«شروط الترشّح للرئاسة» الليبية تنذر بعودة التوتر بين البرلمان و«الدولة»

بعد اعتماد توصيات لإدخال تعديلات على القوانين الانتخابية

اجتماع لهيئة مكتب المجلس الأعلى للدولة (المجلس)
اجتماع لهيئة مكتب المجلس الأعلى للدولة (المجلس)
TT

«شروط الترشّح للرئاسة» الليبية تنذر بعودة التوتر بين البرلمان و«الدولة»

اجتماع لهيئة مكتب المجلس الأعلى للدولة (المجلس)
اجتماع لهيئة مكتب المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

يبدو أن الخلاف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في ليبيا يتجه للتجدد، بعدما اعتمد الأخير تقرير اللجنة المكلّفة قييم «خريطة الطريق» الأممية، الذي تضمن توصيات لإدخال تعديلات على القوانين الانتخابية، أهمها إعادة التأكيد على استبعاد العسكريين، ومزدوجي الجنسية والمطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية من الترشح للرئاسة.

ورغم أن هذه التوصيات غير ملزمة، وتنتظر التشاور مع البرلمان وبعثة الأمم المتحدة، فإن مضامينها قد تحمل رسائل سياسية واضحة حول الرغبة في إقصاء شخصيات بارزة، وفي مقدمتهم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وسيف الإسلام القذافي.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (مركزه الإعلامي)

ويتوقع مراقبون أن يرفض البرلمان هذه التوصيات؛ ما قد يهدد بنسف التفاهمات الأخيرة بين المجلسين بشأن تنفيذ الخريطة الأممية، ويعيد التجاذبات القديمة، التي عطّلت المسار الانتخابي لسنوات بسبب الخلاف حول شروط الترشح للرئاسة.

ومقابل هذه الشكوك والتخوفات التي اقتربت من الاتهامات بـ«العرقلة»، دافع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة عن خيارهم، مؤكدين أن الهدف ليس الإقصاء، بل ضبط الشروط، بما يتماشى مع المعايير المتبعة في أغلب القوانين الانتخابية في العالم، على حد وصفهم، والتي تشترط حياد المؤسسة العسكرية، ووحدة الجنسية لضمان نزاهة العملية السياسية.

في هذا السياق، أوضح النائب الأول لرئيس الأعلى للدولة، حسن حبيب، أن «المقترحات الواردة في التقرير تمثل وجهة نظر مجلسه»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البحث جارٍ عن آلية للتشاور مع البرلمان بشأنها».

كما أكد حبيب تبنّي تقرير لجنة مجلسه لبعض المعالجات، التي طرحتها اللجنة الاستشارية التي كانت البعثة الأممية قد شكّلتها لحلّ القضايا الخلافية في الإطار الانتخابي، وفي مقدمتها «فصل نتائج الانتخابات البرلمانية عن الرئاسية، وإلغاء التزامن بين إجراء كل منهما». مشيراً إلى أن مجلسه اختلف مع توصيات أخرى قدمتها اللجنة الاستشارية، وتمسك «برفض ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين».

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من طرابلس مقراً لها في الغرب الليبي، والأخرى مكلّفة من البرلمان، ومدعومة من «الجيش الوطني» برئاسة أسامة حماد، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

بدوره، أشار عضو الأعلى للدولة، محمد معزب، إلى أن «رفض ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية يمثل موقفاً ثابتاً لدى كتلة واسعة من أعضاء مجلسه، ولم يتغير على مدار سنوات».

المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني (الجيش الوطني)

وقلّل معزب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من المخاوف من «رفض البرلمان تلك التعديلات، وأن يكون من تداعيات ذلك نسف التفاهمات التي أُنجزت مؤخراً بينه وبين الأعلى للدولة». مؤكداً أن «مجلسه لا يهدف لإقصاء شخصيات سياسية معينة؛ فالقوانين الانتخابية في عدد كبير من دول العالم تستبعد مزدوجي الجنسية من الترشح للرئاسة»، مضيفاً أن المجلس الأعلى للدولة «لم يُغلق الباب أمام أحد؛ إذ يمكن لمزدوجي الجنسية التخلي عن جنسيتهم الأجنبية، ويمكن للعسكريين الاستقالة قبل الترشح للرئاسة بوقت كاف».

ورداً على مقترح اللجنة الاستشارية الأممية، الذي يسمح بإثبات بدء إجراءات التخلي عن الجنسية بعد إعلان النتائج الأولية، قال معزب: «على كل مترشح أن يكون مؤهلاً وقت تقديم أوراقه لا بعد فوزه»، مشيراً إلى أن «التخلي عن بعض الجنسيات الأجنبية، كالأميركية والبريطانية، يتطلب وقتاً طويلاً».

سيف الإسلام القذافي خلال تقدمه بأوراقه للترشح في الانتخابات الرئاسية 14 نوفمبر 2021 (رويترز)

ويرى معزب أن «بعض نواب البرلمان قد يتفقون مع موقف مجلسه، بينما على الآخرين تبرير رفضهم»، موضحاً أن «تقرير لجنة (خريطة الطريق) بمجلسه سيُرسل إلى البعثة الأممية، ومنها إلى البرلمان، مع استعداد (الأعلى) للتفاوض مرناً بشأنه».

في المقابل، توقع عضو مجلس النواب الليبي، عمار الأبلق، «تجدد الخلافات بين المجلسين حول شروط الترشح للرئاسة؛ ما يعني العودة إلى نقطة البداية».

وقال الأبلق لـ«الشرق الأوسط» إن «الأفضل كان ترك الأمر للتنسيق بين لجنة (6+6) واللجنة الاستشارية الأممية بشأن البنود الخلافية، بدلاً من ترك الأمر للمجلسين مجدداً». ولفت إلى ما «تعانيه الأزمة الليبية من تعقيد بسبب أن أبرز الوجوه التي تعتزم خوض السباق الرئاسي، سواء في شرق البلاد أو غربها، تُعدّ من القوى الفاعلة على الأرض بامتلاكها مجموعات مسلحة، وإقصاء أي طرف منهم سيغضب أنصارهم؛ ما يهدد سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها».

وبرأيه، فإن «صياغة القوانين واستبعاد العسكريين ومزدوجي الجنسية لم تأت بمعزل عن الحسابات السياسية، بل تُوظَّف عملياً لإقصاء أسماء بعينها»، وسلّط الضوء في السياق ذاته على أن تبنّي الأعلى للدولة «شرط استبعاد المطلوبين للجنائية الدولية، قد يثير غضب أنصار نجل القذافي؛ كونه المرشح الوحيد المدرج اسمه على قائمة المطلوبين لتلك المحكمة».

ودعا الأبلق إلى «القفز فوق الخلافات، وتقديم التنازلات لحلّ إشكالية شروط الترشح، بدلاً من التشبث بالمواقف، التي تُبقي وضعية الانقسام السياسي والحكومي والمؤسسي قائمةً، وتفتح الباب أمام المزيد من التدخلات الخارجية»، محذراً من أن «المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هنا تيتيه، قد تتطرق في إحاطتها المقبلة منتصف الشهر الحالي إلى هذه المواقف، بصفتها عرقلة لـ(خريطة الطريق)، وربما تقترح تجاوز دور المجلسين ومحاولة إقناع مجلس الأمن بذلك».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

من جهته، انتقد عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، علي التكبالي، تبريرات أعضاء «الأعلى للدولة» بشأن رفض ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الالتزام بالديمقراطية يعني قبول الآراء كافة، وليكن صندوق الاقتراع هو الفيصل لا الأهواء السياسية، التي تسعى لإقصاء أسماء بعينها مسبقاً».

وسبق أن ترشح كلٌّ من الدبيبة وسيف الإسلام القذافي وحفتر لخوض الانتخابات، التي كان مزمعاً إجراؤها نهاية عام 2021.

من جانبه، رأى المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، أن «تعديلات (الأعلى للدولة) تعكس استمرار الفجوة بين المجلسين، وأن ما قيل عن تقاربهما في الفترة الماضية لم يكن جدياً».

وأوضح محفوظ لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع فشل التعويل على المجلسين مجدداً للتوافق، فإن البعثة الأممية قد تلجأ إلى تفعيل خيار الحوار المهيكل، الذي تضمنته خريطة طريقها، أو قد تتدخل دولٌ مؤثرة في المشهد الليبي بشكلٍ مباشر لإعادة دفع العملية السياسية».


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وسط البحر.

«الشرق الأوسط» (بنغازي)
شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

نفى الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية الملف القضائي لعبد الله السنوسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.