادرة بولس سيضعف الإطار التشريعي، ويزيد احتمالات الطعن في أي مسار انتخابي».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

من جهته، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، الشريف عبد الله، أن «نجاح الانتخابات لا يرتهن بتحديد الموعد الزمني بقدر ما يرتهن بتوافق القوى الفاعلة على الأرض». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ليبيا أجرت استحقاقات سابقة في ظروف أمنية أكثر تعقيداً، غير أن حساسية المرحلة الحالية تكمن في كونها مرتبطة بصراع تلك القوى على السلطة، مما قد يدفع أي طرف يستشعر التهميش إلى تفجير العملية الانتخابية».

ويرى عبد الله أن «ضعف الخريطة لا يتعلق فقط بضيق المهلة الزمنية، بل أيضاً بالشكوك حول التزام المجالس الثلاثة نفسها بتنفيذ الانتخابات، بالنظر إلى تعدد خلافاتها طيلة الفترة الماضية، وعدم تحالفها إلا مع استشعار الخطر على مواقعها لا قناعة بالمسار الانتخابي».

واعتبر عضو المسار الأمني بـ«الحوار المهيكل»، إيهاب محمد البيرة، أن «خريطة الرئاسات تبدو متماسكة نظرياً، لكنها غير قابلة للتطبيق عملياً ضمن المدة المحددة».

وقال البيرة لـ«الشرق الأوسط» إن «مشكلة ليبيا لا تنحصر في إجراء الاستحقاق، بل في قبول الليبيين بنتائجه». وتساءل عن «إمكانية بناء الثقة لدى الليبيين في تلك النتائج في ظل وجود حكومتين وجيشين، ومراكز نفوذ متنافسة، إضافة لما هو متوقع من محاولات تخريب من قبل شبكات المصالح ولوبيات الفساد المستفيدة من استمرار الانقسام».

وتتباين الآراء في ليبيا حول مبادرة بولس؛ إذ يرى المؤيدون لها أنها «قد تسهم في تقليص نفوذ الأجسام السياسية القائمة كمجلسي النواب والدولة»، فيما يصفها المعارضون بكونها «صفقة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها».

في المقابل، دافع النائب الثاني للمجلس الأعلى للدولة، موسى فرج، عن خريطة صالح والمنفي وتكالة، وقال إن «التوافق بين الرئاسات الثلاث جاء بعد مشاورات مطولة هدفت إلى إنهاء الانقسام، والوصول إلى انتخابات تفرز مؤسسات موحدة وذات شرعية كاملة».

وأرجع فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» تعثر المسار السياسي خلال السنوات الماضية، رغم جدية محاولات مجلسه، إلى «تضارب المصالح الدولية والإقليمية، وتغليب بعض الأطراف المحلية مصالحها الخاصة»، مشدداً على أن إنهاء «المرحلة الانتقالية يجب أن يتم عبر حل ليبي-ليبي، في ظل تنامي الشكوك تجاه التدخلات الخارجية، التي غالباً ما تعطي الأولوية لمصالح الدول المتدخلة».

ورغم تفهمه لوجود هواجس أمنية، يعتقد فرج أن «جزءاً منها يجري تضخيمه لعرقلة المسار السياسي». وقال إن المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا «قادرتان على التنسيق وتأمين العملية الانتخابية وضمان نزاهتها»، داعياً الأطراف كافة إلى «العمل بهدف الوصول إلى وضع مستقر، قائم على توافق شعبي واسع ومرجعية دستورية».


إسلاميو السودان... أمام مفترق الطرق

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
TT

إسلاميو السودان... أمام مفترق الطرق

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

يشهد السودان مرحلة بالغة التعقيد في ظل استمرار الحرب ودخولها العام الرابع، وتبدل التحالفات العسكرية والسياسية بوتيرة متسارعة. فمع انضمام مجموعات منشقة عن «قوات الدعم السريع» إلى جانب الجيش السوداني، ووجود القوات المشتركة للحركات المسلحة، وقوات درع السودان، إلى جانب التشكيلات المحسوبة على التيار الإسلامي، تتشكل تدريجياً خريطة جديدة للقوى داخل المعسكر المناهض لـ«الدعم السريع». يعكس هذا الواقع حالة من التقاطع المؤقت للمصالح بين أطراف متعددة تختلف في خلفياتها وأهدافها ورؤيتها لمستقبل الدولة السودانية.

ورغم أن مواجهة «الدعم السريع» تمثل اليوم العامل الأكثر أهمية لهذه القوى، فإن التباينات السياسية والعسكرية الكامنة بينها تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التحالف. فالتجارب السودانية السابقة تشير إلى أن التحالفات التي تنشأ في ظروف الحرب لا تتحول بالضرورة إلى شراكات مستقرة في مرحلة السلام، بل قد تصبح ساحة لصراعات جديدة حول النفوذ والسلطة وترتيبات ما بعد الحرب. ومن هنا تبرز أهمية قراءة موازين القوى الناشئة، واستشراف طبيعة العلاقة بين مكونات هذا المعسكر، واحتمالات التوافق أو الصدام بينها خلال المرحلة المقبلة.

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وخلال الفترة الماضية، أصبح الجيش السوداني هو المظلة العسكرية الرئيسية التي تتحرك تحتها عدة قوى مختلفة في الخلفيات والأهداف. فالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة القادمة من دارفور تمتلك ثقلاً ميدانياً وخبرة قتالية، بينما تمثل «قوات درع السودان» قوة قبلية وعسكرية صاعدة، في حين يسعى بعض المنشقين عن «الدعم السريع» إلى إثبات حضورهم ضمن المعادلة الجديدة.

تحالف الضرورة

هذه التركيبة خلقت ما يشبه «تحالف الضرورة»، حيث يجمع هذه القوى هدف واحد، يتمثل في مواجهة «الدعم السريع»، لكن ذلك لا يعني وجود مشروع سياسي موحد بينها. فلكل طرف حساباته الخاصة المتعلقة بمستقبل السلطة وتقاسم النفوذ.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع «الحركة الإسلامية» داخل معادلة ما بعد الحرب. فالإسلاميون الذين شكّلوا لعقود أحد أبرز مكونات النفوذ داخل الدولة السودانية، عبر حضورهم السياسي والتنظيمي والأمني، لم يعودوا يحتكرون أدوات التأثير كما كان الحال في السابق. فالقوى التي صعدت خلال الحرب لا تنتمي بالضرورة إلى المشروع الإسلامي، كما أن عدداً منها يحمل إرثاً طويلاً من الخلاف والصراع السياسي مع الإسلاميين منذ عهد نظام «الإنقاذ».

ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة؛ فكلما اتسعت دائرة القوى المنخرطة في دعم الجيش وتعددت مكوناتها، تراجع الوزن النسبي للتيار الإسلامي داخل هذا التحالف. فالإسلاميون لم يعودوا الطرف الوحيد القادر على توفير الحاضنة السياسية أو المساهمة العسكرية أو التعبئة المجتمعية، بل أصبحوا جزءاً من مشهد تتوزع فيه مراكز النفوذ بين فاعلين متعددين، لكل منهم مصالحه وحساباته الخاصة.

الإسلاميون أمام الضغوط

وتتزايد المؤشرات على تعرض التيار الإسلامي لضغوط سياسية متنامية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. يقول الخبير الاستراتيجي اللواء عبد الهادي عبد الباسط، المقرب من التيار الإسلامي، إن الحركة الإسلامية تواجه خلال المرحلة الحالية تحديات غير مسبوقة، في ظل دعوات متصاعدة تطالب بإبعاد الإسلاميين عن ترتيبات ما بعد الحرب، بل محاسبتهم على أدوارهم خلال سنوات الحكم السابقة وما ارتبط بها من اتهامات. وشهدت الأشهر الماضية إجراءات أمنية وقانونية طالت عدداً من القيادات الإسلامية البارزة، قبل أن تطلق سراحهم، فيما لا تزال تعتقل القيادي في حزب المؤتمر الوطني «النعمان عبد الحليم».

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

وتزامنت هذه الإجراءات التي يعتقد أنها تمت بضغوط خارجية، مع تصنيف الحركة الإسلامية السودانية، وحزب المؤتمر الوطني، وكتيبة البراء بن مالك «منظمات إرهابية» من قبل وزارة الخارجية الأميركية.

كما برزت مواقف إقليمية ودولية تدعو إلى استبعاد الإسلاميين من أي عملية سياسية مستقبلية، وهو ما انعكس في بيانات ومشاورات دولية وإقليمية، من بينها الآلية الرباعية الدولية (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) والخماسية (الأمم المتحدة، والاتحادان الأوروبي والأفريقي، والجامعة العربية، ومنظمة إيغاد).

وفي المقابل، ترى قوى مدنية أن تراجع نفوذ الإسلاميين يمثل استحقاقاً سياسياً مرتبطاً بمسار الانتقال الديمقراطي أكثر من كونه نتيجة مباشرة للحرب. ويقول المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الدكتور بكري الجاك، إن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد يكون قادراً على التخلي عن الإسلاميين، إلا أن المشكلة تكمن في نفوذهم داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة. وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أي محاولة لإبعادهم تتطلب تحالفاً واسعاً يستند إلى مشروع سياسي جامع قادر على إدارة المرحلة المقبلة.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

ويرى القيادي في حزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، أن مشروع «الحركة الإسلامية» وحكم حزب المؤتمر الوطني سقط بإرادة الشعب السوداني خلال ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأن جهوده لاستمرار الحرب أسهمت في إضعاف التنظيم بصورة أكبر. كما رأى أن الضغوط والعقوبات الدولية، بما في ذلك تصنيف الولايات المتحدة لـ«الحركة الإسلامية» ضمن قوائم مرتبطة بالإرهاب، من شأنها أن تزيد من عزلة التنظيم السياسية.

ويشير شريف إلى أن القوى المدنية ماضية في عزل الإسلاميين سياسياً انطلاقاً من قناعتها بأن الاستقرار في السودان وإعادة بناء الدولة لن يتحققا إلا عبر دعم مسار مدني سلمي يقود إلى تأسيس مؤسسات جديدة على أسس عادلة، معتبراً أن نفوذ «الحركة الإسلامية» وواجهاتها السياسية يتجه نحو مزيد من التراجع.

وفي هذا السياق أيضاً، أكّد رئيس الكتلة الديمقراطية، الموالية للجيش، مبارك أردول، أنهم توافقوا «شفهياً» خلال مؤتمر عقد في أديس أبابا، للقوى المدنية السودانية، على استبعاد كل من المؤتمر الوطني وتحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، من أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما أكّده على صفحته على منصة «فيسبوك».

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية نفوذ الإسلاميين بشكل كامل قد يكون سابقاً لأوانه. فـ«الحركة الإسلامية» لا تزال تمتلك شبكات تنظيمية وخبرات سياسية متراكمة، كما تحتفظ بحضور داخل بعض مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن قدرتها على استعادة الموقع المهيمن، الذي تمتعت به خلال عقود حكم الإنقاذ، تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.


مصر: تمرير الموازنة العامة لا ينهي جدل أولويات الإنفاق

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي متحدثاً أمام مجلس النواب (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي متحدثاً أمام مجلس النواب (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تمرير الموازنة العامة لا ينهي جدل أولويات الإنفاق

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي متحدثاً أمام مجلس النواب (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي متحدثاً أمام مجلس النواب (مجلس الوزراء)

رغم أن مجلس النواب المصري أقر نهائياً مشروع الموازنة العامة للدولة، فلم يتوقف الجدل حول أولويات الإنفاق بعد اعتراض عدد من النواب على المخصصات المحددة لملفات خدمية رئيسية، في مقدمتها دعم الفقراء والصحة والتعليم، بالتزامن مع استمرار الاقتراض لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، خاصة في مجال النقل.

واعتمد البرلمان، الاثنين، مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 - 2027، على أن يبدأ العمل بها في مطلع يوليو (تموز) المقبل؛ كما أقر مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي ذاته، ومشروعات موازنات الهيئات العامة الاقتصادية والهيئة القومية للإنتاج الحربي، وذلك بعد مناقشات استمرت أسبوعين في حضور وزير المالية أحمد كجوك، ووزير التخطيط والتنمية المحلية أحمد رستم.

وشهدت الجلسة الأخيرة تساؤلات عديدة من النواب بشأن مخصصات منظومة الدعم التي بلغت 178 مليار جنيه (3.6 مليار دولار تقريباً) هذا العام، واعتبروا أنها منخفضة مقارنة بأعباء دين عام تفوق هذا الرقم بأكثر من 14 ضعفاً، وكذلك عدم توجيه الاعتمادات الأكبر نحو ميزانية الصحة والتعليم، واعتبروا أن ما أقرته الحكومة لا يزال غير كافٍ لتحقق تحسن ملموس يشعر به المواطنون.

وأوصت «لجنة الخطة والموازنة» بمجلس النواب بضبط الأداء المالي للدولة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام والخدمات المقدمة للمواطنين، من بينها ضرورة مراعاة الدقة في تقديرات الموازنة، واحتساب الاستحقاقات الدستورية المخصصة للتعليم والتعليم العالي والصحة والبحث العلمي، وفقاً للناتج المحلي الإجمالي المستهدف.

ووفقاً للحكومة، تستهدف الموازنة الجديدة إنفاقاً عاماً يقدر بنحو 8.224 تريليون جنيه خلال السنة المالية المقبلة، في إطار خطة تراهن على استمرار النمو الاقتصادي وزيادة الإيرادات، وتعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أثناء عرض برنامج عمل حكومته أمام البرلمان في أبريل الماضي (مجلس الوزراء)

لكن عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي»، محمود سامي، قال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن الاعتراضات تركزت على أولويات الإنفاق وكفاءة توزيع المخصصات، وإن التركيز ينصب على موازنات التعليم والصحة.

وأضاف: «هناك مثلاً 5 مليارات جنيه مخصصة للتغذية المدرسية، وأخرى لأجهزة التابلت اللوحي، في حين أن هناك عجزاً في 200 ألف فصل دراسي للقضاء على أزمات الكثافات بالفصول، إلى جانب عجز مماثل في المعلمين، وكان يمكن توجيه تلك الأموال لتحسين جودة التعليم».

واستطرد قائلاً إن الحكومة حددت 178 مليار جنيه لمنظومة الدعم بما فيها الخبز الشعبي، وهي أقل من قيمة موازنة العام الماضي التي بلغت 318 مليار جنيه، في حين أن هناك ضغوطاً تضخمية وهناك زيادة في احتياجات المواطنين الاستهلاكية، لافتاً إلى أن فوائد الديون التي تستحوذ على 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام تأتي على حساب بنود مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

ورد وزير المالية كجوك على اعتراضات النواب، مؤكداً أن مشروع الموازنة يستهدف تحقيق توازن دقيق بين تنمية الموارد العامة للدولة، ودعم القطاعات الخدمية الأساسية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، دون تحميل المواطنين أو المستثمرين أي أعباء ضريبية جديدة.

وأشار خلال جلسة مجلس النواب، الاثنين، إلى أن الحكومة حرصت على توجيه أكبر قدر ممكن من الموارد المتاحة إلى قطاعي الصحة والتعليم، مؤكداً أنهما سيظلان على رأس أولويات الإنفاق العام كلما توفرت موارد إضافية للدولة، موضحاً أن معدلات نمو الإنفاق المخصصة للصحة والتعليم تتجاوز بشكل ملحوظ متوسط معدلات الإنفاق العام في الموازنة.

وبحسب وزير التخطيط والتنمية المحلية أحمد رستم، فإن مخصصات التعليم الكلية شهدت زيادة تُقدر بنحو 25 في المائة في مشروع موازنة العام المالي المقبل، فيما ارتفعت مخصصات قطاع الصحة بنسبة بلغت 39.5 في المائة، مشدداً على أن الحكومة تستهدف تعزيز معدلات الاستثمار وحجم الإنفاق في القطاعين بما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

مجلس النواب المصري يمرر مشروع قانون الموازنة العامة للدولة (مجلس الوزراء)

وترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن موارد الحكومة هي التي تحكم توجيه مخصصات الموازنة العامة للدولة، وأن التعليم والصحة على رأس الأولويات إلى جانب مشروعات البنية التحتية، وكذلك توفير 14 سلعة أساسية لا يستغني عنها المواطنون، إضافة إلى منظومة الدعم ودعم الطبقات الهشة، مشيرة إلى أن المشروعات القومية التي تنفذها الحكومة تأتي إما من تمويلات محلية، وإما من قروض من البنوك، وإما عبر الاستدانة من الخارج وتضعها الحكومة في اعتبارها عند توجيه مخصصات الموازنة.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «التداعيات الإقليمية جعلت الحكومة مضطرة لتوجيه جزء من المخصصات نحو استيراد الغاز بما يضمن كفاءة عمل المصانع والتوسع في الاستعانة بشركات التنقيب الأجنبية، وهو ما يشكل ضغطاً على موازنة هذا العام إلى جانب فوائد الديون التي تضعها الحكومة في اعتبارها أيضاً، وتشكل سبباً رئيسياً في عجز الموازنة».

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.