مؤتمر دولي في الجزائر يناقش «تجريم الاستعمار» في أفريقيا

وزراء وخبراء يبحثون على مدى يومين تحديد آليات لجبر الضرر

مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
TT

مؤتمر دولي في الجزائر يناقش «تجريم الاستعمار» في أفريقيا

مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)

أفاد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، الأحد، بأن بلاده تعرضت خلال الاستعمار الفرنسي (1830 - 1962) إلى «إبادات ومجازر وحملات تهجير قسري»، تراوح عدد ضحاياها ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص، أي ما يمثل ثلث السكان آنذاك، لافتاً إلى أن صحراء الجزائر «ما زالت تحمل إلى اليوم ندوب التجارب النووية الفرنسية، التي خلّفت آثاراً مدمرة على الإنسان والبيئة».

 

وزير الخارجية أحمد عطاف في افتتاح المؤتمر الأحد (الخارجية الجزائرية)

 

وكان عطاف يتحدث بمناسبة افتتاح مؤتمر دولي حول «جرائم الاستعمار في القارة الأفريقية»، يستمر يومين في العاصمة الجزائر، ويجمع وزراء ومحامين ومؤرخين وخبراء أفارقة ومن منطقة الكاريبي، وآخرين من مختلف مناطق العالم، لإدانة جرائم الاستعمار، في محاكمة رمزية للدول الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا) التي احتلت القارة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

«تصفية رواسب الاستعمار»

وقال عطاف إن «الوقت قد حان لتصفية رواسب الاستعمار بكل تجلياتها، كما حان وقت تصفية الاستعمار ذاته تصفية نهائية»، لافتاً إلى الصحراء وفلسطين. وأكد أن «لأفريقيا الحق في المطالبة بالاعتراف الصريح بجرائم الاستعمار، لأن الاعتراف هو أول خطوات معالجة رواسب حقبة دفعت الشعوب الأفريقية ثمناً باهظاً لها. ولأفريقيا الحق في تجريم الاستعمار تجريماً قانونياً دولياً لا لبس فيه». وأضاف: «كما جرّمت المجموعة الدولية العبودية والفصل العنصري، فقد حان الوقت لتجريم الاستعمار ذاته. ولأفريقيا الحق في التعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة، فالتعويض ليس مِنّة ولا صدقة، بل حق تكفله القوانين والأعراف الدولية».

وتابع عطاف أن «ما يجمعنا اليوم ليس مجرد شعار مرفوع، بل أمانة في أعناقنا جميعاً؛ أمانة لا بد من أدائها كاملة غير منقوصة.

 

صورة لأحد التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر عام 1961 (أرشيفية)

 

وشدد الوزير الجزائري على أن «الذاكرة الأفريقية ترفض النسيان. كيف تنسى ما خلّفه الاستعمار في الكونغو من إبادة واستعباد؟ وكيف تنسى إبادة شعب الباميليكي في الكاميرون وجرائم حرق القرى وقطع الرؤوس والتجارب بالغازات السامة؟ وكيف تنسى إبادة شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا؟ وكيف تنسى القمع والقتل والتهجير في أنغولا وموزمبيق ومدغشقر وغيرها من ربوع أفريقيا التي طالتها يد المستعمِر الآثمة، أو بالأحرى يد (المستَدمِر) المتجبر؟».

«إحلال شعب محل شعب»

وأبرز عطاف أن «محنة الجزائر نموذج نادر في التاريخ؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن استعماراً استغلالياً، بل كان استعماراً استيطانياً كامل المعنى: استعمار أراد ضم وطنٍ إلى وطن، وإحلال شعب محل شعب، ومحو أمة بأكملها في مكوناتها ومؤسساتها وهويتها وثقافتها ودينها ولغتها. لقد كان أطول وأعنف مشروع استعماري استيطاني في التاريخ الحديث: مائة واثنان وثلاثون عاماً من الاستعمار، ومائة واثنان وثلاثون عاماً من المقاومة دون انقطاع، ومائة واثنان وثلاثون عاماً من الجرائم الاستعمارية بلا هدنة ولا رحمة».

وجاء قرار تنظيم «مؤتمر محاكمة الاستعمار» عقب مصادقة الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي، في فبراير (شباط) الماضي، استجابة للمبادرة التي تقدّمت بها الجزائر لاحتضان مؤتمر يُعنى بتحقيق العدالة للأفارقة وللأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي، من خلال وضع وتحديد آليات عملية وفعّالة لجبر الضرر الناجم عن الحقبة الاستعمارية.

ومعروف أن الجزائر تضع «الاعتراف بجرائم الاستعمار ودفع التعويض»، أحدَ شروط إقامة علاقات طبيعية مع فرنسا، خصوصاً ما تعلق بمخلفات التجارب النووية التي أجرتها في صحراء الجزائر بين 1962 و1966. ويُطلَق على هذا الملف «الذاكرة».

جانب من جلسات «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)

"التحدث بصوت واحد"

ومن خلال احتضان هذا المؤتمر، الأول من نوعه في القارّة، تسعى الجزائر إلى الإسهام في تعزيز البنية الأفريقية للعدالة التاريخية، عبر توفير منصة حوار رفيعة المستوى ترمي إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بالجرائم الاستعمارية، وتعزيز آليات ملموسة لجبر الضرر. وتتمثل أهداف مؤتمر الجزائر، حسبما جاء في الأوراق التي يبحثها الخبراء، في توحيد الموقف الأفريقي حول العدالة التاريخية والتعويضات واسترجاع الممتلكات الثقافية، وصون الذاكرة الجماعية. كما ستتناول الجلسات مختلف أبعاد الجرائم الاستعمارية: الإنسانية والثقافية والاقتصادية والبيئية والقانونية. ويرتكز النقاش على الصدمات العابرة للأجيال، ونهب وتدمير التراث الثقافي الأفريقي، واستغلال الموارد، والنماذج الاقتصادية غير العادلة الموروثة عن الاستعمار، إضافة إلى الآثار البيئية مثل التجارب النووية التي أُجريت على السكان المدنيين.

ومن المتوقَّع أيضاً أن يبحث المشاركون السبل القانونية لتعزيز تجريم الاستعمار، وإنشاء آلية أفريقية دائمة للتعويضات واسترجاع الممتلكات. ويُنتظر بالخصوص أن يعتمد المشاركون «إعلان الجزائر»، الذي سيُعرض على قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير (شباط) 2026 لدراسته والمصادقة عليه. ومن المفترض أن تشكّل هذا الوثيقة مرجعاً قارياً بشأن الجرائم الاستعمارية والاعتراف بآثارها، ووضع استراتيجية أفريقية للعدالة وجبر الضرر.



حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».