قلق ليبي من تصاعد «العنف الأسري» وسط تحذيرات من فوضى السلاح

عقب واقعة «انتحار» أب بعد أن «قتل أبناءه السبعة»

اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)
اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

قلق ليبي من تصاعد «العنف الأسري» وسط تحذيرات من فوضى السلاح

اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)
اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)

عبّر ليبيون عن قلقهم من «تصاعد العنف الأسري» في ظل ظاهرة انتشار السلاح بيد المواطنين، وذلك على خلفية واقعة تخلّص أب من أبنائه السبعة، وإنهاء حياته في مدينة بنغازي شرق البلاد.

وبينما تواصل الجهات الأمنية المختصّة، تحقيقاتها حالياً لتحديد ما إذا كان الأب، حسن الزوي، هو من أقدم على قتل أبنائه ثم انتحر، مثلما رجّحت مديرية أمن بنغازي وبعض المقرّبين من الأسرة، يواصل عدد من روّاد مواقع التواصل ومنظمات حقوقية نشر صور ومقاطع من موقع الجريمة، مقرونة بتشكيك في الرواية الرسمية، واحتمال وجود «شبهة جنائية».

وتباينت آراء الخبراء والمختصّين، حيال قراءة الحادث، فمع اتفاقهم على أنها واقعة فردية، رأى بعضهم أنها تعكس أزمات المجتمع الليبي في ظل الانقسام السياسي، وغياب منظومة أمنية موحّدة، واستمرار انتشار السلاح، وتأثير سنوات الصراع على السلوك العام، في المقابل عدّها آخرون جرس إنذار يستدعي مواجهة جرائم العنف الأسري، وسنَّ قوانين تحمي النساء والأطفال.

وقال مستشار الأمن القومي الليبي السابق، إبراهيم بوشناف، إن «جرائم العنف المجتمعي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما شهدته البلاد من فوضى عقب سقوط نظام معمر القذافي عام 2011». وأضاف بوشناف لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن فصل تلك الجرائم عن البيئة الاجتماعية المتوترة، والتراكمات النفسية الناشئة عن الصراعات، ولا عن غياب مؤسسة موحّدة للأمن في عموم البلاد».

ورغم وصف بوشناف الحادثة بأنها «سلوكٌ فرديّ قد يقف خلفه اضطراب نفسي»، دعا إلى «تغليظ العقوبة على حمل السلاح دون ترخيص، والمسارعة في تبنّي مشروع وطني لتوحيد مؤسسات الأمن».

بدوره، ورغم تأكيده أن «جرائم العنف الأسري موجودة في كل المجتمعات»، رأى عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، علي التكبالي، أن «عوامل عدّة في البلاد غذّت هذه الظاهرة، وتحديداً انتشار السلاح، مما زاد من معدلات الجريمة». وقال التكبالي لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف تطبيق القوانين وتكرار الإفلات من العقاب، سواء بالهرب بين شرق ليبيا وغربها أو إلى خارجها، أو بسبب نفوذ بعض الجناة، زاد الأمر سوءاً». وحذّر من أن «تداعيات الانقسام السياسي لا تقتصر على غياب مؤسسة أمنية موحّدة تعمل على تقنين السلاح، بل تمتد إلى غياب الاهتمام بدراسة تأثير الأزمات المعيشية والخدمية على الاستقرار النفسي للمواطن»، متسائلاً عن «غياب الدراسات الاجتماعية التي ترصد نسب الطلاق أو أسباب السلوك العنيف داخل الأسر».

وأشار التكبالي إلى أن «عناصر الأجهزة الأمنية في بعض المناطق تفتقر إلى الخبرات اللازمة للتعامل مع جرائم العنف الأسري، وغالباً لا تتحرك إلا بعد وقوع الجريمة».

وكانت قبيلة الزوي قد عززت رواية مديرية أمن بنغازي، مؤكّدة أن الأب «كان يمرّ بحالة اكتئاب حادة بعد انفصاله عن زوجته، ما دفعه إلى اللجوء للعلاج بالسحر».

ورغم تأكيد بعض المنظمات الحقوقية رصد «ارتفاع معدلات الجرائم الأسرية»، فإن السلطات الرسمية تشير إلى انخفاض نسب الجرائم عموماً؛ إذ أعلن عصام أبو زريبة وزير الداخلية في حكومة أسامة حماد المكلّفة من مجلس النواب، مطلع العام الحالي، أن معدل الجريمة انخفض بنسبة 44 في المائة عن العامين الماضيين.

ويرى الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، الدكتور عبد المنعم الحر، أن «مأساة بنغازي شكّلت صدمة كبيرة للمجتمع، وسلّطت الضوء على خطورة السلاح الفردي المنفلت، وأيضاً على تداعيات ما شهدته البلاد على السلوك العام». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رصدنا قبل حادث بنغازي سقوط 18 ضحية في اشتباكات بمدينة الزاوية جراء استهدافهم بالسلاح الفردي»، داعياً إلى «وضع حلولٍ عاجلة للحدّ من فوضى هذا السلاح، وتأسيس شبكةٍ إلكترونية تدعم تركيب كاميرات المراقبة في الشوارع للحدّ من الجريمة».

أما عضوة ملتقى الحوار السياسي، آمال بوقعيقيص، فرأت أن الحادثة «تعيد تسليط الضوء على ما تتعرض له الشرائح الضعيفة في المجتمع من عنف، خصوصاً المرأة والأطفال»، داعيةً إلى «مراجعة القوانين وتشديد العقوبات».

ووفق رؤيتها، فإن «القوانين المتعلقة بالمرأة تقتصر على حماية حق العمل، بينما تغيب التشريعات التي تحميها من العنف الأسري، وكذلك الأطفال الذين لا يملكون خطاً ساخناً للنجدة من تعرّضهم لأيّ تعذيب نفسي أو بدني».

وانتقدت بوقعيقيص في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عدم وجود قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، وغياب مراكز الدعم النفسي والاجتماعي، ودور الأخصائيين في المدارس الذين يكتفون بمراقبة زيّ الفتيات بدل ملاحظة آثار العنف، مشيرة إلى أن «القبيلة كثيراً ما تصطف إلى جانب الزوج مهما اشتدّ عنفه، فيما تُقنع أسر الزوجات بالتنازل عن الشكوى خشية الطلاق، وتحمل أعباء المعيشة وتربية الأبناء».

أما عضوة مجلس النواب الليبي، عائشة الطبلقي، فرأت أن الجريمة دقّت «ناقوس الخطر من تحوّل الخلافات الأسرية إلى مآسٍ يدفع ثمنها الأبرياء». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن لجنة الشؤون الاجتماعية بمجلسها «دعت إلى إعادة النظر في القوانين وتشديد العقوبات، ودراسة الأسباب لتفادي تكرار مثل هذه الحوادث، سواء كانت خلافات أسرية متعمّقة أو نزوعاً للانتقام من الأم بقتل الأطفال أو نتيجة إدمان المخدرات».


مقالات ذات صلة

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

«الدولية للحقوقيين» تطالب السلطات الليبية بوقف «الانتهاكات ضد الأجانب»

عبّرت «اللجنة الدولية للحقوقيين» عن «قلقها لتقاعس السلطات الليبية عن قبول كثير من التوصيات المتعلقة بحقوق الإنسان للمهاجرين بما في ذلك إنهاء احتجازهم التعسفي»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق عام 2020، يسعى راهناً إلى استعادة حضوره من خلال تحركات دبلوماسية؛ سعياً لكسر الجمود وتحريك العملية السياسية.

علاء حموده (القاهرة)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».