«الإنفاق الحكومي» والانسداد السياسي يُفاقمان غضب الليبيين تجاه مؤسساتهم

بيان «المركزي» عمّق شعور المواطنين بأنهم وحدهم من يدفع فاتورة صراع الكبار

صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)
صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)
TT

«الإنفاق الحكومي» والانسداد السياسي يُفاقمان غضب الليبيين تجاه مؤسساتهم

صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)
صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)

تتصاعد في ليبيا وتيرة الغضب على المؤسسات الحاكمة بسبب اتساع حجم إنفاقها، واستمرار قياداتها في تبادل الاتهامات حول الانقسام السياسي وعرقلة الانتخابات.

ورغم استدعاء مجلس النواب محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته لمناقشة الإجراءات الأخيرة، التي أدت إلى تفاقم أزمة السيولة، فإنّها لم تُهدئ مخاوف الشارع الليبي من استمرار معاناته حيالها، خصوصاً وأنها دفعت بكثير من المواطنين مؤخراً إلى الاصطفاف لساعات أمام المصارف لسحب النقود وتسلم رواتبهم.

شكوك الليبيين حول السياسات الاقتصادية

يرى عضو «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، أن الجلسة الأخيرة «زادت شكوك الليبيين حول السياسات الاقتصادية والمالية، خصوصاً مع بروز توجّه لإلقاء المسؤولية على المصرف وإدارته، والتغافل عن جوهر الأزمة، المتمثل في الانقسام ووجود حكومتين تتنازعان على السلطة وتنفقان بلا رقابة».

وأشار المخزوم لـ«الشرق الأوسط» إلى ما ورد في بيان المصرف المركزي الأخير من اضطراره لسحب 47 مليار دينار من التداول، بينها 10 مليارات غير معروفة المصدر، ورصده تجاوز إنفاق المجالس الأربعة (الرئاسي، والأعلى للدولة، والبرلمان، والحكومة) أكثر من ثلاثة مليارات منذ بداية العام. واعتبر أن ذلك «زاد من إحباط الليبيين، وعمّق شعورهم بأنهم وحدهم من يدفع فاتورة صراعات الكبار» (الدولار يساوي 5.43 دينار).

المصرف المركزي رصد تجاوز إنفاق المجلس الرئاسي والأعلى للدولة والبرلمان والحكومة أكثر من ثلاثة مليارات منذ بداية العام (رويترز)

ووفق بيان المصرف المركزي، فقد بلغت إيرادات ليبيا نحو 94 مليار دينار في الأشهر التسعة الأولى، فيما بلغ الإنفاق العام أكثر من 86 مليار دينار. وتصدّرت حكومة «الوحدة» والجهات التابعة لها مستوى الإنفاق بـ2.2 مليار دينار، يليها البرلمان وما يتبعه بـ820 مليون دينار.

ويرى المخزوم أن الليبيين «باتوا مدركين أن جلسة استدعاء محافظ المصرف لن تكون لإيضاح السياسات المالية، وكشف التفاصيل حول بعض القضايا لطمأنة الرأي العام كما ردد بعض النواب؛ وإنما لتوظيف معاناته في الحسابات السياسية بين فرقاء السلطة».

وتساءل المخزوم، وهو أستاذ القانون الدستوري بجامعة طرابلس، عن سبب «عدم انعكاس اهتمام تلك المؤسسات بالمواطن، عبر خفض نفقاتها، أو إظهار جدّية في تنفيذ الخريطة الأممية، بما قد يؤدي إلى إجراء انتخابات وتشكيل حكومة موحدة تُصرف لها ميزانية واحدة».

* استياء من تصاعد الإنفاق العام

أشار الباحث القانوني الليبي، هشام الحاراتي، إلى وجود «استياء واضح» يمكن رصده من خلال منصّات التواصل الاجتماعي «من أداء السلطات وتصاعد الإنفاق العام، دون انعكاسه على حياة المواطنين».

وقال الحاراتي لـ«الشرق الأوسط» إن «استياء الليبيين يتزايد من إنفاق الملايين على جهات تابعة للبرلمان أو للمجلس الرئاسي أو للحكومتين، ما بين مراكز إعلامية واستشارات ودعم سياسات، دون توضيح الجدوى منها»، مضيفاً: «هم يرون أن هذا التوسع في الإنفاق لا ينفصل عن معاناتهم من شحّ السيولة، وتدني مستوى الصحة والتعليم».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

ووفق بيان المصرف المركزي، بلغ إنفاق الجهات التابعة للبرلمان 756 مليون دينار، فيما بلغ إنفاق الجهات التابعة للرئاسي أكثر من 472 مليون دينار.

وحسب الحاراتي، فإنّ «أزمة السيولة وغيرها من الأزمات الاقتصادية، بما فيها قضية المليارات المطبوعة خارج المنظومة المصرفية لن تُحل باستدعاء محافظ المصرف لتوضيح سياساته أو لمحاسبته». ودعا إلى «حضور رؤساء الأجهزة الرقابية لكشف مصير الأموال، ومن استفاد منها كإجراءٍ مؤقت، فيما يتمثّل الحل الرئيسي في الذهاب إلى الانتخابات لتوحيد الحكومة والمؤسسات»، مبرزاً أنّ هذا المسار «يهدد مصالح الكثيرين، مما يثير شكوكاً حول توافقٍ ضمني على عرقلته».

وانضم نائب رئيس «حزب الأمة»، أحمد دوغة، إلى الآراء السابقة، معتبراً أن «وجود حكومتين تنفقان بلا رقابة، كل واحدة منهما تضم عدداً كبيراً من الوزراء والوكلاء والمستشارين والموظفين، هو الأساس في إرباك الوضع الاقتصادي وسياسات المصرف المركزي»، معتبراً أن «امتلاك ليبيا لمثل هذا العدد من الوزراء ربما جعلها حالةً استثنائية مقارنة بباقي الدول».

لفت دوغة إلى «معاناة المواطنين في صرف رواتبهم كل شهر ومحدودية أغلبها رغم ارتفاع الأسعار» (أ.ف.ب)

وعبّر دوغة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن قناعته بأنه «حتى قبل بيان المصرف، سجل ازدياد في استياء الليبيين من أداء السلطات، وهو ما يظهر بوضوح في ما نقلته وسائل الإعلام من انتقادات المواطنين خلال وقوفهم في طوابير أمام المصارف»، مرجعاً ذلك إلى «معاناتهم في صرف رواتبهم كل شهر، ومحدودية أغلبها رغم ارتفاع الأسعار، وهم أبناء الدولة النفطية».

أما الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، فاعتبر أن بيانات المصرف حول إنفاق المجالس الأربعة وما يتبعها من جهات متعددة «باتت تُثير تساؤلات جوهرية عن دورها في حياة الليبيين خلال العقد الأخير».

وقال القماطي لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن الحكومتين والمجلس الرئاسي أو مجلسي النواب والدولة بات مرتبطاً دائماً بالأزمات وفي سياق الانتقاد، لا بمدى مساهمة أيّ منهم في حل أزمات الليبيين أو مكافحة الفساد، أو الحيلولة دون وقوع كارثةٍ ما عبر اتخاذ التدابير اللازمة مسبقاً».

أوضح القماطي أنّ الحديث عن الحكومتين والمجلس الرئاسي أو مجلسي النواب والدولة بات مرتبطاً دائماً بالأزمات (الأعلى للدولة)

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة وتتخذ من طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حمّاد، وهي مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.


مقالات ذات صلة

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

شمال افريقيا تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

في ظل معارضة شعبية بغرب ليبيا لـ«مبادرة» مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، لحلحلة الأزمة السياسية زارت المبعوثة الأممية هانا تيتيه مصراتة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

تحركات قضائية في ليبيا لتعقّب مهرّبين بعد غرق 38 «مهاجراً»

قال مكتب النائب العام الليبي إن «تشكيلاً عصابياً» دفع بمهاجرين غير نظاميين من شواطئ طبرق إلى شمال المتوسط، على متن قارب متهالك فشل في إيصالهم إلى وجهتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)

شرق ليبيا والأردن لتعزيز التعاون العسكري والأمني

عززت القيادتان العسكريتان في شرق ليبيا والأردن من تعاونهما العسكري والأمني بهدف مواجهة التحديات الإقليمية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

شددت محادثات ليبية - يونانية عُقدت في طرابلس، على أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تقاسم الأعباء في ملف الهجرة غير النظامية، وتكثيف برامج التدريب.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

هل تصبح ليبيا «ورقة رابحة» لترمب في معادلة الطاقة الدولية؟

في قلب مشهد سياسي معقّد، تتبلور قراءات دولية حول موقع ليبيا في حسابات القوى الكبرى، وما يمكن أن تلعبه راهناً في ملف الطاقة عالمياً بالنظر إلى ما تملكه من مخزون.

جمال جوهر (القاهرة)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».