تبون: الجزائر نجت من كارثة... وتواجه أصعب الحروب

في سياق تصاعد الخطاب السياسي والأمني بشأن اعتداء خارجي محتمل

الرئيس يلقي خطابه أمام كوادر وزارة الدفاع (الوزارة)
الرئيس يلقي خطابه أمام كوادر وزارة الدفاع (الوزارة)
TT

تبون: الجزائر نجت من كارثة... وتواجه أصعب الحروب

الرئيس يلقي خطابه أمام كوادر وزارة الدفاع (الوزارة)
الرئيس يلقي خطابه أمام كوادر وزارة الدفاع (الوزارة)

حمل خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي ألقاه، أمس الخميس، بالعاصمة، أمام كبار المسؤولين في وزارة الدفاع، تأكيداً على جاهزية الجيش لمواجهة مختلف التهديدات المحتملة، في سياق إقليمي يتسم بتوترات حادة مع دول جنوب الصحراء الحدودية، وتعقيدات أمنية متزايدة، وهو ما يُفسّر تصاعد الإنفاق العسكري من عام لآخر.

الرئيس تبون مخاطباً العسكريين في وزارة الدفاع (الرئاسة)

التقى تبون بكوادر الجيش، بحضور الوزير المنتدب للدفاع ورئيس أركان الجيش، الفريق أول سعيد شنقريحة، حيث لم يخل كلامه من إشارات إلى أن الجزائر قادرة بفضل تحديث منظومتها الدفاعية على التصدي لأي اعتداء، أيا كانت طبيعته ومصدره، بحسب تعبيره.

وأكد تبون، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الدفاع، بحسب الدستور، أن الجيش «تمكن من التأقلم مع التهديدات الجديدة، على غرار الحروب الهجينة والسيبرانية»، كما أشار إلى أن القوات العسكرية «تتماشى مع تطورات الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى التحديثات الجارية في منظومة الدفاع الوطني.

مسؤولو الجيش خلال متابعة خطاب الرئيس (وزارة الدفاع)

وفي معرض حديثه عن طبيعة التهديدات الراهنة، ذكر تبون أن «أصعب الحروب التي تواجهها الجزائر اليوم هي تلك الموجهة نحو فئة الشباب»، معتبراً أن «إغراق بلادنا بشكل منظم بالمخدرات»، يستهدف، في تقديره، مستقبل الوطن وضرب نسيجه الاجتماعي، موضحاً أن الجزائر «نجت من كارثة بفضل يقظة الجيش ومختلف أجهزة الأمن»، في إشارة إلى التقارير الدورية لأجهزة الأمن بخصوص التصدي لمحاولات إدخال كميات ضخمة من المخدرات إلى البلاد.

وأضاف تبون في خطابه، الذي بثته وزارة الدفاع بموقعها الإلكتروني، أن القوات المسلحة «أسهمت إلى جانب أجهزة الأمن في تحسين مناخ الاستثمار، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، من خلال توفير الأمن والاستقرار في البلاد». وأشاد بالجيش الذي وصفه بـ«مدرسة وطنية في حب الوطن والدفاع عن وحدة التراب الوطني».

من جهته، أفاد رئيس أركان الجيش، سعيد شنقريحة، بأن «الخيارات الاستراتيجية التي انتهجها تبون (منذ وصوله إلى الحكم في 2019) ترتكز على بناء اقتصاد ناشئ، وجيش قوي ومتماسك، وتمتين الجبهة الداخلية»، مؤكداً أن «هذه الخيارات تُجسد رؤية عقلانية واستشرافية، تهدف إلى بناء مستقبل الجزائر، وضمان أمنها القومي الدائم، من خلال انسجام المؤسسات وتكامل الجهود».

وبحسب شنقريحة، فقد «أظهرت التجارب عبر التاريخ أن الأمم التي تعتمد على قواها ومواردها الذاتية، هي الأكثر قدرة على التصدي للتهديدات الخارجية». وأشاد بـ«الرؤية الاستراتيجية»، المنفذة محلياً، التي ترتكز حسبه، على الكفاءات الجزائرية، وعلى مسعى بناء دولة خادمة للوطن والمواطن».

الرئيس مع قائد الجيش في وزارة الدفاع (الرئاسة)

تندرج تصريحات كل من تبون وشنقريحة ضمن مسار تصاعدي في الخطاب الرسمي بشأن التهديدات الموجهة للجزائر، بما يعكس نهجاً ثابتاً في توصيف المخاطر وتعزيز الاستقرار داخلياً. فقبل أسبوع بالتحديد، جمع الرئيس الناشطين في الاقتصاد والتجارة، حيث أطلق تحذيرات شديدة من «الاستسلام» لما وصفه بـ«قوى أجنبية»، قال إنها تعهدت فيما بينها بألا تبلغ الجزائر عام 2027 إلا وهي منهارة؛ لأن الوصول إلى هذا الأفق الزمني يعني اكتساب مناعة اقتصادية حقيقية»، دون أن يُسمّي هذه الأطراف صراحة، مشيراً في المقابل إلى أن الدولة تعمل على تحصين نفسها اقتصادياً، وتحقيق مناعة مالية بحلول ذلك الأفق الزمني.

كما عبّر تبون عن قلقه من «التهديدات التي تستهدف بلاده»، مشدداً على أن «ما تحقق من مكاسب في عدد من القطاعات لا يمكن اعتباره مكسباً دائماً أو مضموناً»، وكان يشير إلى تقارير أعدتها حكومته بخصوص «انتعاش» في قطاع الصناعة. وقال بهذا الخصوص: «أنتم تعلمون أن الجزائر مستهدفة ومقصودة، وهناك جهات كثيرة مجندة ضدها... حذارِ... لا تستسلموا»، لافتاً إلى أن بلاده «مستهدفة عسكرياً»، وخصومها «يراقبونها من بعيد، ويَهبون قدرات جيشها، في حين يظلّ الجيش الجزائري قوة دفاعية مسالمة، تقتصر مهمتها على حماية الأمن الوطني وتأمين الحدود». كما قال: «لن نبدأ بالاعتداء على أحد، ولكن من يعتدِ علينا فسيتحمّل عواقب فعلته».

رئيس أركان الجيش خلال إلقاء كلمة أمام أطر وزارة الدفاع (وزارة الدفاع)

كما أشار تبون بنبرة تحذيرية إلى «محاولات مستمرة لنسج الدسائس ضد الجزائر»، بدعوى أنها أصبحت تثير القلق في محيطها. وقال في هذا السياق: «يقال إنه يجب وضع الجزائر عند حدّها لأنها باتت تُخيف البعض. لكن الجزائر، في الواقع، لا تُشكل تهديداً لأحد، بل قلما نجد دولة تتعامل مع الآخرين بذلك الحس الإنساني والعاطفي الذي تُبديه الجزائر».

قادة دول الساحل تجمعهم خصومة حادة مع الجزائر (وزارة خارجية مالي)

ويفسّر مراقبون تصاعد نبرة التحذير في خطابات الرئيس تبون، والتركيز المتزايد على التهديدات والدسائس، بالتوترات الإقليمية المتنامية بين الجزائر وبعض دول الساحل، لا سيما بعد حادثة إسقاط طائرة مسيّرة مالية من قبل سلاح الجو الجزائري مطلع أبريل (نيسان) الماضي. ويُنظر إلى هذه الواقعة على أنها تعبير عن تصدع في العلاقات الأمنية الإقليمية، ما يدفع الجزائر إلى التأكيد المتكرر على جاهزية قواتها المسلحة، وقدرتها على الردع، في إطار خطاب وقائي يوازن بين التحذير وتفادي التصعيد.


مقالات ذات صلة

انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

شمال افريقيا إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

تشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا انتكاسة جديدة، بعد أسابيع من بوادر انفراجة، وذلك بعد اعتقال ناشط ورجل أعمال جزائري في باريس.

شمال افريقيا «عميد الصحافيين» في الجزائر سعد بوعقبة (الشرق الأوسط)

الجيش الجزائري يهاجم «عميد الصحافيين» إثر إدانته بتهمة «إهانة رموز التحرير»

الجيش الجزائري عد تصريحات الصحفي بوعقبة التي تسببت له في مشاكل «تعكس سوء نية للطعن في تاريخنا ورموزنا».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السكرتير الأول لحزب «جبهة القوى الاشتراكية» الجزائرية خلال اجتماع في بجاية (إعلام الحزب)

الجزائر: تنديد واسع بتنظيم انفصالي يقيم قادته في فرنسا

أعربت «جبهة القوى الاشتراكية»، أبرز الأحزاب في منطقة القبائل الجزائرية، عن رفضها الكامل لـ«الانحرافات الانفصالية» في البلاد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الشيخ المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

اختيار المعارضة المالية قائداً جديداً يصبّ الزيت على نار الخلاف الجزائري - المالي

تشهد الأزمة بين الجزائر وجارتها الجنوبية، مالي، تصاعداً مستمراً منذ بداية 2024، ويرجح مراقبون أن تتفاقم الأحداث لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الصحافي سعد بوعقبة (حسابات حقوقيين)

الجزائر: 3 سنوات حبساً غير نافذ لصحافي «أهان رموز ثورة التحرير»

فرضت محكمة جزائرية، مساء الخميس، عقوبة 3 سنوات حبساً موقوفة النفاذ، وغرامة مالية قدرها مليون دينار جزائري، في حق الكاتب الصحافي المتهم الموقوف، سعد بوعقبة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا: مشادة «كلامية عنيفة» بين الدبيبة وبرلماني في طرابلس

الدبيبة وعضو البرلمان الليبي قبل مشادتهما الكلامية (الوحدة)
الدبيبة وعضو البرلمان الليبي قبل مشادتهما الكلامية (الوحدة)
TT

ليبيا: مشادة «كلامية عنيفة» بين الدبيبة وبرلماني في طرابلس

الدبيبة وعضو البرلمان الليبي قبل مشادتهما الكلامية (الوحدة)
الدبيبة وعضو البرلمان الليبي قبل مشادتهما الكلامية (الوحدة)

في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية الليبية وتعقيدات المشهد الداخلي، شهدت العاصمة طرابلس توتراً غير مسبوق، بعد اندلاع مشادة كلامية حادّة بين رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، وعضو مجلس النواب، جلال الشويهدي، خلال الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد، بحضور وفود رسمية ودولية.

وسرعان ما تحوّلت المشادة الكلامية بين الدبيبة والشويهدي إلى تبادل للاتهامات وإهانات شخصية أمام وفود رسمية ودولية على هامش المؤتمر، الذي نظمته هيئة الرقابة الإدارية في طرابلس.

وبدأت الأزمة حين هاجم الشويهدي حكومة الدبيبة، واعتبرها «أكبر عائق أمام الحل السياسي»، مؤكداً أن المجتمع الدولي يتعامل معها فقط لأنها تسيطر على طرابلس، وليس لأنها شرعية أو ناجحة، لافتاً إلى أنها «فشلت في إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية، وأسهمت في تعميق الانقسام».

وظهر الدبيبة في لقطات مصورة، نشرتها وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، وهو يرد على الشويهدي بغضب: «طرابلس معاش تخشلها (لن تدخلها بعد اليوم أبداً)»، مضيفاً في تهديد مبطن: «لو كنت في برقة وتكلمت بهذه الطريقة لوضعوا لك السلاسل»، في استدعاء متعمد لواقعة النائب إبراهيم الدرسي، عضو مجلس النواب عن مدينة أجدابيا، الذي لا يزال مصيره مجهولاً بعد أكثر من 18 شهراً من اختطافه في بنغازي بشرق البلاد منذ العام الماضي.

ولم يسكت الشويهدي عن كلام الدبيبة فرد فوراً: «غصباً عنك ندخلها»، ليغادر القاعة وسط ذهول الحضور.

وبعد الحادثة مباشرة، اتهم الشويهدي الدبيبة بتهديده شخصياً بعدم الدخول إلى طرابلس، وفق تصريحات لوسائل إعلام محلية، معتبراً ذلك «تجاوزاً خطيراً». كما وصف في تصريح مصور على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، حكومة الدبيبة بأنها «الفُرقة وليس الوحدة الوطنية»، وقال بلهجة متحدية: «أنا أستطيع متى أردت الذهاب إلى بنغازي أو طرابلس، بينما الدبيبة لا يستطيع تجاوز حدود طرابلس».

وبحسب مراقبين، لا تعد هذه المشادة مجرد مناوشة كلامية عابرة، بل تعكس الصدام القديم - الجديد بين معسكر الغرب، الذي يمثله الدبيبة ومعسكر الشرق، الذي يمثله مجلس النواب، الذي ينتمي الشويهدي إليه، في لحظة رمزية بالغة السخرية، تتعلق بيوم مكافحة الفساد نفسه.

الدبيبة مع وفد بلديتي نسمة ورأس الطبل (حكومة الوحدة)

في شأن آخر، أكد الدبيبة خلال اجتماعه، مساء الثلاثاء، مع مجموعة المؤسسة الليبية للاستثمار، على أهمية حماية الأصول الاستثمارية وتعزيز مبدأ الربحية، داعياً إلى وضع استراتيجية واضحة لمحفظة الاستثمارات العقارية في القارة الأفريقية لضمان تحقيق العوائد وحماية الأصول، مع تحديد جدول زمني لإنجاز هذه الاستراتيجية، ومتابعة تنفيذها بدقة.

كما شدد الدبيبة، خلال لقائه وفد بلديتي نسمة ورأس الطبل وعدداً من الأعيان، على أهمية استمرار التنسيق بين الحكومة والمجالس المحلية والأعيان لدفع عجلة التنمية، مؤكداً التزامه بدعم البلديتين، ومتابعة المشروعات الحيوية التي تعزز جودة حياة المواطنين.

وأصدر الدبيبة تعليماته الفورية والعاجلة باتخاذ جملة من الإجراءات المتعلقة بمشروعات المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة، مؤكداً ضرورة معالجة التحديات القائمة، وضمان تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، بما يسهم في تطوير المنطقة وتحسين مستوى الخدمات.


مخاوف من «تجاوزات» في انتخابات الدوائر الملغاة بـ«النواب» المصري

مصريون أمام أحد المراكز الاقتراع في الانتخابات البرلمانية (حزب حماة الوطن)
مصريون أمام أحد المراكز الاقتراع في الانتخابات البرلمانية (حزب حماة الوطن)
TT

مخاوف من «تجاوزات» في انتخابات الدوائر الملغاة بـ«النواب» المصري

مصريون أمام أحد المراكز الاقتراع في الانتخابات البرلمانية (حزب حماة الوطن)
مصريون أمام أحد المراكز الاقتراع في الانتخابات البرلمانية (حزب حماة الوطن)

تجدّدت المخاوف من حدوث «تجاوزات» انتخابية في مصر، مع انطلاق التصويت في انتخابات الإعادة داخل 30 دائرة، سبق أن أُلغيت نتائجها بقرار من المحكمة الإدارية العليا، بعدما شهدت الساعات الأولى من الاقتراع، الأربعاء، «بلاغات عن محاولات حشد وشراء أصوات»، ما أعاد إلى الواجهة الجدل الواسع، الذي طغى على المرحلة الأولى من الانتخابات.

جاء ذلك تزامناً مع ترقب لقرارات المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة بشأن مصير 257 من الطعون الانتخابية، المقدمة ضد نتائج الجولة الأولى من المرحلة الثانية لانتخابات مجلس النواب 2025.

ولم تكد تفتح مراكز الاقتراع أبوابها في الدوائر الثلاثين، الأربعاء، حتى أعلن المدير التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات، المستشار أحمد بنداري، رصد وقائع متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي عن «وجود نقاط حشد في شوارع بدائرة الطالبية في محافظة الجيزة لشراء أصوات الناخبين».

وتزايدت التساؤلات لدى مراقبين بعد توالي إشعارات من جانب وزارة الداخلية المصرية، بشأن ضبط ما لا يقل عن 45 شخصاً في عدد من المحافظات، من وقائع الشروع في توزيع «رِشىً» على ناخبين، وخرق حظر الدعاية الانتخابية أمام مراكز الاقتراع.

وقال مدير «المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية»، عبد الناصر قنديل، لـ«الشرق الأوسط»، إن تكرار هذه المخالفات «يستوجب تعديلاً تشريعياً أكثر صرامة»، عادّاً أن عقوبة الحبس لمدة عام «لم تعد رادعة»، وإن كان يرى أن «سرعة تعامل أجهزة الدولة مع الوقائع تؤشر إلى قدر مقبول من معايير النزاهة»، على حد قوله.

وجاء الحديث عن «خروقات» جديدة، رغم مضي أقل من أسبوع على حكم محكمة جنح أول طنطا بحبس مندوب أحد المرشحين سنة مع الشغل، بعد ضبطه يجمع بطاقات هوية، ويوزّع أموالاً لتوجيه الناخبين، حيث صودِر بحوزته مبلغ 1700 جنيه (الدولار يساوي 47.5 جنيه)، وتسع بطاقات شخصية، بحسب محاضر الشرطة.

في المقابل، تكرر الهيئة الوطنية للانتخابات دعوتها للمواطنين المقيدين في قاعدة بيانات الناخبين إلى «المشاركة وعدم السماح لأي طرف بالتأثير على إرادتهم»، وتؤكد أنها «تتابع أي خروقات وتتعامل معها فوراً»، وهو ما جدد بنداري الحديث عنه، الأربعاء.

مصريون ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في انتخابات مجلس النواب (حزب حماة الوطن)

وانطلق التصويت داخل 30 دائرة انتخابية، وكانت المحكمة الإدارية العليا قد ألغت نتائجها ضمن محافظات المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب. ويتنافس في هذه الدوائر 623 مرشحاً على 58 مقعداً، باستثناء ستة مقاعد جرى حسمها في أربع دوائر، هي الجيزة والمنتزه والمحمودية وأول أسوان، ولا تزال قضاياها منظورة أمام محكمة النقض.

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجدل، الذي رافق المرحلة الأولى، بعدما دفعت المخالفات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات بمراجعة مسار العملية، وهو ما أدى لاحقاً إلى إلغاء نتائج 19 دائرة في سبع محافظات، قبل أن تُبطل المحكمة نتائج 30 دائرة إضافية.

وبحسب رئيس «مجلس أمناء مجلس الشباب المصري»، محمد ممدوح، فإن تكرار بعض هذه الممارسات من جانب بعض المرشحين وأنصارهم «يوحي بأنهم لم يستوعبوا الرسائل المتتالية من الدولة بشأن تجريم المال السياسي»، متوقعاً «محاسبة جميع من حرضوا على ممارسات مخالفة، سواء أفازوا بمقاعد البرلمان أم لا».

مواطنون أمام أحد المراكز الاقتراع في صعيد مصر (أ.ش.أ)

الحديث عن الاقتراع في الدوائر الانتخابية الـ30 الملغاة لم يحرف الأنظار عن دوائر أخرى، إذ كانت المحكمة الإدارية العليا تستعد لإصدار حكمها في 257 من الطعون الانتخابية خلال جلسة الأربعاء، إذ ساد ترقّب لعدة سيناريوهات محتملة قد تعيد تشكيل الخريطة للمرحلة الثانية من انتخابات «النواب». وتضمنت الطعون المقدمة إلى المحكمة الإدارية العليا مطالب مختلفة، سواء تلك التي قد فصلت فيها المحكمة، أو التي لم تحسم بعد، من بينها «إلغاء العملية الانتخابية في بعض الدوائر، أو إلغاء جولة الإعادة، أو وقف إعلان النتائج، بدعوى وجود مخالفات شابت عملية الفرز والتجميع».

ووفق قانونيين، فإن السيناريوهات التي كانت تنتظر هذه الدوائر هي تأييد النتيجة المعلنة في حال ثبوت سلامة الإجراءات، وعدم وجود مخالفات أو أخطاء مؤثرة في محاضر الفرز والتجميع، أو إعادة الفرز في لجان، أو دوائر محددة قد ترى المحكمة ضرورة إعادة الفرز في عدد من اللجان، التي ثبت وجود تضارب أو أخطاء في محاضرها، وهو سيناريو يتكرر عادة في الطعون الانتخابية.

أما السيناريو الأخير، بحسب القانونيين، فهو إعادة الانتخابات بأحكام نهائية وواجبة التنفيذ، وتُعد قرارات المحكمة الإدارية العليا نهائية وباتّة، وتلتزم الهيئة الوطنية للانتخابات بتنفيذها فور صدورها، دون إمكانية الطعن عليها، ما يجعل الساعات المقبلة حاسمة في تحديد الخريطة النهائية لمرحلة الإعادة.


التعاون الدفاعي المصري - التركي «يربك موازين القوى الإقليمية»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون الدفاعي المصري - التركي «يربك موازين القوى الإقليمية»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)

في وقت حذر فيه إعلام عبري من «التعاون العسكري بين مصر وتركيا في مجال تصنيع الطائرة الشبحية KAAN»، ما يهدد «التفوق الجوي الإسرائيلي مستقبلاً»، أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، أن «التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة يربك موازين القوى الإقليمية بالمنطقة، كما يعمل على تحقيق الاستقرار الذي تسعى إسرائيل لتهديده بشكل كبير في الوقت الحالي».

وحذّرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الثلاثاء، من أن التعاون العسكري بين مصر وتركيا يدخل مرحلة جديدة وخطيرة، بعد قرار القاهرة الانضمام بوصفها شريكاً كاملاً في مشروع تطوير المقاتلة الشبح التركية (KAAN).

وأكدت الصحيفة أن هذه الخطوة، التي وصفتها بـ«غير المسبوقة»، تثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بشأن «مستقبل التفوق الجوي لسلاح الجو الإسرائيلي في المنطقة»، مشيرة إلى أن مصر «لم تعد تكتفي باستيراد أنظمة أسلحة جاهزة، بل باتت تشق طريقها إلى قلب صناعة الطيران العسكري المتقدم، بعد أن انضمت رسميّاً إلى المشروع الضخم، الذي تقوده تركيا لتطوير مقاتلة شبح محلية الصنع».

خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، يرى أن «مشروع التعاون في تصنيع المقاتلة الشبحية بين مصر وتركيا جيد جداً، لكن مصر لم تعلن رسمياً حتى الآن عن شراكتها في هذا المشروع، وفي اعتقادي أن مصر جادة في الانضمام لهذا التعاون العسكري المهم مع تركيا»، مبرزاً أن «هذه الشراكة لا تزال قيد التفاوض وفي مراحل مبكرة، وربما تنتظر مصر التوقيع النهائي لكي تعلن عن تلك الشراكة». وشدد على أن «تركيا لديها حافز قوي للدخول في شراكات عسكرية إقليمية لتعزيز مصداقيتها بشأن صناعة الطائرة الشبحية، خاصة أن ميزانية تصنيع تلك الطائرة كبيرة، ومن ثم فأنقرة لديها حاجة للترويج لتلك الطائرة لتخلق لها سوقاً»، موضحاً أن «التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة يربك موازين القوى الإقليمية بالمنطقة».

من جانبها، عدّت صحيفة «معاريف» أيضاً أن هذا التطور «يمثل علامة فارقة في العلاقات بين أنقرة والقاهرة، ويفتح الباب أمام شراكة دفاعية استراتيجية قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التقارب الدبلوماسي والسياسي المتسارع بين البلدين، منذ زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في 2023، وزيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة في 2024».

وأوضحت الصحيفة أن انضمام مصر «لا يحمل طابعاً رمزيّاً فحسب، بل تداعيات أمنية مباشرة، إذ إنه قد يمنح الدولتين قدرات جوية متطورة، قادرة على اختراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية، ما يهدد الوضع الراهن، الذي يمنح سلاح الجو الإسرائيلي تفوقاً نوعيّاً في سماء المنطقة».

ووصفت «معاريف» الخطوة بأنها «عبور تاريخي» لمصر، إذ إنها المرة الأولى التي لا تكتفي فيها بشراء طائرات حربية، بل تشارك في تصميمها وتصنيعها، ما يضعها ضمن نادٍ محدود من الدول، التي تمتلك هذه القدرات التكنولوجية المتقدمة.

لكن عبد الواحد نوه بأن «الإعلام الإسرائيلي درج على تضخيم غير مفهوم لأي خطوة عسكرية مصرية، فالطائرة (كا أن) لم يتم تشغيلها بعد، سواء في القوات الجوية التركية أو أي قوات أخرى، وهي ما تزال في مرحلة الاختبارات الأولية، رغم بدء المشروع من 2023، ومن المقرر أن يتم تصنيع 20 طائرة منها وتسليمها للقوات الجوية التركية في 2028، لأن هناك مشكلة تواجه تركيا، فقد صنعت الجسم الخارجي للطائرة، لكن ليست لديها محركات، وهي تستخدم محركات أميركية حتى الآن في هذه الطائرة، وكانت تسعى للحصول على محركات بريطانية، لكن بريطانيا لم توافق».

وأوضح عبد الواحد أنه «لذلك جاءت الشراكة والتعاون بين مصر وتركيا في هذا المشروع لتمنح الطرفين مرونة أكبر في عدم الاعتماد على الموردين الغربيين، خاصة إذا نجحا معاً في إنتاج محركات لتلك الطائرة، ما يعزز القوة العسكرية المصرية - التركية، ويواجه سعي الغرب للإصرار على تفوق إسرائيل عسكرياً في المنطقة».

المقاتلة الشبحية التركية «كا أن» خلال تجربة سابقة (إعلام تركي)

وأشار تقرير الإعلام العبري إلى أن مصر، التي اعتمدت سابقاً على طائرات أميركية مثل F-16، وفرنسية من طراز «رافال»، إضافة إلى صفقات روسية، كانت دائماً تخضع لقيود صارمة في مجال قطع الغيار والذخائر، وشروط الاستخدام. في المقابل، يمنحها انضمامها إلى مشروع «كا أن» وصولاً غير مسبوق إلى تقنيات حساسة، إذ تنتج تركيا حاليّاً أكثر من 80 في المائة من مكونات الطائرة، بما في ذلك الرادارات المتطورة (AESA)، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة.

وأفاد تقرير «معاريف» بأن هذا التعاون يندرج ضمن استراتيجية مصرية أوسع لبناء صناعة دفاع محلية، تشمل اتفاقيات تصنيع مشترك مع كوريا الجنوبية (مثل مدافع K-9 وطائرات FA-50)، وإيطاليا (فرقاطات بحرية جديدة). فيما تستفيد تركيا من الشراكة عبر توزيع عبء الكلفة الباهظة لتطوير المشروع، الذي تُقدّر تكلفته بما يزيد على 10 مليارات دولار خلال العقد المقبل، فضلاً عن توسيع نطاق سوقها الدفاعية بفضل الموقع الاستراتيجي لمصر ووزنها العربي.

المحلل السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، قال إن «هذه التعاون في التصنيع الدفاعي يؤدي لتقوية الروابط الاستراتيجية بين تركيا ومصر، ما يؤدي لمزيد من الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «هذا الأمر بالطبع يقلق إسرائيل، التي أظهرت جليا في حربها على غزة أن لديها أجندة خاصة لتدمير المنطقة».

وأوضح أغلو أن «هذا التعاون مهم لتركيا ومصر لتكونا قريبتين من بعضهما في ظل هذا المتغيرات الحساسة بالمنطقة، كما يقرب وجهات النظر فيما بينهما بشأن القضايا الخلافية، سواء بالنسبة لغاز البحر المتوسط أو الحدود البحرية الليبية، وغيرها من قضايا يكون الخلاف فيها بين القاهرة وأنقرة أكثر ضرراً من التقارب».

وشهدت العلاقات المصرية - التركية تطورات إيجابية ملحوظة خلال الفترة الماضية، ففي الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران) الماضي، استضافت مصر جولة مشاورات سياسية مع تركيا لتعزيز العلاقات الثنائية، كما أوقفت أنقرة في يوليو (تموز) الماضي عنصراً «إخوانياً»، تتهمه القاهرة بالتخطيط لأعمال تخريبية بمصر، وتم ترحيله لوجهة غير معلومة.

وبحسب مراقبين «تعد هذه خطوات لافتة في إطار التقارب بين مصر وتركيا، رغم وجود خلافات حول قضايا عدة، أبرزها غاز المتوسط، والتحركات التركية في ليبيا، ومع بعض دول القرن الأفريقي مثل إثيوبيا، وهو ما يثير حفيظة القاهرة»، ومع ذلك شهدت العلاقات بين مصر وتركيا دفعة قوية أخيراً، خصوصاً بعدما زار الرئيس المصري تركيا أواخر العام الماضي، وتبادل البلدان تعيين سفيرين، ما يشير إلى وجود مساعٍ لتعميق العلاقات وتحسينها.