ضغوط دولية على «الوحدة» الليبية لتسليم سيف الإسلام القذافي وقادة ميليشيات

تزامناً مع حديث عن تقديم «الجنائية الدولية» أدلة بشأن المطلوبين

سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
TT

ضغوط دولية على «الوحدة» الليبية لتسليم سيف الإسلام القذافي وقادة ميليشيات

سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)

تواجه حكومة «الوحدة» (المؤقتة) في ليبيا ضغوطاً دبلوماسية وقانونية متزايدة، على خلفية اتهامات بـ«عدم التعاون الكافي مع المحكمة الجنائية الدولية في تسليم سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، ومتهمين ليبيين آخرين بارتكاب انتهاكات حقوقية ترتقي إلى جرائم حرب». غير أن مندوب ليبيا لدى المحكمة الجنائية الدولية، السفير أحمد الجهاني، أكد لـ«الشرق الأوسط» في اتصال هاتفي من لاهاي، أن التواصل بين السلطات الليبية والمحكمة «مستمر ومتقدم»، مشيراً إلى أن حكومة «الوحدة» قد «مددت بالفعل ولاية المحكمة في ليبيا حتى نهاية عام 2027، وهو أقصى ما يمكن تقديمه في هذا الإطار».

وتتزايد الضغوط داخل أروقة الأمم المتحدة لتشديد الرقابة على الأوضاع الحقوقية في ليبيا؛ إذ أوصت محكمة العدل الدولية مجلس حقوق الإنسان أخيراً بإنشاء آلية مستقلة، عبر تعيين مقرر خاص لمتابعة الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وهي توصية أيّدتها لجنة «الحقوقيين الدوليين»، التي رأت أن «الانتهاكات الجسيمة ما زالت مستمرة دون مساءلة».

النائب العام الليبي الصديق الصور في لقاء مع رئيس جهاز الشرطة القضائية بطرابلس (مكتب النائب العام)

وأوضح الجهاني أن مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، قدّم للمحكمة «نتائج تحقيقات وطنية» حول بعض القضايا، لكنه انتقد ما وصفه بـ«غياب تبادل المعلومات من جانب المحكمة»، قائلاً إن الأخيرة «لم تزوّد الجانب الليبي بما لديها من أدلة، أو تحقيقات تخص بعض المواطنين المدرجين في قوائم الاتهام». غير أن المندوب الليبي أشار إلى أن «الجهود التي يقودها النائب العام ومكتبه في الظروف الراهنة تُعد غير عادية بكل المقاييس»، لكنه اعترف بأن بعض الملفات «تظل خارج السيطرة»، سواء «لوجود بعض المطلوبين خارج البلاد، مثل سيف الإسلام، أو لاحتماء آخرين بمجموعات مسلحة داخل ليبيا»، مبرزاً أن الحكومة «تسعى إلى تعزيز التعاون مع المحكمة في إطار التكامل بين القضاءين الوطني والدولي».

وسبق أن جددت المحكمة الجنائية الدولية دعوتها لتسليم سيف الإسلام، وتسعة آخرين متهمين بارتكاب جرائم حرب منذ عام 2011.

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

ومن غير المعروف مكان إقامة سيف الإسلام، الذي أُطلق سراحه من قبل مجموعة مسلحة في الزنتان (غرباً) قبل 8 أعوام، واقتصر ظهوره على حوار صحافي أدلى به لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2020، وتقديم أوراق ترشحه للرئاسة في عام 2021، وبيانات عبر حسابات منسوبة له بمواقع التواصل الاجتماعي.

ومن منظور دبلوماسيين، ومن بينهم السفير الليبي، إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين السابق بالأمم المتحدة، فإن تعامل السلطات الليبية مع المحكمة الجنائية الدولية «يكتنفه قدر كبير من التعقيد والحساسية»، وهو ما عزاه قرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «تشابك العوامل الداخلية، واضطراب المشهدين السياسي والأمني في البلاد، فضلاً عما تمر به المحكمة من (موقف سلبي من الإدارة الأميركية)». ويوضح أن تلبية مطالب المحكمة «تمثل عبئاً ثقيلاً على السلطات الليبية»؛ نظراً لما قد تثيره من تداعيات داخلية معقدة.

في المقابل، ورغم تأكيدات حكومة «الوحدة» على تعاونها عبر إعلانها في مايو (أيار) الماضي قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027، علماً بأن ليبيا ليست طرفاً في «نظام روما الأساسي»، فإن هذا القرار أثار جدلاً داخلياً؛ إذ اتهم مجلس النواب الحكومةَ بتجاوز صلاحياتها «المحدودة»، وفق خريطة الطريق المعتمدة في جنيف.

وعدّ قانونيون أن «قرار التعاون مع المحكمة من اختصاص السلطة التشريعية لا التنفيذية»، وهي رؤية أيّدها الخبير القانوني، الكوني عبودة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن ليبيا «غير ملزمة قانونياً بالتسليم إلا في حال صدور قرار جديد من مجلس الأمن شبيه بالقرار (1973)».

من ناحية أخرى، فإن المجتمع الدولي يركّز ضغوطه حالياً على ملف ترهونة، الذي لا يزال يرمز إلى حجم الانتهاكات المرتكبة خلال حرب العاصمة طرابلس (2019-2020). فرغم مرور أكثر من أربع سنوات على اكتشاف المقابر الجماعية، التي ضمت مئات الضحايا، لم تُسلّم السلطات الليبية قادة ميليشيا «الكانيات»، المتهمين بارتكاب جرائم قتل جماعي وتعذيب وإخفاء قسري. وتلاحق المحكمة الجنائية ستة من أبرز عناصر الميليشيا، من بينهم عبد الرحيم الكاني ومخلوف دومة.

من جلسة سابقة لأعضاء مجلس النواب الليبي (المجلس)

وأثار توقف أعمال الحفر في مقابر ترهونة منذ عامين انتقادات حقوقية واسعة؛ إذ اعتبرت منظمات مثل «هيومن رايتس ووتش» و«الحقوقيون الدوليون»، أن الجمود القائم «يكرّس الإفلات من العقاب»، ويعكس عجز السلطات عن محاسبة المتورطين في الجرائم.

وقد عبّر أهالي ضحايا ترهونة في سبتمبر (أيلول) الماضي عن غضبهم، خلال اجتماع مع بعثة الأمم المتحدة، من «تجميد التحقيقات وهروب المتهمين»، في حين أصدر النائب العام أوامر قبض بحق عناصر من «الكانيات» وأفراد أمن، في محاولة لإظهار تجاوب داخلي.

وفي هذا السياق، يرى الباحث هشام الحاراتي أن تحقيق العدالة «يتطلب إرادة سياسية، وتعاوناً عملياً في تسليم المطلوبين ووقف الانتهاكات»، معتبراً أن إعلان حكومة الدبيبة قبول اختصاص المحكمة «يبدو محاولة لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي أكثر من كونه التزاماً فعلياً».

وفي سياق الضغوط الدولية، تتواصل مطالب أطراف دولية لحكومة «الوحدة» بتسليم أسامة نجيم، المدير السابق لأحد سجون طرابلس، الذي أُوقف في إيطاليا في يوليو (تموز) الماضي بتهم التعذيب والقتل، بموجب مذكرة من المحكمة، ثم أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

رئيس جهاز الشرطة القضائية السابق أسامة نجيم (حسابات ليبية موثوقة)

ويستدل أستاذ القانون الدولي، الدكتور محمد الزبيدي، بقضية نجيم لتأكيد أن موقف حكومة الدبيبة تجاه المحكمة «تحكمه اعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، لا التزامات قانونية بحتة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تمديد ولاية المحكمة، وإحالة بعض أسماء المطلوبين إلى لاهاي، لا يعنيان بالضرورة استعداد الحكومة لتسليم المتهمين»، بل قد يكون ذلك «محاولة لامتصاص الضغط الدولي، والاحتفاظ بهذه الورقة للتلويح بها ضد الخصوم السياسيين».

وخلص الزبيدي إلى أن استمرار ضعف المؤسسات القضائية والانقسام السياسي «يمنح المحكمة ذريعة لتمديد ولايتها، التي كان يُفترض أن تنتهي بانتهاء أحداث عام 2011»، مشيراً إلى أن «تغوّل المجموعات المسلحة، واستمرار غياب العدالة، يجعلان هذا الملف مفتوحاً إلى أجل غير مسمى».


مقالات ذات صلة

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

شمال افريقيا المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

تترقب ليبيا تحديد آلية تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وفق اتفاق «4+4» لإجراء الانتخابات خلال عامين، فيما يرجح محللون تشكيل لجنة حوار جديدة لحسم الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

صعّد المعلمون في عدة مدن ليبية احتجاجاتهم للمطالبة بزيادة رواتبهم، في وقت شدد وزير التعليم في غرب ليبيا على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوق المعلمين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

كشف تحرك محمد المنفي نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن خلية متهمة باستهداف منشآت حيوية، عن تباين ليبي، مع تمسك وزارة الدفاع بالتحقيقات المحلية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

لم تلُح في الأفق، حتى الآن، ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.