إعلان نتيجة المرحلة الثانية من انتخابات «النواب» المصري وسط جدل «الطعون»

استنفار أمني استعداداً لإعادة التصويت في «الدوائر الباطلة» بالجولة الأولى

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في المرحلة الثانية من انتخابات «النواب» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في المرحلة الثانية من انتخابات «النواب» (الرئاسة المصرية)
TT

إعلان نتيجة المرحلة الثانية من انتخابات «النواب» المصري وسط جدل «الطعون»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في المرحلة الثانية من انتخابات «النواب» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في المرحلة الثانية من انتخابات «النواب» (الرئاسة المصرية)

في مناخ انتخابي «اتسم بجدل واسع» منذ الجولة الأولى، أعلنت «الهيئة الوطنية للانتخابات» في مصر، الثلاثاء، نتائج المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب، وسط استمرار تدفّق «الطعون» على المحكمة الإدارية العليا، بالتوازي مع استعدادات أمنية مكثفة لإعادة التصويت في «الدوائر الباطلة» التي أُلغيت نتائجها خلال المرحلة الأولى.

وتتصاعد الأسئلة بين سياسيين ونخب مصرية حول مستقبل النظام الانتخابي، في ظل موجة انتقادات ومطالبات بإصلاحات أعمق، وتصريحات سياسية رفيعة المستوى شددت على ضرورة «تصحيح المسار» حفاظاً على صورة الدولة وسيادة القانون.

غير أن الهيئة الوطنية للانتخابات، وعلى لسان رئيسها القاضي حازم بدوي، عدَّت في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، أن «ظاهرة إلغاء الدوائر وإعادة الانتخابات فيها شهادة ضمان لنزاهة الانتخابات، ولا تستُّرَ على مخالفة أو مخالف في انتخابات النواب»، كاشفة عن إبطال لجنتين بمحافظتي القليوبية والدقهلية لوجود مخالفات تؤثر على الانتخابات التي جرى التصويت فيها يومي 24 و25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتجري الانتخابات البرلمانية في مصر وفق نظامي «الفردي» و«القائمة المطلقة المغلقة»؛ وبحسب النتائج التي أعلنتها «الهيئة» فقد ضمنت «القائمة الوطنية»، التي تضم أحزاباً أبرزها «مستقبل وطن» و«حماة الوطن» و«الجبهة الوطنية»، الفوز بمقاعد القائمة في المرحلتين، لتحصد 284 مقعداً تُعادل نصف عدد مقاعد البرلمان البالغ 568 مقعداً، في ظل غياب أي قوائم منافسة.

مصريون لحظة الإدلاء بأصواتهم في انتخابات «الدوائر الباطلة»، الثلاثاء، في الرياض (تنسيقية شباب الأحزاب)

«فيتو» السيسي

وبدا أن مسار الإعادة بين المرشحين هو «سيد الموقف» في المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب، وفق تقديرات الباحث المشارك في «المركز الوطني للدراسات» وليد عتلم، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أغلب الدوائر الفردية البالغ عددها 73 دائرة موزعة على 13 محافظة «تتجه إلى جولات حاسمة».

وبحسب تقديره، فإن «التنفيذ الإداري لضوابط العملية الانتخابية سار على نحو أفضل مقارنة بالجولة الأولى»، وهو ما يُشير في رأيه إلى «تنافسية جادة تمنح المستقلين حظوظاً أوفر في الإعادة».

وقال عتلم: «استمرار حالة الرفض الشعبي للمخالفات، والتحرك الرئاسي والإداري الاستثنائي، أسفرا عن إلغاء نتائج عدد من الدوائر للتدقيق وإعادة الاستحقاق».

وبينما حددت «الهيئة» يومي الأربعاء والخميس لتلقي الطعون، تلقت المحكمة الإدارية العليا ثمانية طعون على نتيجة المرحلة الثانية فور إعلانها، جميعها من محافظة القاهرة، مع إتاحة فترة 48 ساعة للمرشحين غير الفائزين للطعن على النتائج، وفق وسائل إعلام محلية.

ولا يزال النقاش ممتداً في مصر حول سبل تصحيح مسار الانتخابات عقب «سلسلة اعتراضات ومخالفات» شابت عملية التصويت، ما دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مطالبة الهيئة الوطنية بمراجعة التجاوزات.

وانتهى الأمر بإلغاء نتائج 19 دائرة في سبع محافظات، قبل أن تضيف «الإدارية العليا» أحكاماً ببطلان 29 دائرة أخرى، لترتفع نسبة الدوائر الباطلة في النظام الفردي إلى أكثر من 60 في المائة. وقبل أيام، قال السيسي إن بعض ملاحظاته كانت بمثابة «فيتو» اعتراضاً على بعض الممارسات في العملية الانتخابية.

رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر خلال إعلان نتائج المرحلة الثانية للانتخابات البرلمانية الثلاثاء (من مقطع فيديو)

وأكد بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، الثلاثاء، التزام الهيئة بتنفيذ أحكام القضاء الإداري، معلناً مواعيد إعادة التصويت في الدوائر الملغاة بحكم «الإدارية العليا»، بحيث تُجرى الجولة الأولى يومي 8 و9 ديسمبر (كانون الأول) الحالي للمصريين بالخارج، و10 و11 ديسمبر للداخل، على أن تعلن النتيجة يوم 18 من الشهر نفسه.

وفي حالة الإعادة، تُجرى الانتخابات في الخارج يومي 31 ديسمبر و1 يناير (كانون الثاني) المقبل، وفي الداخل يومي 3 و4 يناير، وتُعلن النتيجة النهائية يوم 10 يناير.

«تصحيح المسار»

لكن الدبلوماسي المصري الأسبق، الدكتور مصطفى الفقي، رأى أن مصر تواجه «تحديات إقليمية دقيقة تستوجب تصحيح مسار العملية الانتخابية عبر الآليات القانونية المتاحة»، سواء عبر محكمة النقض أو المحكمة الدستورية العليا.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ضمان خروج برلمان «خالٍ من أي عوار قانوني» لم يعد مقتصراً على الجانب التشريعي، بل بات ضرورة ترتبط أيضاً بـ«صورة الدولة المصرية في الخارج». وشدّد على أن «الاحتكام للقضاء واحترام مساراته يمثلان الطريق الأمثل لمعالجة ما قد يشوب العملية الانتخابية».

مصريون يتوجهون للإدلاء بأصواتهم في أرض المعارض بالكويت الثلاثاء (تنسيقية شباب الأحزاب)

وسبق أن دخل الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، على خط الجدل الدائر بشأن الانتخابات، عادَّاً أن المسار الانتخابي الجاري «سينتج برلماناً معيباً قد ينعكس على جودة التشريع»، مشيراً في تصريحات متلفزة مساء الاثنين إلى أن «ما حدث في نظام القائمة المطلقة وضع غير سليم يجب تصحيحه»، داعياً إلى «فتح الباب أمام إصلاح النظام الانتخابي، خصوصاً ما يتعلق بالقوائم».

وعلى وقع هذا الجدل، تستعد الدوائر التسع عشرة الملغاة بالمرحلة الأولى لاستقبال الناخبين بالداخل، الأربعاء والخميس، فيما أكد مصدر أمني بوزارة الداخلية «جاهزية كل القطاعات الأمنية لتأمين إعادة انتخابات النواب». وفي الوقت ذاته، اختُتمت الثلاثاء جولة الإعادة للمصريين بالخارج في 20 دائرة تشمل محافظات الجيزة والفيوم وأسيوط وسوهاج وقنا والإسكندرية والبحيرة، وسط «إقبال ملحوظ» من المقيمين في السعودية والكويت، وفق الهيئة الوطنية للانتخابات و«تنسيقية أحزاب الشباب».

وأوضح المصدر الأمني أنه «تم الانتهاء من تعقيم المراكز واللجان وتمشيطها أمنياً»، لافتاً إلى مرور القيادات الأمنية على القوات للتأكد من جاهزيتها، والتشديد على «حسن معاملة المواطنين ومراعاة البعد الإنساني».

وفي تقييم للمشهد، توقع نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو هاشم ربيع، إقبالاً ضعيفاً في جولات الإعادة بالداخل.

وقال: «مفردات اللعبة الانتخابية لا تزال قائمة، سواء لجهة المال السياسي حتى وإن تمت معالجته، أو ظاهرة توريث المقاعد البرلمانية».

ويرى ربيع أن «تغيير نظام القوائم الانتخابية هو الحل الأمثل».


مقالات ذات صلة

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

شمال افريقيا السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا  السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)

هل تخفف تطمينات السيسي بشأن «السلام» التوتر مع إسرائيل؟

قال السيسي إن مصر «خاضت حرباً دفاعاً عن أرضها واستعادت كامل أراضيها».

هشام المياني (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد استمرارها في تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته

أكدت مصر استمرارها في دعم جهود تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته، وشددت على رفض «أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال ندوة تثقيفية الأربعاء في ذكرى انتصارات أكتوبر (الرئاسة المصرية)

السيسي: استهداف السعودية يؤثر على الأمن القومي المصري

أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أن «مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وأن أي ضرر يصيب أياً من الدولتين سوف يؤثر على الأخرى».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بدستور بلاده»، وقال إن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
TT

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)

وسط مطالبة بـ«توسيع المشاركة السياسية في البلاد»، رحبت أحزاب وقوى سياسية بتأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بالدستور»، في حين عبّر معارضون عن «أملهم في انفراجة سياسية» مقبلة.

وكان السيسي أكد أن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد»، وجاءت تأكيدات السيسي خلال الندوة التثقيفية بالقوات المسلحة مساء الأربعاء، في سياق حديثه عن «محاولات استهداف مصر من الداخل، وبث حرب نفسية تستهدف ثقة المصريين في مؤسسات الدولة».

كما تزامن حديث السيسي بشأن «الدستور المصري» مع تنامي مقترحات بتعديله، خاصة أن ولاية الرئيس المصري الحالية هي الأخيرة، وتنتهي عام 2030.

وأشار السيسي إلى أن «حجم العمل والإنجاز الذي تم في مصر منذ عام 2014 ما كان أن يتم في أقل من ثلاثين عاماً»، مؤكداً أنه سوف «يستمر في العمل حتى آخر يوم من مدته في منصبه عام 2030».

وعبّرت «الحركة المدنية الديمقراطية»، وهي أكبر تجمع معارض في البلاد، عن «ارتياحها الشديد» بشأن حديث السيسي، ورأت أنه «خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية».

وأكدت الحركة في بيان، مساء الأربعاء، أن «الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية هو احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة، والمدخل الأساسي لفتح رئة المجتمع، وتوسيع المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني».

وأكدت «الحركة» أنها «تتطلع إلى أن يتحول حديث السيسي إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم».

الرئيس السيسي خلال الندوة التثقيفية بالقوات المسلحة مساء الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وقال المنسق العام للحركة المدنية أكرم إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، إن الحركة «تسعى إلى الحصول على مساحة أكبر من حرية العمل السياسي والحزبي وتوسيع المشاركة الجماهيرية».

من جهته، عدّ أستاذ العلوم السياسية في «جامعة القاهرة» طارق فهمي أن حديث السيسي «مباشر وصريح». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطاب يعني أن قرار الرئيس قد حُسم سياسياً، وأنه لا تعديل للدستور».

وتوقع فهمي أن يُحدث الخطاب «زخماً سياسياً بالبلاد خلال الفترة المقبلة»، وهو ما يتطلب من كافة القوى السياسية والأحزاب أن «تعيد تقييم قوتها ووضعها، وتقدم مقترحات وسياسات وتصورات جديدة للتعاطي مع المرحلة وتوسيع المشاركة السياسية بتحالفات جديدة».

كما يعتقد أن الرئيس السيسي حسم البعد السياسي لتعديل الدستور، لكن «الأمر في النهاية ليس بيد الرئيس وحده؛ إذ توجد مؤسسات أخرى بالدولة، حيث يمكن للسلطة التشريعية أن تتبنى تعديل الدستور»، مؤكداً أن «حسم السيسي لن يوقف المطالبين بتعديل الدستور».

أحزاب سياسية رحبت بحديث السيسي عن الدستور المصري (مجلس النواب المصري)

وفي إطار تأكيده «الترحيب» بحديث السيسي، عبّر حزب «الدستور» في بيان، مساء الأربعاء، عن أمله في أن تمثل هذه التصريحات «خطوة إيجابية نحو مرحلة جديدة يكون فيها احترام الدستور ليس فقط بالحفاظ على نصوصه»، وإنما أيضاً بالتنفيذ «الكامل لأحكامه»، وأن تكون «مدخلاً لخطوات أوسع نحو فتح المجال العام، وتعزيز التعددية السياسية، وإتاحة الفرصة أمام الأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني للقيام بأدوارها بحرية ومسؤولية».

وتطرق نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو هاشم ربيع إلى الدلالات المباشرة لحديث السيسي، مؤكداً أن الخطاب «يعني سياسياً أننا على موعد مع رئيس جديد عقب انتهاء ولاية السيسي في 2030 ما لم يحدث شيء آخر».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس السيسي جاد وصادق في إعلانه رفض تعديل الدستور، لكن يمكن أن نشهد تحركات سياسية من أحزاب ترى ضرورة التعديل عبر تظاهرات أو فعاليات سياسية».

وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة «زخماً سياسياً بالبلاد وحراكاً حزبياً»، لكن المشكلة في رأيه أن «الأحزاب لم تستعد لهذه اللحظة، وليس لديها بدائل».


الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي ومسار الصعود إلى قمة المؤسسة التشريعية

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)
الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي ومسار الصعود إلى قمة المؤسسة التشريعية

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)
الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)

يمثل صعود أحمد التويزي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، إلى رئاسة مجلس النواب المغربي الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، محطة تدشين لمرحلة سياسية جديدة تعقب إعادة تشكيل الأغلبية والمعارضة بالمملكة.

ويأتي تسلمه إدارة الغرفة الأولى ترجمةً مباشرةً لنتائج الاقتراع التشريعي وموازين القوى الحزبية داخل البرلمان، واضعاً مساره الممتد بين قطاع التعليم وتدبير الشؤون المحلية والجهوية تحت مجهر التقييم المؤسساتي.

ومع بداية ولايته الخماسية، يواجه رئيس المجلس تحديات تنظيمية ودستورية جوهرية تتطلب قيادة النقاش التشريعي بالتوازن المطلوب، وإدارة التنافس السياسي بين مكونات الأغلبية والفرق المعارضة بمسافة واحدة تضمن حقوق الجميع وتصون هيبة المؤسسة.

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي أحمد التويزي (أ.ف.ب)

ليلة الحسم البرلماني وكواليس الأرقام في صندوق الاقتراع

توّج أحمد التويزي مساره السياسي بانتخابه رئيساً لمجلس النواب في الجلسة العمومية المنعقدة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026. ووفقاً لنتائج التصويت، حسم التويزي المقعد الدستوري الثالث في هرم الدولة بحصوله على الأغلبية المطلقة الممثلة في 220 صوتاً، بدعم مباشر ومكثف من مكونات التحالف الحكومي الجديد.

وفي المقابل، حصد منافسه المباشر إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية المعارض، 59 صوتاً.

وشهدت هذه الجلسة رسائل سياسية مبطنة من خلال تسجيل كتلة تصويتية بيضاء أو ملغاة بلغت 90 صوتاً من أصل 369 من الأصوات المعبر عنها، ما يعكس حجم التجاذبات الصامتة داخل القبة التشريعية.

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي أحمد التويزي (أ.ف.ب)

صعود من الهامش الجغرافي إلى هرم السلطة التشريعية

لا يمكن قراءة السيرة السياسية لأحمد التويزي بمعزل عن مجاله الترابي الحصين في إقليم الحوز، وتحديداً مدينة آيت أورير القريبة من مراكش. فهذه المنطقة الجبلية والناشئة لم تكن مجرد مسقط رأس ونشأة، بل شكلت على الدوام الخزان الانتخابي الحاسم والقاعدة الخلفية التي انطلق منها لبناء نفوذه السياسي.

ورغم أن هذا الارتباط الوثيق بالمنطقة منحه شرعية الميدان، فإنه لم يخلُ من انتقادات مستمرة من قبل فاعلين محليين ومعارضين اعتبروا أن حصيلته التدبيرية المحلية لم تحقق القفزة التنموية المأمول فيها ببلدته الأصلية والمناطق المجاورة لها.

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي أحمد التويزي (أ.ف.ب)

من فصول التدريس وعلوم الطبيعة إلى ردهات السياسة

يبلغ رئيس مجلس النواب الجديد من العمر 71 عاماً، حيث ولد في خمسينات القرن الماضي، وعاش تحولات المغرب الحديث. تلقى التويزي تعليمه الأكاديمي في شعبة العلوم، وهو التخصص الذي أهّله لولوج الوظيفة العمومية أستاذاً لمادة العلوم الطبيعية في قطاع التعليم العمومي المغربي. وخلال مساره، ظل حريصاً في خطاباته على استحضار هويته الأولى كرجل تعليم، وهي الخلفية التي وظّفها لسنوات في صياغة خطابه السياسي وتواصله المباشر مع الفئات الشعبية، قبل أن يقرر التفرغ الكامل للعمل الانتخابي والمؤسساتي.

البرلمان المغربي (أ.ف.ب)

البراغماتية السياسية ورحلة التحولات الحزبية المثيرة

يكشف التاريخ الحزبي لأحمد التويزي عن مرونة سياسية واضحة وقدرة على التكيف مع تقلبات المشهد الحزبي المغربي وتغير موازين القوى. بدأت خطواته الأولى في العمل السياسي منذ عام 1974 من داخل تنظيمات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمراكش ذي التوجه اليساري الراديكالي آنذاك.

ومع تغير الخرائط السياسية للمملكة، تدرج التويزي عبر هيئات سياسية مختلفة شملت حزب الاتحاد الدستوري ثم حزب الحركة الشعبية، ليتوج هذا المسار الطويل بالانضمام إلى حزب الأصالة والمعاصرة الليبرالي، حيث ترقى في مناصبه الداخلية ليصبح عضواً في مكتبه السياسي وأحد أبرز مهندسي توازناته البرلمانية.

من التدبير الجماعي ورئاسة الجهة إلى المطبخ التشريعي

تنوعت المسؤوليات التي شغلها التويزي طوال عقود من التدبير على مستويات ترابية وتشريعية مختلفة. فقد تولى رئاسة المجلس الجماعي لمدينة آيت أورير لعدة ولايات متتالية، ما جعله وجهاً مألوفاً في تدبير الشأن المحلي. وعزّز هذا النفوذ الترابي بانتخابه رئيساً لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز بين عامي 2011 و2016 قبل اعتماد التقسيم الجهوي الحالي للمملكة.

ولم يقتصر مساره على الجماعات الترابية، بل شغل لسنوات طويلة عضوية مجلس المستشارين، وتولى داخل الغرفة الثانية منصب محاسب المجلس، قبل أن ينتقل للغرفة الأولى نائباً عن دائرة الحوز، ثم رئيساً للفريق النيابي للأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية السابقة، وهي المهمة التي أكسبته دراية دقيقة بكواليس الطبخ التشريعي وضبط التوازنات بين الفرق.

في معبد الرئاسة ومواجهة إرث الأسلاف الكبار

بدخوله مكتب رئاسة الغرفة الأولى، يخلف التويزي مباشرة الرئيس السابق رشيد الطالبي العلمي المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار. وبذلك، ينضم رئيس البرلمان الجديد إلى قائمة تاريخية حافلة من الشخصيات الوازنة التي تعاقبت على إدارة المشهد التشريعي المغربي منذ فجر الاستقلال، حيث يضع إرثه التدبيري في ميزان المقارنة مع قامات سياسية كبرى ترأست هذا المجلس، بدءاً من المهدي بن بركة في المجلس الوطني الاستشاري، وعبد الكريم الخطيب، والداي ولد سيدي بابا، وأحمد عصمان الذي قاد السفينة البرلمانية لأطول فترة متواصلة، وصولاً إلى عبد الواحد الراضي، ومصطفى المنصوري، وكريم غلاب، والحبيب المالكي.


الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)
حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)
TT

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)
حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

اتهمت السلطات الجزائرية رسمياً وبشكل مباشر اليوتيوبر المعارض اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، بدفع أموال لشخصين مقابل إشعال الحرائق، التي ضربت شرق البلاد خلال الصيف الماضي، وقد تُعرِّض اعترافاتُ أدلى بها هذان الشخصان حياتهما لخطر الإعدام، في أول خطوة من نوعها منذ إقرار تعديلات على القانون الجنائي الشهر الماضي، أعادت تفعيل عقوبة الإعدام.

اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص)

يجري منذ مساء الأربعاء تداول فيديو مثير عبر حسابات وزارة الدفاع الجزائرية، يتضمن مقتطفات من تسجيلات مصوّرة، قالت الوزارة إنها ستنشرها كاملة في وقت لاحق. ويورد الفيديو اتهامات لأحد أبرز المعارضين المقيمين في الخارج، وأكثرهم إزعاجاً للسلطة في الجزائر، التي سعت مراراً إلى ترحيله من فرنسا، من دون أن تنجح في ذلك؛ الأمر الذي أدخل العلاقات بين الجزائر وباريس في دوامة لا يبدو أن لها مخرجاً في المستقبل القريب.

يرافق بداية الفيديو صوت خافت لشخص يفسر الأسباب التي دفعت الشخصين إلى إضرام النيران، قبل ظهورهما في الفيديو المصور، حيث يشير إلى أن بوخرص، دون ذكره بالاسم، «استغل ظروفهما الاجتماعية» لأجل تنفيذ جريمة الحرائق، وأنه أغراهما بالمال وقدم لهما وعوداً كاذبة بتحقيق ثروة، كما «باعهما أوهاماً من وراء البحر». وفي مقابل ذلك، تكفل الشخصان تنفيذ «أعمال تخريبية استهدفت أمن الوطن وسلامته».

* إغراء بتسهيل الهجرة

ينسب الفيديو للشخصين المتهمين «حرق غابات وتدمير ثروات، وإلحاق خسائر فادحة بمقدرات الشعب الجزائري»، ويوضح أن من أوعز لهما بذلك، أي بوخرص الذي لا يذكر اسمه، «يسعى لتحقيق مصالح من يمولونه بالخارج، فينفذ أوامرهم الرامية إلى نشر أجواء من انعدام الأمن داخل المجتمع الجزائري، وضرب استقراره».

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)

بعد هذا الخطاب يظهر في الفيديو شاب ثلاثيني، يذكر أنه كان على تواصل مع بوخرص، الشهير في منصات الإعلام الاجتماعي بـ«أمير دي زاد»، ونقل عنه قوله: «ذلك البلد (الجزائر) يجب أن تشتعل فيه النيران!». كما نقل على لسانه قوله: «سأتدبر أمر تأشيرة دخولك إلى فرنسا، وسأدفع عنك تكاليف (زواج أبيض)»، وهو صيغة زواج في فرنسا يبرم رسمياً، لكن من دون نية حقيقية لبناء حياة زوجية؛ بهدف الحصول على الإقامة في فرنسا، أو تسوية الوضعية القانونية لأحد الزوجين.

وما يقترحه بوخرص على هذا الشاب، وفق ما ورد في كلامه، أنه سيجد له امرأة من الجنسية الفرنسية مستعدة للزواج به، على أن يدفع لها هو؛ بدلاً منه، مقابلاً مادياً نظير عقد زواج غير حقيقي في الواقع.

أما الشخص الثاني، وهو شاب في الثلاثينات أيضاً، يسمى «إسلام»، فكان على علاقة بالمعارض المثير للجدل، ونقل عنه هذا السؤال: «ماذا بإمكانك أن تفعله في قسنطينة؟»، في إشارة إلى أنه طلب منه معرفة مدى استعداده لإشعال النار في الغطاء النباتي بهذه الولاية التي تقع شرق البلاد، والتي ضربتها النيران الصيف الماضي.

وتبلغ مدة الفيديو دقيقة و45 ثانية، اختار له المشرفون على جهاز الإعلام والاتصال بوزارة الدفاع عنوان: «كشف مكائد الخيانة وخيوط العمالة»، ويرتقب أن تُعرض تفاصيل أخرى عن الاتهام الموجه إلى بوخرص عند بث الوثائقي كاملاً في قنوات التلفزيون العمومي.

ولأول مرة يوجه اتهام إلى جهة معلومة في قضية الحرائق، التي دمرت مساحات غابية كبيرة وحقولاً ومحاصيل زراعية. وكانت ولاية جيجل الساحلية (450 كيلومتراً شرق العاصمة) أكبر المناطق تضرراً، حيث لقي عشرات الأشخاص حتفهم بعد أن حاصرتهم النيران في الغابات والجبال، وألحقت بأملاكهم خسائر فادحة. واللافت أن السلطات لم تقدم حصيلة رسمية عن ضحايا الحرائق المستعرة، رغم مرور شهرين ونصف على الكارثة.

مسؤول النيابة الفرنسية المكلف قضية اختطاف المعارض أمير بوخرص (إعلام فرنسي)

* أحكام قاسية ضد المعارض

خلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي في 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، صرح الرئيس عبد المجيد تبون بأن هذه الحرائق «مفتعلة»، مؤكداً أن «هناك من استغل بعض الأشخاص المختلين عقلياً» في إضرام النيران بالغابات، ووعد بأن «يأتي الوقت الذي سنفضح فيه كل شيء».

وتضع الجزائر المعارض الأربعيني أمير بوخرص على رأس الأشخاص المطلوبين لديها، وكان حُكم عليه غيابياً بالسجن 20 سنة في 4 قضايا بين 2022 و.2024

ووفق الإعلام الفرنسي، فقد طلب الرئيس تبون من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال لقاءات جمعتهما سابقاً، العمل على تسليمه. غير أن محكمة باريس واجهت كل مذكرات اعتقاله وترحيله الصادرة عن الجزائر بالرفض، عادّةً أن «شروط محاكمة عادلة له غير متوفرة في الجزائر».

واشتهر اليوتيوبر بتسجيلات في حسابه على «تيك توك»، يتعرض فيها بالنقد، وأحياناً بالتجريح، لكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين بالبلاد.

وشكل أمير حلقة في الأزمة التي اندلعت بين الجزائر وفرنسا، إثر اعتراف قصر «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء عام 2024، حيث تصاعدت هجوماته ضد المسؤولين خلال هذه الفترة. وفي أبريل (نيسان) من العام نفسه، تعرض أمير للاختطاف من طرف مجهولين في باريس، ثم أفرج عنه بعد احتجازه، بينما لا تزال هذه القضية يلفها الغموض.

نيران مستعرة بشرق الجزائر خلال الصيف الماضي (الحماية المدنية)

وفي 2025 وجهت النيابة الفرنسية تهمة تدبير وتنفيذ عملية الاختطاف إلى 7 جزائريين. ولاحقاً سُجن موظف بإحدى القنصليات الجزائرية بعد اتهامه؛ مما رفع من حدة التوتر بين البلدين إلى درجات عالية، خصوصاً أن النيابة الفرنسية رفضت مؤخراً طلب الإفراج عنه.