الفارون من رمضاء العنف في السودان يكتوون بنار شح المساعدات على حدود تشاد

النازحون يعتمد بعضهم على بعض في الحصول على الطعام

أطفال سودانيون يتامى من الفاشر يتشاركون وجبة معكرونة ولحم من مشروع إطعام خيري (رويترز)
أطفال سودانيون يتامى من الفاشر يتشاركون وجبة معكرونة ولحم من مشروع إطعام خيري (رويترز)
TT

الفارون من رمضاء العنف في السودان يكتوون بنار شح المساعدات على حدود تشاد

أطفال سودانيون يتامى من الفاشر يتشاركون وجبة معكرونة ولحم من مشروع إطعام خيري (رويترز)
أطفال سودانيون يتامى من الفاشر يتشاركون وجبة معكرونة ولحم من مشروع إطعام خيري (رويترز)

في مخيم عبور (ترانزيت) على الحدود التشادية - السودانية، توزع نجوى عيسى آدم (32 عاماً) أطباق المعكرونة واللحم على الأطفال السودانيين اليتامى القادمين من مدينة الفاشر التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» في الآونة الأخيرة بعد حملة ضروس.

ونجوى آدم نفسها لاجئة من المدينة، وصلت إلى المخيم في أكتوبر (تشرين الأول)، وتقول إنها تعرضت في رحلة فرارها للاحتجاز تحت تهديد السلاح من قبل 4 من مقاتلي «الدعم السريع» اغتصبوها مراراً، إلى أن سمع شخص صرخاتها وساعدها في الهرب.

وهي تعمل حالياً على شراء الطعام وإعداده للعائلات الواصلة حديثاً باستخدام أموال يتبرع بها نازحون آخرون يعيشون في بلدة الطينة الحدودية. وتقول: «لا يملك الناس هنا أي طعام... والدعم الوحيد الذي نحصل عليه هو من سكان الطينة».

نجوى عيسى آدم النازحة من الفاشر تقدم وجبات لأطفال سودانيين يتامى (رويترز)

ولا تجد العائلات اللاجئة التي تصل إلى هذه البلدة الحدودية سوى قليل من المساعدات الإنسانية الدولية. وبالنسبة للكثيرين، يأتي المصدر الوحيد للغذاء من تبرعات اللاجئين الآخرين الذي وصل بعضهم إلى هناك في الآونة الأخيرة، والبعض الآخر منذ سنوات عديدة خلال صراع سابق في السودان.

عمل محدود للمنظمات

تعمل بضع منظمات غير حكومية في البلدة، من بينها منظمة «أطباء بلا حدود» التي تُشغّل عيادة متنقلة على الحدود وقسماً صغيراً للمرضى الخارجيين يفتح 3 أيام في الأسبوع بالمخيم.

وقال جوش سيم الذي يعمل ممرض طوارئ بالمنظمة، إن طفلاً من كل نحو 4 أطفال فحصتهم المنظمة في المخيم، يعاني سوء تغذية، وهو وضع قال إنه يتفاقم مع وصول مزيد من العائلات الفارة من الفاشر.

واستأنف برنامج الأغذية العالمي، السبت الماضي، توزيع الأغذية بشكل محدود على الحوامل والمرضعات والأطفال دون سن الثانية لمنع سوء التغذية.

ووفقاً لمتحدث باسم البرنامج التابع للأمم المتحدة، حوَّل البرنامج معظم الموارد إلى مخيمات أخرى بعيدة عن الحدود، في مسعى لتشجيع اللاجئين على الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً. وقالت نوال أبو بكر عبد الوهاب (49 عاماً)، التي كانت تعمل معلمة في الفاشر وفرّت الشهر الماضي في أثناء الهجوم: «ما في علاج، ما في دوا، ما في أي حاجة تانية. طلعنا بجلباب وتوب بس، بدون نعال، بدون بطانية. ما عندنا أي حاجة».

خفض المساعدات الأميركية

وذكر متحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وفق ما نشرته «رويترز»، أن المفوضية ليس لديها إلا 38 في المائة من إجمالي 246 مليون دولار تشير تقديراتها إلى أنها تحتاج إليها للتعامل مع أزمة اللاجئين السودانيين في تشاد.

وأوضح المتحدث أن تخفيضات الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية هي السبب الرئيسي وراء فجوة التمويل. وشكلت المساهمات الأميركية التي بلغت 68.4 مليون دولار في عام 2024، ما يعادل 32 في المائة من الميزانية الإجمالية للمفوضية. أما هذا العام، فقد انخفضت المساهمات الأميركية إلى 35.6 مليون دولار بما يعادل نحو 10 في المائة من إجمالي الميزانية التي ارتفعت مع تزايد الاحتياجات الإنسانية.

وعادة لا تستقبل مخيمات العبور؛ مثل المخيم الموجود في الطينة، اللاجئين إلا لفترة وجيزة، وتجري عمليات نقل منتظمة إلى مخيمات أكثر أماناً في الداخل.

وأوضح متحدث باسم مفوضية اللاجئين أن محدودية التمويل اللازم لتوفير ما يكفي من المياه والصرف الصحي والمأوى في تلك المخيمات الداخلية، أدت إلى تباطؤ جهود النقل.

ولا توفر منظمات الإغاثة أي مأوى دائم ولا حتى الخيام للوافدين الجدد بالمخيم؛ بل يوزع الموظفون مفارش بلاستيكية، فيما وصفه ماجات جيس، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تشاد، بأنه «مجرد شيء لحجب الشمس حتى يحظوا بقليل من الحماية».

أحداث الفاشر

وصل إبراهيم محمد إسحق (35 عاماً) إلى المعبر، في 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، مع زوجته وطفلتيهما، وكانوا يعيشون في مخيم أبو شوك على الجانب الشمالي من مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.

أطفال من دارفور يلعبون أمام خيام النازحين بشرق تشاد - 29 نوفمبر 2025 (رويترز)

وسقطت الفاشر في أيدي «قوات الدعم السريع» أواخر أكتوبر (تشرين الأول) بعد أعمال عنف دامت 18 شهراً، مما شكل نقطة تحول في الحرب المستمرة منذ عامين ونصف عام بين «الدعم السريع» والجيش السوداني.

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، يُعتقد أن أكثر من 100 ألف شخص فروا من المدينة. ووصل ما يقدر بنحو 9500 شخص إلى تشاد. وتفيد تقديرات المنظمة بأن نحو 180 شخصاً يعبرون الحدود إلى الطينة يومياً.

وفرّ إسحق وآخرون من عائلته من الفاشر على ظهور الحمير في اليوم السابق لاجتياح «قوات الدعم السريع» للمدينة. وقال إن مسلحي «الدعم» طاردوهم وآخرين في الطريق، وشاهد أكثر من 4 من أقاربه يُقتلون رمياً بالرصاص.

وبعد عبور الحدود، توقفت الأسرة عند عيادة متنقلة، حيث قدمت ممرضة من منظمة «أطباء بلا حدود» الدواء لطفلته الصغرى ذات الثلاث سنوات.

ثم توجهت الأسرة إلى نقطة تفتيش تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث سلّم ممثل اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» إسحق وأسرته، كيساً يحتوي على إبريق ماء فارغ وإبريق شاي بلاستيكي وقطعتين من الصابون ودلوين بلاستيكيين ومشمع.

ثم نُقلت الأسرة إلى نقطة عبور تبعد نحو 6 كيلومترات عن الحدود، حيث انضمت إلى ما يتراوح بين 1400 و1600 لاجئ ينتظرون نقلهم إلى مخيمات أخرى في مناطق داخلية أبعد.

وروى العشرات لـ«رويترز» قصصاً مماثلة عن مواجهات عنيفة في أثناء فرارهم من السودان، وكفاحهم من أجل البقاء على قيد الحياة منذ ذلك الحين.

من هذه القصص، ما روته عزيزة مصطفى (62 عاماً)، التي أظهرت صورة بالأشعة السينية لرصاصة استقرت في جانبها، وقالت إنها تحتاج إلى 500 مليون جنيه سوداني (نحو 1500 دولار) لإجراء عملية جراحية.

أما نورا محمد يحيى (38 عاماً) الحامل في شهرها التاسع، وتعيش مع أطفالها تحت شجرة خارج مجمع معسكر العبور، فقد فرت قبل 3 أشهر من شمال دارفور وعبرت إلى الطينة في أوائل نوفمبر، بسبب هجمات بالطائرات المسيرة.

وتساءلت بحسرة عما ستفعله لدى وضع حملها، وهي لا تملك مالاً ولا طعاماً ولا ملبساً.

المقايضة حلاً

أما في داخل السودان، فيلجأ كثيرون لمقايضة ما يملكون من ملابس أو أثاث لتوفير احتياجاتهم الأساسية، بينما يدوّن التجار ديون الزبائن في دفاتر لحين الدفع الآجل، في ظل انعدام السيولة وانهيار النظام المصرفي والاقتصاد بسبب الحرب المتواصلة منذ أكثر من عامين.

ويقول علي، وهو موظف حكومي في الدلنغ بولاية جنوب كردفان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أمسك بيدي ورقة نقدية منذ 9 أشهر»، ويؤكد أنه قايض «محراثاً وكرسياً مقابل 3 أكياس من الذرة».

أما الصادق عيسى، وهو متطوع محلي، فقال: «يتلقى سائقو الدراجات النارية والتوك توك الزيت والصابون أجرةً». ويضيف: «تقدم بعض العائلات الذرة أو الطحين أو السكر مقابل أعمال يومية مثل صيانة المركبات».


مقالات ذات صلة

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

أوروبا عائلة أفغانية رُحّلت من إيران تستريح بجانب أمتعتها في مخيم للمهاجرين العائدين قرب معبر إسلام قلعة الحدودي بولاية هرات الأفغانية يوم 20 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

بدأت فرنسا محادثات مع حكومة «طالبان» لتسهيل ترحيل أفغان يقيمون بصورة غير نظامية إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي تجهيز النازحين ببعض المستلزمات الضرورية قبل إعادتهم إلى مناطقهم التي نزحوا عنها في ريف حلب (وزارة الطوارئ)

خطة «سوريا بلا مخيمات»… عودة 10 آلاف أسرة وإغلاق 157 مخيماً

مع اقتراب فصل الشتاء تشهد خطة الحكومة السورية لتحقيق رؤية «سوريا بلا مخيمات» تسارعاً ملحوظاً وخلال الأسبوع الماضي عادت أكثر 500 عائلة نازحة إلى مناطقها الأصلية.

سعاد جرَوس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ما حجم الدعم الذي تطالب به مصر نظير استضافتها 10.5 مليون وافد؟

تكرِّر الحكومة المصرية مناشدتها المجتمع الدولي المساهمة في تحمُّل أعباء الوافدين، ضمن مبدأ «تقاسم الأعباء»، في ظلِّ أوضاع إقليمية تزداد صعوبة.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: خفض التمويل يهدد المساعدات الحيوية لـ 8.3 مليون لاجئ

حذَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء، من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً، قد يفقدون مساعدات حيوية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)

إشادة أممية بالدور الإنساني للسعودية وجهودها في دعم اللاجئين

أشاد برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالجهود الإنسانية السعودية في تقديم المساعدات الإغاثية والطارئة للاجئين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح سفارة لكولومبيا في القدس. وأفاد مصدر مصري مطلع، الجمعة، بأن وزارة الخارجية استدعت القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة، للإعراب عن احتجاج مصر الشديد ورفضها القاطع لافتتاح كولومبيا سفارة لها في القدس المحتلة، باعتبار ذلك «خطوة أحادية غير مقبولة، تتعارض مع الوضع القانوني والتاريخي القائم للمدينة، ومخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأكد المصدر، وفق ما أوردته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية، الجمعة، أن «هذا الإجراء يُعد باطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأوضح المصدر المطلع أنه «جرى التأكيد خلال الاستدعاء على أن مثل هذه الخطوات غير المسؤولة ستكون لها تداعيات سلبية على الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومن شأنها تأجيج التوترات».

كما شدد على «ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس المحتلة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بفرص تحقيق السلام على أساس (حل الدولتين)».

وكان وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، ومصر، وفلسطين، وتركيا، وجيبوتي، ولبنان، وليبيا، واليمن، وقطر، والأردن، والصومال، وماليزيا، وإندونيسيا، والكويت، والجزائر، وسلطنة عُمان، وسوريا، والسودان، وباكستان، وجنوب أفريقيا، قد أعربوا عن رفضهم القاطع لقيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس. وعدّوها «خطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين».

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في غزة (أ.ب)

وأعاد الوزراء، في بيان مشترك، الجمعة، تأكيد أن «أي إجراء أو قرار يهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للقدس المحتلة، أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، هو باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. ويتماشى هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قراري مجلس الأمن رقم (476) لعام 1980 ورقم (478) لعام 1980، اللذين يرفضان محاولات تغيير طابع القدس أو وضعها، ويدعوان الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة التي تُعدّ جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967».

كما دعا وزراء الخارجية، في بيانهم، الحكومة الكولومبية إلى «إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، والامتناع عن اتخاذ تدابير تمس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تكون القدس الشرقية عاصمة لها».


تثبيت أسعار المحروقات ينعش آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق»

تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
TT

تثبيت أسعار المحروقات ينعش آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق»

تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)

أنعش قرار تثبيت أسعار المحروقات آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق». وفي رأي خبراء، فإن القرار «جنّب الأسواق ارتفاعات كانت ستلحق بغالبية السلع مثلما يحصل حينما تُقدم الحكومة على اتخاذ قرارات تتعلق بدعم الوقود»، وذلك وسط تأكيدات حكومية بتوفير كميات من السلع الأساسية لمنع الاحتكار.

وقررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها، الخميس، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وقالت وزارة البترول إن «اللجنة راجعت محددات آلية التسعير التلقائي، وأهمها التغيّرات في سعر الصرف وسعر برميل خام برنت خلال الربع الممتد من شهر يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنةً بالربع السابق. وقررت فى ضوء تلك المحددات الإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تعديل أو تغيير».

وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، فإن قرار تثبيت سعر الوقود جنّب السوق ارتفاعات كانت مرتقبة لأسعار العديد من السلع، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار سيؤدي إلى تهدئة الأسواق مؤقتاً»، مؤكداً أن «الحكومة لجأت هذه المرة إلى استراتيجية امتصاص الأزمات».

وأشار النحاس إلى أن «قرار تثبيت أسعار الوقود يحمل في خلفياته أبعاداً سياسية واقتصادية؛ فعلى الجانب السياسي تعاملت الحكومة بحكمة، واقتصادياً كانت قد لجأت إلى (التحوط)؛ إذ سبق أن تعاقدت مع كل من ليبيا والعراق على شراء كمية كبيرة من البترول بسعر 85 دولاراً للبرميل، قبل أن يصل السعر في الوقت الحالي إلى نحو 105 دولارات» (الدولار يساوي أكثر من 53 جنيهاً مصرياً).

وزير التموين شريف فاروق يؤكد استمرار الحكومة في توفير السلع المخفّضة (وزارة التموين المصرية)

وبهدف تهدئة الأسواق وضبط الأسعار، تواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفّضة عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة انطلقت في سبتمبر الماضي، وتستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.

وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق استمرار التنسيق مع الجهات المعنية، لضمان «توافر السلع المطروحة وانتظام ضخها في المنافذ المشاركة بمختلف المحافظات، بما يلبي احتياجات المواطنين». وأشار في إفادة رسمية، الجمعة، إلى أن «الوزارة تواصل تنفيذ مبادرة خفض أسعار السلع، من خلال طرح مجموعة متنوعة من السلع الأساسية والغذائية والاستهلاكية بأسعار مخفّضة عبر 284 منفذاً، في إطار جهود زيادة المعروض، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتعزيز استقرار الأسواق».

وجاء قرار تثبيت أسعار الوقود عقب فترة ترقب عاشها المصريون منذ الشهر الماضي، وتخوفات من زيادة جديدة في أسعاره وسط تقارير دولية أشارت إلى رفع الأسعار خلال شهرَي سبتمبر الماضي وأكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وعبّر الأربعيني صبحي يوسف (الذي يعيش في حي حلوان جنوب القاهرة، ويعمل في شركة حكومية بحي مدينة نصر شرق القاهرة) عن ارتياحه لعدم تحريك سعر الوقود، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تكلفة الانتقالات من منزله إلى العمل مرتفعة، وفي حال حدوث زيادة جديدة كان سيواجه مشكلات جمّة لم يكن يعرف كيف سيتعامل معها.

وفي رأي الخمسينية سلوى عبد الله (وهي ربة منزل تعيش في حي عابدين وسط القاهرة)، فإن «قرار عدم زيادة سعر الوقود جنّب الناس موجة غلاء كبيرة»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لو كانت الحكومة رفعت سعر الوقود كنت سأنزل السوق في اليوم التالي لأجد ارتفاع أسعار كل السلع والخضراوات وغيرها».

سلع مخفّضة تطرحها وزارة التموين المصرية للحفاظ على استقرار الأسعار (وزارة التموين المصرية)

وقال البنك المركزي المصري، الأحد الماضي، إن معدل التضخم الأساسي السنوي في مصر تراجع إلى 14.1 في المائة في سبتمبر من 14.9 في المائة في أغسطس (آب) الماضي. ويستبعد التضخم الأساسي السلع شديدة التذبذب مثل الأغذية، في حين أن التضخم العام يشمل جميع السلع.

وهو ما برز في إفادة «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» السبت الماضي؛ إذ أكد أن أسعار الطعام والمشروبات ارتفعت 3.2 في المائة، والفاكهة 2.6 في المائة، واللحوم والدواجن 2.5 في المائة خلال شهر سبتمبر.


حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

في حين تشهد العلاقات المصرية - السورية حراكاً سياسياً اقتصادياً خلال الفترة الحالية، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير نادر زكي لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة لديها نية للتفاهم مع دمشق حول الموضوعات العالقة للانطلاق نحو شراكة أقوى مستقبلاً بين البلدين».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الجمعة، وزير المالية السوري محمد يسر برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك.

وبحسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، فقد بحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مجالات التعاون الاقتصادي والمالي وغيرهما، وأكدا «عمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع الشعبين الشقيقين».

كما تضمن بيان «الخارجية»، أن الوزير عبد العاطي «أشاد بنجاح الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى سوريا». وأشار إلى أنه «يجري حالياً التحضير لزيارة عبد العاطي إلى دمشق خلال الفترة المقبلة». والتي ستكون الأولى لمسؤول مصري رفيع المستوى منذ وصول الرئيس أحمد الشرع للحكم قبل نحو عامين، وسط «تنامي العلاقات بين البلدين وطموح سوري للتطبيع الكامل مع القاهرة»، بحسب مراقبين.

وقال السفير زكي، الجمعة، إن «التقارب أمر طبيعي بين البلدين، والعلاقات الشعبية بين مصر وسوريا قوية وتاريخية، وأثبتت صلابتها خلال الأزمات. ومن المهم أننا نعمل على تحقيق تطلعات الشعبين في مزيد من التعاون، وتعزيز العلاقات الثنائية».

وأشار إلى زيارة وفد اقتصادي مصري لدمشق، منذ مدة وجيزة، «حيث تم الإعلان خلالها، عن إطلاق (مجلس الأعمال المصري - السوري). كما أن وزير الخارجية يعتزم زيارة دمشق خلال الفترة المقبلة، ونعمل حالياً على الترتيب الجيد لهذه الزيارة حتى تخرج بالنتائج المرجوة. وهذا يعني وجود نية لدينا للتفاهم حول الموضوعات العالقة؛ ما يمهد لشراكة أقوى مستقبلاً بين البلدين».

بدر عبد العاطي أشاد الجمعة بنجاح الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى سوريا (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وتدريجياً، تطورت العلاقات بين مصر وسوريا، في إطار تعاون اقتصادي بين الجانبين، ضمن توجه دمشق نحو إعادة بناء اقتصادها، وتعزيز شراكاتها الإقليمية. واستضافت العاصمة السورية منتصف الشهر الماضي، الاجتماع الأول «لمجلس الأعمال السوري - المصري».

والتقى أحمد الشرع، وزير الخارجية المصري خلال اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عدد من قادة المنطقة في نيويورك، سبتمبر (أيلول) الماضي، كما زار وفد حكومي مصري دمشق برئاسة مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية السفير إيهاب فهمي لتعزيز مسارات التعاون المشتركة.

وفي رأي المحلل السياسي السوري عبد الحميد توفيق، فإن «بداية التقارب الاقتصادي بين البلدين أولاً أمر طبيعي جداً، خصوصاً أنه لا يخفى على أحد وجود تباينات سياسية بين السلطتين في مصر وسوريا، حيث تحفظت القاهرة على بعض الأمور، وعملت دمشق على تحقيق مطالب القاهرة مثل الاستجابة لتغيير المرشح لممثل بعثة سوريا لدى مصر».

ويتابع: «لكن لا شك أن هناك مسائل لم يتم حلها بعد، مثل وجود بعض الشخصيات في السلطة السورية الجديدة تتحفظ عليها مصر، إلا أنه على ما يبدو، توجد نية جادة لدى الطرفين للتفاهم والتقارب، خصوصاً في ظل الأوضاع التي تعيشها المنطقة وحاجتهما لبعضهما البعض، ولذلك يتم النفاذ إلى بعضهما البعض عبر شرايين الاقتصاد والأمور الأخرى لحين حل الخلافات السياسية».

يحيى دياب سلم أوراق اعتماده قائماً بأعمال السفير السوري بالقاهرة في يوليو الماضي (السفارة السورية لدى مصر)

ويقول توفيق لـ«الشرق الأوسط»: «في حال تمت زيارة وزير الخارجية المصري إلى دمشق، فإن الحضور الدبلوماسي المصري إلى سوريا وليس العكس يعني أن هناك صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين قد بدأت، وأن المطالب المصرية تجري الاستجابة لها، وأن هناك إرادة لتفعيل التعاون بين الطرفين بشكل أوسع وأعمق في مختلف المجالات».