سجناء ليبيا بالخارج... ملف يعود إلى الواجهة بعد «تجاهل»

وسط تساؤلات عن مصير أبو عجيلة الموقوف في أميركا

هانيبال القذافي (الثاني من اليمين) مع فريقه القانوني بعد الإفراج عنه (الشرق الأوسط)
هانيبال القذافي (الثاني من اليمين) مع فريقه القانوني بعد الإفراج عنه (الشرق الأوسط)
TT

سجناء ليبيا بالخارج... ملف يعود إلى الواجهة بعد «تجاهل»

هانيبال القذافي (الثاني من اليمين) مع فريقه القانوني بعد الإفراج عنه (الشرق الأوسط)
هانيبال القذافي (الثاني من اليمين) مع فريقه القانوني بعد الإفراج عنه (الشرق الأوسط)

سلطت عملية الإفراج عن هانيبال، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، من سجنه في لبنان، الضوء على السجناء الليبيين بالخارج، وسط اتهامات تطال الحكومتين المتنازعتين على السلطة بـ«إهمال وتجاهل» هذا الملف، ثم إعادته لواجهة الأحداث وفق ما يوصف بأنه بمثابة «ورقة سياسية» يستخدمها هذا الطرف أو ذاك.

وعقب الاحتفاء الرسمي بعملية إطلاق هانيبال، الذي عدّته حكومة «الوحدة الوطنية» إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً، سارع حقوقيون وقانونيون إلى اتهامها بأنها «تجاهلت أوضاع باقي السجناء الليبيين في الخارج».

ويرى الناشط الحقوقي الليبي طارق لملوم أن «ملف السجناء بالخارج تحوّل إلى ساحة تنافس بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة». وقال: «هذا الملف أهمل لسنوات بسبب الصراع المسلح، في مقابل تركيز كل طرف منهما على الملفات ذات العائد السياسي والمالي، مثل ملف إعادة الإعمار».

وأضاف لملوم لـ«الشرق الأوسط»: «أخيراً جاء الدور على قضية السجناء بالخارج لتصبح الورقة الجديدة للمزايدة السياسية في ليبيا».

وذكر أن الحكومتين وحلفاءهما «سعوا سابقاً إلى التنافس حول الإفراج عن خمسة لاعبين ليبيين أُدينوا في إيطاليا عام 2015 بتُهم الاتجار بالبشر والهجرة غير المشروعة».

وكانت الحكومة الإيطالية قد وافقت أواخر عام 2024 على التصديق على مشروع قانون الاتفاقية الليبية - الإيطالية التي تسمح بنقل المحكومين لقضاء باقي عقوباتهم في ليبيا. إلا أن لملوم أكد أن «الاتفاقية لا تشمل إلا من قضوا نصف المدة، ما يجعلها غير قابلة للتطبيق على وضعية اللاعبين».

وأمام الاتهامات التي وجّهت لحكومة «الوحدة» بـ«تجاهل» قضية الليبيين المحتجزين بالخارج، سارعت وزارة الخارجية التابعة لها بالقول إنها «بعد الإفراج عن 35 سجيناً ليبياً من عدة دول خلال العام الحالي، تواصل جهودها لتأمين الإفراج عن مواطنين آخرين؛ بالإضافة إلى استمرار التنسيق مع عدد من الدول لتسليم سجناء ليبيين لاستكمال مدة محكوميتهم داخل البلاد، وفق الاتفاقيات المبرمة بين ليبيا مع بعض البلدان».

رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة خلال ترؤسه اجتماعاً سابقاً لمجلس الوزراء (حكومة الوحدة)

وأشارت إلى «جهود متواصلة للإفراج عن 22 ليبياً في العراق، وآخرين في مصر»، دون تحديد أعدادهم. كما لفت وليد اللافي، وزير الدولة للاتصالات والشؤون السياسية بحكومة «الوحدة»، إلى نجاح حكومته مؤخراً في إنهاء احتجاز 19 سجيناً في تونس.

وفي موازاة الإعلان عن الإفراج عن هانيبال القذافي، استُقبل المواطن الليبي حسن خليفة الزنتاتي في بنغازي شرق البلاد بعد خمس سنوات من السجن في النيجر، إثر تدخل نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر لإطلاق سراحه.

ورغم عدد السفارات الليبية الكبير، أشار لملوم إلى «غياب إحصاءات رسمية حول عدد السجناء الليبيين بالخارج»، وقال إن «اكتشاف حالات الاحتجاز يتم غالباً عبر مناشدات أسرهم على وسائل التواصل الاجتماعي».

ورجح، في إطار الرصد لتلك المناشدات، «أن تكون النسبة الأكبر من السجناء موجودة في دول الجوار مثل مصر وتونس والجزائر والمغرب وتركيا، لإدانتهم في قضايا تتعلق بتهريب الوقود أو العملة أو المخدرات أو حتى بمشاجرات».

وانتقد لملوم ما وصفه «بإهمال الملحقين العسكريين والأمنيين في السفارات الليبية متابعة قضايا المحتجزين، وعدم تكليف محامين لتوضيح أوضاعهم القانونية أو تسهيل زيارات أسرهم».

ووفقاً للملوم، فإن إغلاق ملف السجناء بالخارج بشكل كامل «يظل أمراً صعباً في ظل تشدد بعض الدول، كإيطاليا، في تنفيذ العقوبات داخل سجونها، ورؤية دول أوروبية أخرى لليبيا كدولة غير آمنة، إضافة إلى غياب مبادرات جدية من السفارات الليبية للاهتمام بهذه الفئة».

وبشأن هانيبال القذافي، يعتقد المحلل القانوني الليبي هشام الحاراتي أن عملية الإفراج عنه محاولة من حكومة «الوحدة» لكسب ود أنصار النظام السابق في الغرب الليبي، في مواجهة خصومها في شرق البلاد.

ويرى الحاراتي «أن الإفراج عن هانيبال القذافي تحول من مكسب سياسي إلى مأزق للحكومة؛ إذ أثار تساؤلات حول مصير بقية السجناء بالخارج، ولماذا لم يتم إرسال وفود رفيعة المستوى على غرار الوفد الذي ذهب إلى بيروت للتفاوض بشأنه».

أسامة حماد رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب (القيادة العامة)

وتتنازع السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، والثانية بقيادة أسامة حماد مكلفة من البرلمان وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

وبمواجهة تبرير حكومة «الوحدة» اهتمامها بملف نجل القذافي بكونه مواطناً ليبياً بغض النظر عن انتمائه السياسي، ضمن جهودها لتصفير عدد من الملفات الشائكة كملف السجناء بالخارج، تصاعدت تساؤلات حول استمرار احتجاز المواطن الليبي أبو عجيلة المريمي في الولايات المتحدة على خلفية تفجير «لوكربي»، كما سبق واتهمت أسرته السلطات في ليبيا بعدم الاهتمام بقضيته.

وأبو عجيلة ضابط سابق في جهاز الأمن الخارجي (الاستخبارات)، خطفه مسلّحون من منزله منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، لكن الدبيبة أقرّ فيما بعد بتسليمه إلى الولايات المتحدة، وقال إنه «إرهابي متهم بتصنيع المتفجرات التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص بريء».

يشار إلى أن لجنة برلمانية أوصت في سبتمبر (أيلول) الماضي بتكليف فريق قانوني لدعم الجوانب القانونية والإجراءات الرسمية إلى جانب التنسيق مع السفارات الليبية في الخارج لضمان متابعة حقوق السجناء وتقديم المساعدة اللازمة لهم.


مقالات ذات صلة

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)

تركيا تؤكد دعمها لليبيا لإنجاح العملية السياسية وتعزيز التعاون العسكري

أكدت تركيا دعمها للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، مع الاستمرار في تقديم الدعم العسكري لحكومة «الوحدة» الوطنية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

تعزّز روسيا في الآونة الأخيرة انخراطها بين الأفرقاء الليبيين عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على ضرورة أن تُبنى أي مبادرة تتعلق بالأزمة السياسية في بلده على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة

خالد محمود (القاهرة)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.