كيف ترى القاهرة مقترح لقاء السيسي - نتنياهو؟

مصدران مصريان ربطا أيّ ترتيبات مرتقبة بوقف «حديث التهجير»

صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)
صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)
TT

كيف ترى القاهرة مقترح لقاء السيسي - نتنياهو؟

صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)
صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)

بينما تتردد أحاديث إعلامية عن مساع أميركية لقيادة مبادرة تهدف لعقد لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد مصدران مسؤولان في مصر أن القاهرة لم تتلق حتى الآن أي اتصالات من جانب الإدارة الأميركية بهذا الصدد.

وكان موقع «أكسيوس» قد نقل عن مسؤول أميركي وآخر إسرائيلي، الأحد، أن «البيت الأبيض يسعى إلى التوسط لعقد قمة بين السيسي ونتنياهو اللذين لم يتواصلا علناً منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكثر من عامين».

لكنّ المصدرين المصريين، اللذين طلبا عدم ذكر اسميهما، قالا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «المسؤولون في القاهرة قرأوا عن تلك المبادرة في الإعلام، لكن لم يحدث أي تواصل أميركي - مصري في هذا الشأن حتى هذه اللحظة».

وشددا في الوقت ذاته على أن مصر «تحترم علاقاتها الرسمية مع كل الدول بما فيها إسرائيل، لكن الاتصالات واللقاءات على مستوى الرئاسة تخضع لتقدير الدولة المصرية وأجهزتها، لما في ذلك من فائدة للأمن القومي للبلاد ومصالحها ومواقفها فيما يخص القضايا المثارة على الساحة».

وشرح المصدران أن القاهرة ترى أن أي لقاء للسيسي مع نتنياهو مرهون بممارسات إسرائيل وسياستها بشأن حل القضية الفلسطينية «والتوقف تماماً ونهائياً عن أي حديث لتهجير الفلسطينيين، لما في ذلك من تصفية للقضية الفلسطينية، وتهديد مباشر للأمن القومي المصري».

وأشارا إلى ما صدر في إسرائيل في الآونة الأخيرة من تصريحات تفيد بفتح معبر رفح أمام خروج أهل غزة نحو مصر، وهو ما أغضب القيادة السياسية المصرية بشدة، ودفع هيئة الاستعلامات في القاهرة إلى إصدار نفي له، والتأكيد على أن فتح المعبر لن يكون إلا في الاتجاهين، بحيث يسمح بالدخول والخروج من غزة وليس الخروج فحسب.

معبر رفح البري مفتوح من الجانب المصري في أغسطس الماضي (الشرق الأوسط)

وقال أحد المصدرين: «هناك فرق شاسع بين كون مصر وجهت الدعوة لنتنياهو لحضور قمة السلام في شرم الشيخ، التي حضرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعماء من عدة دول، وشهدت توقيع اتفاق إنهاء الحرب في غزة، وكون الرئيس السيسي يقبل بلقاء رئاسي طبيعي مع نتنياهو؛ لأن حضور نتنياهو لقمة شرم الشيخ كان سيعني موافقة رسمية إسرائيلية على الاتفاق الذي تم في القمة، ويتضمن عدم الحديث عن تهجير الفلسطينيين، لكن اللقاء الرئاسي الطبيعي دون التزام إسرائيلي بهذا الأمر لا تفضله مصر إلا بعد حل الأمور العالقة».

وكان من المقرر أن يحضر نتنياهو «قمة السلام» الخاصة بغزة في مدينة شرم الشيخ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي كان قد جرى تنسيقها بدعم من الرئيس الأميركي، إلا أن الرئاسة المصرية قالت في بيان حينها إن «نتنياهو لن يشارك في القمة، بسبب الأعياد الدينية».

صفقة الغاز

وفي تقريره، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن على نتنياهو الموافقة أولاً على صفقة غاز استراتيجية مع مصر، واتخاذ خطوات أخرى تشجع الرئيس المصري على القبول بعقد لقاء.

وعدّ المسؤول الأميركي الذي استشهد التقرير بحديثه أن هذه «فرصة كبيرة لإسرائيل... إذ إن بيع الغاز لمصر سيخلق حالة من الاعتماد المتبادل، ويقرّب بين البلدين، ويؤسس لسلام أكثر دفئاً، ويمنع الحرب».

إلا أن المصدرين المصريين أكدا أن القاهرة «تفصل تماماً في علاقاتها بالدول بين ما هو سياسي وما دون ذلك من أمور اقتصادية أو غيرها، وأن مسألة صفقات الغاز أو غيرها من الأمور التجارية تحكمها المصالح المتبادلة، ولا تقبل مصر باستخدامها في إطار المواءمات السياسية».

لقطة لخيام تؤوي نازحين فلسطينيين في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحادث حالياً بسبب الحرب في غزة؛ خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في يناير (كانون الثاني) الماضي بوساطة القاهرة، واستئنافها الحرب وقطع المساعدات للقطاع، ثم احتلالها محور «موراج»، والترتيب لبناء مدينة خيام للغزيين قرب حدود مصر.

هذا فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني وحصار القطاع، وكذا محاولة تل أبيب إلقاء اللوم على مصر في حصار وتجويع الشعب الفلسطيني وترديد ذلك في الإعلام العبري، وسماح السلطات الإسرائيلية لبعض الأشخاص بتنظيم مظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب «للتنديد بدور مصر» المزعوم في حصار الغزيين، وهو الأمر الذي أغضب القاهرة بشدة ودفعها لإصدار بيانات رسمية تدينه.

وتصاعدت المناوشات الإعلامية بين الطرفين من حين لآخر خلال الفترة الماضية.

ولم تعتمد القاهرة أوراق سفير جديد لإسرائيل منذ انتهاء مدة السفيرة الإسرائيلية السابقة في الربع الأول من عام 2024؛ كما استدعت مصر سفيرها من إسرائيل قبل عدة أشهر، ولم يعد إلى هناك حتى الآن.

وتجدر الإشارة إلى أن مصادر قالت لـ«الشرق الأوسط» في أغسطس (آب) الماضي إن «القاهرة لا تتفاعل مع أي اتصالات مع إسرائيل على مستوى الرئاسة ولا الحكومة ولا الخارجية»، وإن الاتصالات تقتصر على ما يتعلق بالوفود الأمنية بشأن وساطة غزة، أو التنسيق الأمني المنصوص عليه في اتفاقية السلام.


مقالات ذات صلة

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

شمال افريقيا مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

ألقت تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة، والتي استعرضها وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب المصري اليوم الأربعاء.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل أيام مرور الكرام، وسط جدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته الغذائية» التي يروج لها.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

شددت مصر على عمق ومتانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

قدّم رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب الإيرانية وآليات التعامل مع تداعياتها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

تسعى مصر إلى تجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على حركة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتعزيز امتدادها الدولي، ومنها «ميناء دمياط».

عصام فضل (القاهرة)

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.


مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
TT

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط، بعدما تحولت نقطةً متكررة لإنقاذ المهاجرين وانتشال الضحايا، في مشهد يعكس تصاعد المخاطر التي تحيط بمحاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي» عبر قوارب متهالكة تفتقر لأبسط شروط السلامة.

وأعلنت رئاسة الأركان البحرية التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، الأربعاء، عن إنقاذ 106 مهاجرين غير نظاميين، كانوا على متن قاربين في عرض البحر الأبيض المتوسط، بعد تعرضهم لظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وضمت المجموعة مهاجرين من جنسيات متعددة، بينها اليمن والسودان وبنغلاديش، إضافة إلى عدد من النساء، حيث جرى نقلهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق، قبل أن تتولى فرق الهلال الأحمر تقديم الإسعافات الأولية والدعم الإنساني اللازم لهم.

وحمّلت السلطات الليبية شبكات تهريب البشر، أو ما وصفتهم بـ«العصابات الإجرامية» مسؤولية هذا الحوادث، مشيرة إلى أنها تدفع بالمهاجرين نحو البحر في قوارب خشبية أو مطاطية بدائية، غير صالحة للإبحار لمسافات طويلة، في رحلات غالباً ما تنتهي بالموت أو الفقدان قبل بلوغ شواطئ «الحلم الأوروبي»، الذي يطاردهم من دول النزاع والفقر.

جثة مهاجر غير نظامي لحظة انتشالها في شاطئ بمدينة طبرق الليبية الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

ولم تكن هذه هي عملية الإنقاذ الأولى في محيط طبرق خلال الفترة الأخيرة؛ إذ شهدت المنطقة سلسلة متواصلة من هذه العمليات. فقد أعلن الهلال الأحمر الليبي، الثلاثاء، تقديم مساعدات إنسانية لـ41 مهاجراً من جنسيات مختلفة بعد إنقاذهم من رحلة بحرية شاقة في عرض المتوسط، وسط تزايد البلاغات عن قوارب تواجه أعطالاً، وظروفاً خطيرة أثناء محاولتها الوصول إلى أوروبا.

كما سبق ذلك إعلان آخر يوم الاثنين عن إنقاذ 36 مهاجراً غير نظامي، 23 مصرياً و13 سودانياً، إضافة إلى نساء وأطفال دون السن القانونية، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث يتحول السعي وراء «الحلم الأوروبي» تجربةً إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

ويلحظ طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، أن مناطق شرق ليبيا، لا سيما طبرق، باتت تشهد في الآونة الأخيرة موجة خروج ملحوظة لقوارب الهجرة غير النظامية، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض هذه القوارب يتم اعتراضها وإعادتها، في حين ينجح بعضها الآخر في مواصلة الرحلة.

ناجون من أحد قوارب الموت في مدينة طبرق الليبية (الهلال الأحمر الليبي)

وتعيد هذه التطورات التأكيد على أن ليبيا ما زالت تمثل أحد أهم ممرات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وما تبعه من حالة انقسام أمني وسياسي سمحت بازدهار شبكات التهريب عبر السواحل والصحراء.

وحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد المهاجرين، الذين جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى الأراضي الليبية منذ بداية عام 2026 نحو 4407 مهاجرين، بينهم 181 خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على استمرار محاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، رغم تصاعد المخاطر البحرية. وتقدر المنظمة أن مئات المهاجرين فقدوا حياتهم، أو اختفوا في مسارات وسط البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

في غضون ذلك، لا تزال شواطئ طبرق تستقبل المزيد من الجثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحلها السبت، أسفر عن مصرع ستة أشخاص على الأقل وإنقاذ أربعة آخرين. ومنذ ذلك الحادث، تتوالى عمليات انتشال الجثث على فترات متقطعة، حيث تم العثور على 12 جثة، من بينها مهاجرون مصريون وسودانيون.

ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» للفترة الممتدة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، فقد سُجل وجود 939638 مهاجراً في ليبيا، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، ويمثل زيادة مقارنة بالتقديرات السابقة.

إلا أن رئيس «جهاز مكافحة الهجرة»، في شرق ليبيا، اللواء صلاح الخفيفي، قال في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إن الأرقام الرسمية المتاحة لدى السلطات في شرق ليبيا، تشير إلى أن «مراكز الاحتجاز تستوعب نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي، وقد تم ترحيل 41 ألف شخص العام الماضي».

وتعيد هذه الحوادث المتكررة تسليط الضوء على المفارقة القاسية، التي يعيشها آلاف المهاجرين، بين حلم الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، وبين واقع بحري شديد الخطورة، تتحول فيه الرحلة من أمل بالنجاة مواجهةً مفتوحةً مع الموت في عرض المتوسط.


تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)

وسط انتقادات برلمانية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين، أبرز تعطل أنظمة (سيستم) هيئة التأمينات الاجتماعية المستمر منذ نحو شهر، تحديات «التحول الرقمي» في مصر مع تكرار المشكلات التقنية.

ويواجه النظام الإلكتروني للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عطلاً فنياً على مستوى المحافظات، ما أدى إلى تعطل عدد من الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون بشكل يومي، وتوقف استخراج العديد من المستندات الأساسية، بينها صرف مستحقات عدد من أصحاب المعاشات.

وأثار استمرار العطل انتقادات برلمانية، وتقدم عدد من أعضاء مجلس النواب، بينهم سحر البزار، بسؤال برلماني إلى رئيس الوزراء، مطالبين بتوضيحٍ بشأن ما تم رصده من شكاوى متزايدة حول تأخر صرف المعاشات وتعطل عدد من خدمات منظومة التأمينات الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على أصحاب المعاشات، باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجاً واعتماداً على هذا الدخل مصدراً أساسياً للمعيشة.

وزير الاتصالات المصري رأفت هندي خلال افتتاح أحد مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات)

كما تقدم النائب أحمد بلال البرلس بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب، موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن ما وصفه بتعطل منظومة الخدمات داخل هيئة التأمينات الاجتماعية في أعقاب تطبيق نظام التحول الرقمي الجديد (CRM).

تسهيل أم تعطيل؟

يقول خبير أمن المعلومات، المهندس إسلام غانم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهم العناصر التي تسبب مشكلات تتعلق بالتحول الرقمي هو العامل الاقتصادي، موضحاً: «تقوم المؤسسات بشراء نظام تشغيل أقل تكلفة، وقد يتبين بعد ذلك عدم ملاءمته للاستخدامات، أو ضعف جودته».

وتابع قائلاً: «في بعض المؤسسات يقوم المحاسبون بتحديد نظام التشغيل الذي تشتريه المؤسسة بالاختيار بين عروض شركات مختلفة انطلاقاً من التكلفة، دون الالتفات لرأي خبراء التكنولوجيا والمعلومات».

واعتبر عضو مجلس النواب فريدي البياضي، في طلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، الأربعاء، أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد عطل فني عابر، بل هو «فضيحة إدارية ورقمية مكتملة الأركان، دفعت ثمنها الفئات الأضعف، وفي مقدمتها أصحاب المعاشات والأسر التي تنتظر مستحقاتها، والمواطنون الذين فوجئوا بأن حقوقهم أصبحت معلقة على جملة واحدة: السيستم واقع».

وقال البياضي في طلب الإحاطة إن «التحول الرقمي لا يكون بتعطيل الناس، ولا بإغلاق أبواب المصالح العامة في وجوه المواطنين»، مضيفاً أن الحكومة «لا يجوز لها أن تنفق أموالاً طائلة على منظومات يفترض أنها لتسهيل الخدمة، ثم تكون النتيجة النهائية هي شلل كامل في الأداء ووقف حال الناس».

افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية بمحافظة الجيزة قبل أيام (وزارة الاتصالات المصرية)

العراقيل والحلول

ويرى خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، محمد حمزة، أن التحول الرقمي في مصر يواجه تحديات مركبة، أبرزها «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق؛ فما زال الإنترنت والخدمات الرقمية غير مستقرة أو بطيئة، ما يعرقل استخدام الأنظمة الإلكترونية».

وأشار أيضاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى نقص المهارات الرقمية كأحد المعوقات، قائلاً: «يحتاج جزء كبير من المواطنين والموظفين إلى تدريب أفضل». كما تحدث عن ارتفاع تكلفة التحول الرقمي الذي قال إنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الأجهزة والبرامج والتدريب والصيانة والتأمين الإلكتروني.

واستطرد: «البيروقراطية ومقاومة التغيير يقفان عائقاً أمام انطلاق التحول الرقمي؛ فبعض الجهات ما زالت تعتمد على الإجراءات الورقية التقليدية مما يبطئ الانتقال، فضلاً عن مشكلة عدم تكامل البيانات بين الجهات المختلفة، ويؤدي ذلك إلى وجود قواعد بيانات منفصلة بين الجهات المختلفة ينتج عنها تكرار إدخال البيانات».

وهو يرى أن مصر في حاجة إلى تحديثات تشريعية؛ «لأن التطور التكنولوجي السريع يتطلب قوانين تنظم المعاملات الرقمية وتحمي الحقوق، وتضمن الأمن السيبراني وحماية البيانات».

وتحدث حمزة عن خسائر تتسبب فيها مشكلات التحول الرقمي، منها «تعطيل أو بطء الخدمات والأنشطة، وما يصحبه من خسائر مالية، وانخفاض الإنتاج، وزيادة تكلفة التشغيل؛ حيث تضطر الوزارات إلى العودة للنظام الورقي. وأحياناً يؤدي تكرار الأعطال إلى فقدان ثقة المستثمرين بالأنظمة التكنولوجية».

وبحسب تصريحات أدلى بها مصدر مسؤول بالهيئة القومية للتأمينات لوسائل إعلام محلية، الثلاثاء، فإنه «يتم حالياً تطبيق نظام إلكتروني جديد على مستوى الجمهورية، وهو ما صاحبه ظهور بعض التحديات التشغيلية خلال مرحلة الإطلاق الأولى»، مؤكداً أن «الفرق الفنية تبذل جهوداً مكثفة للانتهاء من تشغيل السيستم الجديد بشكل كامل»، متوقعاً عودة الخدمات تدريجياً خلال الفترة القريبة المقبلة.