«الوحدة» الليبية تقيّد دراسة الطب على الجامعات الحكومية... وسط تباينات

اختصاصيون يَعدُّون قرارها «إهداراً للتعليم الخاص المتميز»

محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)
محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)
TT

«الوحدة» الليبية تقيّد دراسة الطب على الجامعات الحكومية... وسط تباينات

محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)
محاضرة لطلاب كلية الطب البشري بجامعة طرابلس في أبريل 2025 (الجامعة)

أثار قرار اتخذته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، مؤخراً، بتقييد دراسة الطب البشري والصيدلة على الجامعات الحكومية، تباينات في أوساط الليبيين، وسط تفاعلات تجاوزت قضية التعليم إلى إدارة الدولة للملف الصحي.

القرار، الذي قُدّم ودُعّم من قطاع معتبر في المجتمع باعتباره إجراء لضبط جودة التعليم الطبي وحماية مهنة تتعلق بحياة البشر، واجه في الوقت نفسه انتقادات رأت فيه «معالجة سطحية»؛ لكونه لم يفرّق بين الجامعات الخاصة الجيدة والضعيفة، مما قد يؤدي إلى زيادة أعباء الجامعات الحكومية وتضييق مسارات تخريج الأطباء لدعم نظام صحي يعاني نقص الخبرات.

امتحان لعدد من الطلاب بجامعة طرابلس (المكتب الإعلامي للجامعة)

ووصف وزير الصحة السابق، الدكتور رضا العوكلي، القرار بأنه «غير مدروس»، وقال العوكلي لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل نظام تعليم خاص فاشلاً، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون التعليم الحكومي ناجحاً. الوزارة لم تميز بين الكليات بالجامعات الخاصة المتميزة، وبين الضعيفة التي يمكن وصفها بـ(دكاكين بيع الشهادات)».

وينص قرار عمران القيب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، على قصر تدريس تخصصَي الطب البشري والصيدلة على الجامعات العامة خلال العام الدراسي 2025-2026، إلى حين صدور تشريعات تنظم العملية بما يضمن جودة التعليم ومخرجاته، مع إيقاف قبول الطلاب الجدد في مؤسسات التعليم الخاص.

ويرى العوكلي أن «الحكمة تكمن في دعم الجامعات المتميزة، سواء كانت عامة أو خاصة، وتشجيع من تحاول الارتقاء بمستواها، مع توجيه التحذيرات القوية للجامعات الضعيفة»، مشيراً إلى أن «6 فقط من أصل 24 كلية بجامعة ليبية عامة وخاصة تدرس الطب البشري حصلت على اعتماد الاتحاد العالمي للتعليم الطبي»، منتقداً «إغلاق كليات خاصة حاصلة على هذا الاعتماد الدولي وتحويل طلابها إلى الجامعات الحكومية التي لم تستطع التحصل عليه».

وتتزايد تعقيدات المشهدين الصحي والتعليمي في ليبيا بتضارب القرارات واختلاف السياسات المتبعة لكل من الحكومتين المتنازعتين على السلطة.

وحول أسباب اتخاذ وزير التعليم العالي لهذا القرار، قال العوكلي: «بالطبع هناك شكاوى وصلت إليه بشأن وجود كليات طب ضعيفة المستوى ببعض الجامعات الخاصة، تفتقر إلى البنية التحتية والإمكانات التعليمية والتدريب السريري التي تتطلبها التخصصات الطبية».

وأضاف العوكلي أن القرار ليس مرفوضاً بالكامل، لكنه يجب تعديله «ليقتصر على الكيانات الضعيفة فقط»، منتقداً «عدم ذكر مصير الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بتلك الكليات في الجامعات الخاصة وتركهم للمجهول، خاصة في المنطقة الغربية؛ كون جامعات الشرق لا تلتزم إلا بقرارات وزارة التعليم العالي بحكومة أسامة حماد».

وتوقع العوكلي أن «يبادر أصحاب الجامعات الخاصة بعقد لقاء قريب مع الوزير أو مع الدبيبة لإيقاف هذا القرار أو تعديله، أو ربما إقامة دعوى قضائية حال فشل هذا المسار».

وعرفت ليبيا نظام الجامعات الخاصة منذ أوائل التسعينات، قبل أن تنشأ جامعة أفريقيا الأهلية عام 2000، والجامعة الليبية الدولية عام 2007، التي اعتُبرت أول جامعة خاصة تدرس الطب البشري والصيدلة.

وأثار القرار نقاشاً واسعاً بين مؤيد ومعارض عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فبينما يرى البعض أن الجامعات الخاصة توفر إمكانات أفضل من العامة، اتهمها آخرون بـ«استنزاف أموال الأسر»، في ظل رسوم تتراوح بين 3000 و4000 دولار سنوياً، مع تزايد إقبال البعض على التخصصات الطبية لأسباب تتعلق بالوجاهة الاجتماعية.

واسترجع بعض المعلقين تصريحات القيب عام 2021، حين وصف الجامعات الخاصة بأنها «دكاكين شهادات»، معتبرين أن خطوة اليوم إيجابية لكنها متأخرة، ويجب تعميمها بعد مراجعة أوضاع كافة الكليات المهمة.

ورغم إقراره بمحدودية عدد طلبة الطب في الجامعات الخاصة المتميزة، يرى العوكلي أن ضمهم إلى الجامعات الحكومية «سيتسبب في زيادة أعباء الأخيرة، التي تعاني بالفعل من التكدس وقلة الإمكانات». وانتهى إلى أن «تراجع قدرات المنظومة الصحية يعود أساساً إلى نقص بعض التخصصات الطبية، وعدم وجود نظام تمويلي حديث للرعاية الصحية، وليس إلى نقص عدد الأطباء».

وفي قلب الجدل حول تقييد التعليم الطبي على الجامعات الحكومية، أشار بعض المعلقين إلى شكاوى مرضى الأمراض المزمنة، مثل الأورام وضمور العضلات، من حين إلى آخر، جراء نقص الأدوية الأساسية واضطرارهم للانتظار الطويل طلباً للسفر خارج البلاد.

في حين يرى كثيرون من المراقبين أن محاولات النهوض بالقطاع الصحي، سواء بإرسال المرضى للخارج أو شراء الأدوية أو اجتذاب خبرات أجنبية، لم تحقق الهدف المرجو رغم الميزانيات الكبيرة المخصصة له.

في المقابل، عبّر الدكتور ضياء إبراهيم عن تأييده للقرار «كونه سيسهم في تقليص عدد الأطباء، الذين بات عددهم حالياً يفوق احتياجات سوق العمل بدرجة كبيرة»، مشيراً إلى أن «ضعف القطاع الطبي يعود إلى ضعف البنية التحتية للمستشفيات ونقص المعدات والمستلزمات الأساسية، بالإضافة إلى سوء الإدارة وقلة التمويل».

وأوضح إبراهيم، الذي يعمل بمستشفى الرازي للصحة النفسية بالعاصمة، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحديث عن نقص الأطباء في بعض مدن الجنوب يعود إلى أسباب أمنية وصعوبة التنقل، وقلة مقومات الحياة هناك».

وشدد إبراهيم على ضرورة اقتران القرار بـ«زيادة الاهتمام بكليات الطب الحكومية، وتحسين جودة التعليم والتدريب، ورفع كفاءة الأطباء الليبيين عبر استقدام الخبرات الأجنبية والتعاقد لبقائهم لفترات طويلة لتعظيم الاستفادة».

وتتنازع حكومتان في ليبيا؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.


مقالات ذات صلة

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

شمال افريقيا من أعمال إصلاح شبكة الكهرباء في شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

تتصاعد حالة الغضب في ليبيا مع تجدد الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي للمرة الثالثة خلال أسبوع.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا لقطة جماعية للمشاركين فيما يعرف بـ«ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية بركان الغضب ناصر عمار)

تواتر الإعلان عن «حكومات افتراضية» يُربك المشهد السياسي الليبي

لم يعد السباق السياسي في ليبيا مقتصراً على آليات تشكيل حكومة جديدة في بلد يعيش انقساماً حكومياً، بل وأيضاً على إعلانها بشكل أحادي، حسب خبراء.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا قوات تابعة للجيش الوطني خلال اعتقال مهربين في الجنوب الليبي (الشرق الأوسط)

ليبيا وتشاد تكثفان تأمين الحدود وملاحقة «متمردي فزان»

كثفت قوة عسكرية مشتركة بين «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والجيش التشادي، السبت، عملياتها لتأمين الحدود الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)

على من يُطبّق القانون في ليبيا؟

أثارت واقعة جلد ليبية في وضح النهار ووسط المارة بمدينة سبها (جنوب البلاد) استياء أطياف مجتمعية عديدة، متسائلين عن مدى تطبيق القانون على الأقوياء وحملة السلاح.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النهر الصناعي» أكد تضرر بعض الآبار بانقطاع الكهرباء (منظومة «النهر الصناعي»)

«الأعلى للدولة» يتهم «الوحدة» الليبية بالإخفاق في حل أزمة الكهرباء

أعرب المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عن «بالغ القلق والأسف» إزاء استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتفاقم طرح الأحمال في مختلف أنحاء البلاد، مطالباً بالتحقيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)