رسائل آبي أحمد لمصر والسودان وإريتريا... مسار للتعاون أم «خطاب تهدئة»؟

تمسك بعدم وجود ضرر من «سد النهضة»... وأكد أهمية المنفذ البحري لإثيوبيا

«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)
«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)
TT

رسائل آبي أحمد لمصر والسودان وإريتريا... مسار للتعاون أم «خطاب تهدئة»؟

«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)
«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)

بعث رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، رسائل إلى مصر والسودان وإريتريا التي يجمعها ببلاده خلافات بارزة، متعلقة بمخاوف هذه الدول من تهديدات «سد النهضة» لحصهها المائية، ورفض أي وجود لأديس أبابا على أي منفذ بالبحر الأحمر.

تلك الرسائل التي جاءت خلال كلمة آبي أحمد بالبرلمان الإثيوبي، بعد أسابيع من انتقاد مصر وإريتريا لبلاده، كانت موجهة للداخل والخارج، بحسب خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، بهدف تهدئة تكتيكية لكسب مزيد من الشعبية في ظل الضغوط الاقتصادية، وفتح قنوات تواصل مع دول للعالم لتحقيق الوصول لمنفذ للبحر الأحمر كما فعل في ملف «السد».

وتوقع الخبراء والمحللون ألا يبدي رئيس الوزراء الإثيوبي أي تنازلات بالملفين، مع استمراره في «خفض حرارة الخلافات، وشراء وقت لترتيب البيت الداخلي وإعادة ترتيب أوراقه الإقليمية».

وقال أحمد، الثلاثاء، إن التعاون بين دول حوض النيل إثيوبيا والسودان ومصر، هو الطريق الأمثل نحو الازدهار الأفريقي المشترك، مضيفاً: «المصريون والسودانيون إخوتنا، تجمعنا روابط الدم والتاريخ، ومن حقهم أن يجنوا ثمار تنمية إثيوبيا لا أن يمنعوها منها».

وجاءت تلك الرسائل الهادئة بعد خطاب شديد اللهجة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، خلال الجلسة الافتتاحية لـ«أسبوع القاهرة الثامن للمياه»؛ محملاً أديس أبابا مسؤولية ما وصفه بـ«الإدارة غير المنضبطة» لسد النهضة، والإضرار بدولتي المصب مصر والسودان.

تحذيرات السيسي حينها جاءت عقب فيضان أغرق أراضي عدد من القرى على ضفتي النيل بمصر والسودان، بعد فتح أديس أبابا بوابات تصريف المياه من «سد النهضة» بكميات كبيرة أدت إلى ارتفاع مناسيب المياه في نهر النيل.

ودشّنت أديس أبابا مشروع «سد النهضة» في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط اعتراضات من مصر والسودان للمطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات «تشغيل السد» بما لا يضرّ بمصالحهما المائية، فيما أعلنت مصر في ديسمبر (كانون الأول) 2023 «فشل» آخر جولة للمفاوضات، وإغلاق المسار التفاوضي بعد جولات مختلفة لمدة 13 عاماً.

«رسائل تكتيكية»

خبيرة الشؤون الأفريقية في مصر، أسماء الحسيني، ترى أن رسائل آبي أحمد «تكتيكية، لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد»، مؤكدة أن الانخراط في عمل حقيقي وجاد لإنهاء الخلافات مع مصر والسودان أو مع إريتريا هو الحل الوحيد؛ «لأن التصريحات لن تأتي بنتائج أو حل للتعقيدات بسبب السياسات الأحادية الإثيوبية وسياسات فرض الأمر الواقع والهيمنة».

فيما يرى الخبير في الشؤون الأفريقية، عبد الولي جامع بري، أن خطاب أحمد موجه للداخل والخارج، «فهو يتحدث للشارع الإثيوبي الذي يعاني أزمة اقتصادية وضغوطاً سياسية داخلية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته المسجلة في «أسبوع القاهرة للمياه» الشهر الحالي (وزارة الري المصرية)

ويستهدف آبي أحمد، بحسب بري، «توجيه رسائل تهدئة»، مشيراً إلى أنه «تحدث بلغة التكامل وعدم الإضرار، ويسعى لتأكيد أن إثيوبيا ليست خصماً وإنما شريك تنمية في المنطقة». وقال: «هذا خطاب تهدئة تكتيكي أكثر من كونه تحولاً حقيقياً في السياسة الإثيوبية».

وأسباب ذلك تعود، وفق بري، إلى أن إثيوبيا لا تزال متمسكة بموقفها القانوني والسيادي تجاه «سد النهضة»؛ أي إنها «لا تعترف بضرورة اتفاق ملزم حول ملء وتشغيل السد».

دولة «حبيسة»

وفي قضية أخرى محل خلاف مع دول الجوار، أكد آبي أحمد في كلمته أن إثيوبيا «خاضت نضالاً» استمر أكثر من ثلاثة عقود، وانتهى بفقدانها منفذها إلى البحر الأحمر، بعد انفصال إريتريا عنها واستحواذها على المنفذ وبقاء أديس أبابا «دولة حبيسة»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «استعادة هذا الحق المشروع» لن تستغرق 30 عاماً أخرى، فيما أكد أن بلاده لا تسعى للحرب.

وشدد على أن حل هذه المسألة يجب أن يتم بالطرق السلمية، ومن خلال الحوار والتفاهم، «خاصة أن الطريقة التي فقدت بها إثيوبيا منفذها إلى البحر الأحمر لا تستند إلى أي أساس قانوني أو شرعي».

وفي 8 أكتوبر الحالي، قالت الخارجية الإثيوبية في رسالة موجهة للأمم المتحدة، إن إريتريا و«فصيلاً متشدداً من (جبهة تحرير شعب تيغراي)» يقومان بـ«تمويل وتعبئة وقيادة» مجموعات مسلحة خصوصاً في ولاية أمهرة، حيث يواجه الجيش الإثيوبي تمرداً مسلحاً منذ أعوام، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية» آنذاك.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ولم ترد إريتريا بعد، غير أن وزارة إعلامها أوردت في يونيو (حزيران) عقب رسالة إثيوبية مماثلة للأمم المتحدة، أن «إثيوبيا تستخدم أكاذيب لتبرير الصراع وإشعاله»، وذلك بعد اتهام أسمرة لأديس أبابا، في مايو (أيار) الماضي، بـ«السعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلّق بمنفذ على البحر الأحمر».

وبشأن أزمة المنفذ البحري، ترى أسماء الحسيني، أن مصر وإريتريا وكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر ترفض وجود أديس أبابا، وبالتالي تلك التصريحات الإثيوبية لن تفيد، و«على آبي أحمد أن يلجأ لسياسات تعاونية بدلاً من هذه المناورات».

فيما قال بري إن حديث آبي عن المنفذ البحري «شعار تعبوي داخلي، يُستخدم لإعادة بناء الإجماع الوطني حول حق إثيوبيا في البحر؛ وهو خطاب رمزي يوحد الداخل، ويصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية الاقتصادية والأمنية والقومية».

ويضيف بري أن آبي أحمد يبعث أيضاً برسالة تجاه إريتريا، يحاول طمأنتها إلى أن المنفذ البحري لا يعني تهديداً لأراضيها بل رغبة في التعاون. ويشير إلى أن التوقيت جاء بعد توترات حدودية واتهامات متبادلة، ما يدل على محاولة آبي خفض حرارة الاختلافات وشراء وقت لترتيب البيت الداخلي وإعادة ترتيب أوراقه الإقليمية.

ولم تعلق الدول الثلاث على خطاب آبي أحمد، لكنها رفضت في بيانات رسمية سابقة أي وجود لإثيوبيا على البحر الأحمر باعتبارها دولة غير مشاطئة، كما ترفض القاهرة والخرطوم تهديد «سد النهضة» لحصتهما المائية وأيدتهما أسمرة في ذلك.

وليس أمام آبي أحمد، بحسب بري، سوى خطابات التهدئة، دون تقديم تنازلات فعلية في ملف السد، مع السعي لعقد تفاهمات اقتصادية أو أمنية مع دول البحر الأحمر مثل الصومال وجيبوتي، وربما إريتريا، لضمان مصالحه البحرية، مع تفضيل المسار التفاوضي أو الشراكة الاقتصادية بدلاً من المواجهة العسكرية.


مقالات ذات صلة

«التوترات الإقليمية» ترفع معدلات الشائعات في مصر

شمال افريقيا التوترات الإقليمية تدعم انتشار الشائعات في مصر (مجلس الوزراء المصري)

«التوترات الإقليمية» ترفع معدلات الشائعات في مصر

أكد تقرير حكومي مصري أن التوترات الإقليمية رفعت معدلات الشائعات بالبلاد بنسبة 113 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي.

عصام فضل (القاهرة)
العالم العربي «مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا نقاشات برلمانية موسعة قبل إقرار قانون «جهاز مستقبل مصر» (مجلس الوزراء المصري)

ما «جهاز مستقبل مصر»... وما نطاق صلاحياته؟

تساؤلات عدّة حول «جهاز مستقبل مصر» الذي وافق البرلمان، الثلاثاء، على قانون إعادة تنظيم عمله، وسط جدل بشأن طبيعة صلاحياته وتأثيره في الاقتصاد.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا المصريون يستهلكون نحو 80 ألف طن بن سنوياً (الشرق الأوسط)

جدل «البن المغشوش» يُعكر «مزاج» المصريين

عكر جدل «البن المغشوش» مزاج المصريين، فبعدما قال أحد المسؤولين إن 80 في المائة من المعروض بالأسواق «مضروب»، أكد آخر أن المنتج آمن، وحالات «الغش» محدودة.

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيرته النمساوية في فيينا الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مشاورات مصرية - نمساوية حول تأثيرات الحرب الإيرانية

تناولت مشاورات مصرية - نمساوية، الأربعاء، توترات منطقة الشرق الأوسط، وتأثيرات «الحرب الإيرانية»، وكذا تعزيز العلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
TT

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال، وكان متجهاً إلى الشواطئ الأوروبية، قبالة سواحل شرق ليبيا في أحدث مأساة بحرية. وقالت السلطات إن ما لا يقل عن 50 شخصاً ماتوا أو فُقدوا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ووقع الحادث يوم الثلاثاء بالقرب من جزيرة البردعة قبالة مدينة طبرق الساحلية، وفقاً لسلطات خفر السواحل في شرق ليبيا، وتمكن 10 ناجين من السباحة إلى الجزيرة لإنقاذ أنفسهم. وقال خفر السواحل إن البحث عن آخرين مستمر.

وهذه أحدث مأساة تقع قبالة سواحل ليبيا، وهي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والوصول إلى الشواطئ الأوروبية من أجل حياة أفضل هناك. وفي الشهر الماضي أدى غرق سفينة قبالة سواحل شرق ليبيا إلى مقتل أو فقدان 51 مهاجراً.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إنه تم تسجيل مقتل أو فقدان أكثر من 800 مهاجر في طريق وسط البحر المتوسط في الفترة من أول يناير (كانون الثاني) وحتى 16 مايو (أيار) من هذا العام. وأضافت أن العام الماضي شهد مقتل أو فقدان أكثر من 1300 مهاجر على هذا الطريق.


«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
TT

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية للنظر في طلب قدمه مكتب المدعي العام لسحب الاتهامات الموجهة إلى المواطن السوداني عبد الله بندة أبكر نورين، أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في خطوة قد تنهي إحدى أقدم القضايا المنظورة أمام المحكمة.

وقالت المحكمة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى ملاحظات الادعاء والدفاع والمشاركين بشأن طلب سحب الاتهامات، على أن تُبث الجلسة عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وتتعلق القضية بالهجوم الذي وقع في 29 سبتمبر (أيلول) 2007 على موقع قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور، وأسفر عن مقتل 12 من أفراد القوة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح خطيرة. وكان بندة قد مثل طوعاً أمام المحكمة في يونيو (حزيران) 2010، قبل أن تؤكد الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه في 7 مارس (آذار) 2011 وتحيله إلى المحاكمة، ثم تغيب عن جلسات المحكمة، فأصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف بحقه في 11 سبتمبر 2014، وظلت القضية معلقة لعدم مثوله أمام المحكمة التي لا تجري محاكمة غيابية.

الادعاء يطلب إسقاط التهم

وأعلن مكتب المدعي العام، الثلاثاء، أنه طلب الإذن بسحب ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب ضد عبد الله بندة، وأنه خلص إلى أن الأدلة لم تعد توفر «أسباباً جوهرية» للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن الجرائم المنسوبة إليه. وقال مكتب المدعي العام إنه تقدم بطلب سحب الاتهامات في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وظل سرياً؛ تنفيذاً لأوامر الدائرة، قبل أن ترفع السرية عن الوثائق ويعلن عنه هذا الأسبوع.

أرجع قراره إلى التدهور الكبير الذي أصاب الأدلة بمرور الزمن، واستنفاد جميع مسارات التحقيق، وتعذر الوصول إلى عدد من الشهود أو امتناعهم عن التعاون، إلى جانب وجود مشكلات تتعلق بمصداقية بعض الشهود الرئيسيين، وظهور أدلة جديدة تصبّ في مصلحة المتهم. وأضاف: «مرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، ووصول التحقيقات إلى مراحلها النهائية، يجعلان من غير المرجح أن تؤدي أي تحريات إضافية إلى تغيير هذا التقييم».

وأرجع مكتب المدعي العام قراره إلى ما أسماه «تقييم موضوعي للأدلة»، والتزاماً بعد المضي إلى المحاكمة إلا عندما تتوافر أدلة كافية، مشيراً إلى أن سحب التهم – حال موافقة المحكمة عليه - سينهي قضية بندة، من دون أن يمنع الادعاء من إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.

وقالت نائبة المدعي العام، نزهة خان، إن مكتبها يدرك أثر القرار على الضحايا الذين انتظروا العدالة لسنوات، بيد أنه ملتزم بضمان عدم إحالة أي قضية للمحاكمة إلا إذا استند إلى أدلة كافية.

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة خان (أ.ف.ب)

وتابعت: «طلب سحب التهم يخص بندة وحده، ولا يؤثر على القضايا الأخرى المتعلقة بجرائم دارفور، أو على التحقيقات التي يجريها مكتب الادعاء بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية في السودان».

ويأتي طلب سحب التهم في حين لا يزال بندة حاضراً على الساحة العسكرية في السودان، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، انضم إلى القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا، والمتحالفة حالياً مع الجيش. وذكرت صحيفة «سودان تربيون» أنه وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على رأس قوة عسكرية، وأعلن انضمامه للقتال إلى جانب الجيش، قبل أن يشارك لاحقاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوة المشتركة في إقليم دارفور. وحسب الصحيفة، فإن بندة تعرض لإصابات بالغة خلال هجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة المالحة بشمال دارفور في مارس 2025، ونُقل إلى مصر لتلقي العلاج، ثم عاد بعدها إلى أم درمان.

ويجئ طلب سحب التهم في ظل التعقيدات التي واجهت أحد أقدم ملفات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في الجرائم المرتكبة بإقليم دارفور، منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية في 2005، بموجب القرار 1593، لتصبح أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من المجلس. وتبعاً لذلك؛ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السودانيين، بينهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف، الأولى في 4 مارس 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأخرى في 12 يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة كذلك أوامر قبض بحق وزير الدولة بوزارة الداخلية أحمد محمد هارون وقتها في أبريل 2007، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين في الأول من مارس 2012، إضافة إلى عبد الله بندة.

ورفضت حكومة الرئيس عمر البشير طوال فترة حكمها الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم أي من المطلوبين، رغم مطالبة مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بذلك بصورة متكررة.

وبعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، أعلنت الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة، ونص اتفاق جوبا للسلام الموقّع في أكتوبر 2020 على التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما وافق مجلس الوزراء في أغسطس (آب) 2021 على مشروع قانون للانضمام إلى نظام روما الأساسي، وأعلن مسؤولون التزامهم بتسليم المطلوبين، لكن تلك التعهدات لم تنفذ حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.

علي كوشيب خلال جلسة النطق بالحكم حيث أدين بجرائم حرب في دارفور 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا يزال مصير تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم المطلوبين من الجنائية الدولية معلقاً، وتخفي السلطات مكان وجودهم، علماً أن البشير يقيم في مكان ما بشمال البلاد.

ويعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أول وآخر متهم في قضية دارفور مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم الرجل نفسه للمحكمة في يونيو 2020، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وحكمت عليه في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وتعدّ إدانة كوشيب أول إدانة تصدرها المحكمة في قضايا دارفور منذ إحالة الملف إليها قبل أكثر من عشرين عاماً، ويظل الحكم الصادر بحقه قابلاً للاستئناف. أما بحر إدريس أبو قردة، الذي شغل منصب وزير الصحة بعد توقيعه اتفاقية سلام مع حكومة البشير، فقد مثُل طوعاً أمام المحكمة عام 2009 في القضية نفسها المتعلقة بهجوم حسكنيتة، ورفضت الدائرة التمهيدية اعتماد التهم بحقه، لتنتهي الإجراءات القضائية في مواجهته دون إحالته إلى المحاكمة.


«التوترات الإقليمية» ترفع معدلات الشائعات في مصر

التوترات الإقليمية تدعم انتشار الشائعات في مصر (مجلس الوزراء المصري)
التوترات الإقليمية تدعم انتشار الشائعات في مصر (مجلس الوزراء المصري)
TT

«التوترات الإقليمية» ترفع معدلات الشائعات في مصر

التوترات الإقليمية تدعم انتشار الشائعات في مصر (مجلس الوزراء المصري)
التوترات الإقليمية تدعم انتشار الشائعات في مصر (مجلس الوزراء المصري)

أكد تقرير حكومي مصري، أن التوترات الإقليمية رفعت معدلات الشائعات بالبلاد بنسبة 113 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، في حين تصدرت «التداعيات السلبية» للأزمات الخارجية قائمة الشائعات.

وذكر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، في تقرير نشره، الأربعاء، أن «نسبة الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية وصلت إلى 57.3 في المائة من إجمالي الشائعات خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بـ21.1 في المائة خلال النصف المناظر له من عام 2025.

وانعكست «التوترات الإقليمية» لتتركز على قضايا وقطاعات بعينها، حيث تحدثت شائعات عن «اعتزام الحكومة بيع الأصول لسداد الديون الخارجية»، وأخرى تطرقت إلى وجود أزمة طاقة في مصر بسبب الأحداث الإقليمية، وثالثة تحدثت عن اعتزام الحكومة تخفيف الأحمال الكهربائية لمدة 4 ساعات يومياً على مستوى الجمهورية، وذكر التقرير أن «الشائعات زعمت بدء تطبيق تخفيف أحمال الكهرباء بداية من مايو (أيار) الماضي».

وقال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير رخا أحمد حسن لـ«الشرق الأوسط»، إن «انخراط مصر وتفاعلها في القضايا الإقليمية بشكل كبير له تأثير على انتشار الشائعات؛ لذلك تتركز حول قضايا تتقاطع مع الوضعين الإقليمي والداخلي، مثل الطاقة والبترول وغيرهما».

وأكد حسن، أن «تأثير التوترات الإقليمية على معدلات انتشار الشائعات في مصر، لا ينفي الأسباب الرئيسية المعروفة بشكل عام لانتشارها، وعلى رأسها، نقص المعلومات، والغموض وعدم الوضوح، وعادة تمس الشائعات موضوعات تتصل اتصالاً مباشراً بحياة الناس، وتهم الرأي العام».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جولة بمدينة العلمين الجديدة الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

ورصد التقرير، شائعات تحدثت عن «وصول خسائر السياحة في مصر إلى 600 مليون دولار يومياً بسبب الأزمة العالمية»، (الدولار يساوي نحو 50.50 جنيه مصري)، وزعمت شائعات أخرى «حدوث تسرب إشعاعي في المنطقة تسبب في إصدار قرار بإجازة استثنائية للمدارس والجامعات بمصر»، إلى جانب شائعات تركزت حول نقص السلع الأساسية في الأسواق نتيجة التوترات الإقليمية.

ونشر التقرير معدل انتشار الشائعات خلال الأشهر الماضية، حيث بلغت 11.6 في المائة خلال يناير (كانون الثاني)، و16.9 في المائة في فبراير (شباط)، و21 في المائة بمارس (آذار)، و20.3 في المائة في أبريل (نيسان)، و15.7 في المائة في مايو (أيار)، و14.5 في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي.

وتطرق الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس إلى ما وصفه بـ«الربط بين تخوفات المواطنين تجاه قضايا بعينها وتحليل سلوكيات الحكومة لتنتج شائعات تقوم على التوقعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تخوفات المواطنين تجاه مشكلات بعينها تتأثر بالتوترات الإقليمية، مثل الكهرباء والطاقة والطيران والسياحة، تدفعهم إلى التكهن والتحليل، وهو ما يسمى (تحوط) يستند إلى تحليل سلوكيات الحكومة، مثل تخفيف الأحمال بسبب أزمة الطاقة».

وتصدر قطاع الاقتصاد قائمة معدلات انتشار الشائعات في مصر بنسبة 14.4 في المائة، من إجمالي الشائعات خلال النصف الأول من العام الحالي، يليه قطاع الطاقة بـ13.3 في المائة، ثم قطاع التموين 11.6 في المائة، بينما سجل قطاعا السياحة والطيران 11.4 في المائة، وقطاع الصحة 10.9 في المائة، في حين سجل قطاع التعليم 7.9 في المائة، حسب التقرير.