تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

في أول انعقاد لسادس حكومة منذ توليه الرئاسة في 2019

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
TT

تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)

عندما سُئل الأمين العام لأكبر حزب في الجزائر، وأهم حليف سياسي للرئيس عبد المجيد تبون، عن سبب غياب أي إطار من حزبه في التشكيل الحكومي السادس المعين حديثاً، أجاب: «تشكيل الحكومة من صلاحيات رئيس الجمهورية، وفي جميع الأحوال يملك الحزب خزّاناً من الكفاءات القادرة على تقديم الإضافة للبلاد».

ويُظهر هذا الموقف، حسب مراقبين، حجم الثقة التي يوليها حلفاء الرئيس لاختياراته، رغم اعتماده على الكفاءات نفسها تقريباً للمرة السادسة منذ توليه الحكم، وتفضيله عدم إشراك السياسيين الذين يدعمونه.

رفض عبد الكريم بن مبارك الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني»، خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة الأحد، الخوض في موضوع غياب الحزب عن كل الحكومات التي شكلها تبون رغم تأييده المطلق لسياساته، وهذا منذ وصوله إلى الحكم في نهاية 2019.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» عبد الكريم بن مبارك مع الرئيس تبون (إعلام حزبي)

وحسب أطر في الحزب الأول في البرلمان والمجالس البلدية، فإن قيادته كانت تتوقع تطعيم الطاقم الجديد المعَّين في 14 من الشهر الجاري، بعناصر منه «لإثبات قدراتهم في تسيير الشأن».

وكما يبدو، فإن تبون عازف عن الاستعانة ببقية حلفائه في حكوماته المتعاقبة، ومنها أحزاب «حركة البناء الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، التي تُبدي رضاها عن هذا الأمر، رغم اعتباره غير عادي من قِبل قطاع من المراقبين.

«بيان نيات»

بعد تنصيب طاقمه الحكومي الجديد بقيادة الوزير الأول سيفي غريب الذي خلف نذير العرباوي، عرض تبون يوم الأحد، في أول انعقاد لمجلس وزراء منذ التعديل الحكومي الأخير، خريطة طريق أقرب إلى «بيان نيات سياسي» منها إلى برنامج جديد فعلي، وفق فاعلين سياسيين.

ففي الاجتماع تلقى أعضاء الجهاز التنفيذي التوجيهات المعتادة بشأن «الفعالية»، و«العمل الميداني»، و«التنسيق»؛ وهي شعارات تتكرر منذ بداية الولاية الرئاسية الأولى، بينما مر عام بالتحديد على الولاية الثانية (2024 - 2029).

وتركزت توجيهات تبون في كلمته بمجلس الوزراء على «أولوية خدمة المواطن» وعلى ضرورة اعتماد «تسيير ذكي من شأنه أن يدفع بالجزائر إلى مصاف الدول الصاعدة»؛ في خطاب سبق وأن طُرح في التعديلات الحكومية السابقة، التي جاءت بوتيرة تقارب حكومة كل عام، دون أن تُترجم تلك الوعود إلى تحولات هيكلية ملموسة، حسب مراقبين، لتسيير الشأن العام.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء يوم الأحد (الرئاسة)

وتأتي الحكومة الجديدة في ظرف اجتماعي واقتصادي صعب، يتسم بتراجع القدرة الشرائية، وسقوط مستمر لقيمة الدينار، وتطلعات قوية لدى المواطنين في مجالي التشغيل والقدرة الشرائية. ومع ذلك، لم يتضمن خطاب الرئيس أي أرقام محددة أو جدول زمني دقيق، مكتفياً بطلب «خطط قطاعية» للاجتماعات المقبلة، كما جرت العادة مع كل تشكيل حكومي جديد.

أما تأكيد تبون على الدور المحوري للوزير الأول، باعتباره حلقة الوصل أو منسق الفريق الحكومي وفق تعبيره، فيعكس رغبة في تعزيز الانسجام والانضباط داخل الجهاز التنفيذي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة في نمط الحوكمة، الذي لا يزال يواجه صعوبة في تثبيت فرق حكومية مستقرة وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وفق تقدير وزير سابق، تحدثت معه «الشرق الأوسط».

وقال الوزير السابق، طالباً عدم نشر اسمه: «يهدد تكرار التعديلات والتعليمات العامة بتحويل خريطة الطريق الرئاسية إلى مجرد قائمة نيات دون مضمون عملي أو أثر ملموس».

نمو اقتصادي وصورة متناقضة

على المستوى الاقتصادي، تُظهر بعض المؤشرات نوعاً من التحسن، لكن بشكل غير مستقر.

ففي عام 2023، حققت الجزائر نمواً اقتصادياً بلغ 4.1 في المائة. وفي الربع الأول من عام 2025، ارتفع النمو إلى 4.5 في المائة، مدفوعاً بشكل خاص بالقطاع غير النفطي الذي سجّل ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة مقابل 4.3 في المائة في الفترة نفسها من العام السابق، وفق أرقام البنك المركزي.

ورغم هذه الأرقام، يبقى معدل البطالة مرتفعاً، إذ بلغ 12.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حسب «الديوان الوطني للإحصائيات»، في حين تُشير بعض الدراسات إلى 9.7 في المائة، وهو رقم محل جدل.

أما التضخم، وبعد أن بلغ ذروته بنسبة 9.3 في المائة خلال 2022 - 2023، فقد تراجع قليلاً إلى 5.3 في المائة في 2024، ثم إلى 5.2 في المائة في 2025 حتى الآن، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

وتُبرز هذه المعطيات، حسب خبراء الاقتصاد، تناقضاً. فنمو الاقتصاد فعلي، لكنه غير محسوس لدى غالبية السكان، وسوق العمل لا تزال عاجزة عن امتصاص الطلب، خصوصاً لدى فئة الشباب.

وقال وزير من عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، رفض هو الآخر الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التحسن الظاهر في بعض المؤشرات الاقتصادية الكبرى، فإن أثره يبقى محدوداً على الواقع الاجتماعي، سواء من حيث تحسين القدرة الشرائية، أو تقليص نسب البطالة، أو معالجة التفاوت بين المناطق».

ولفت إلى أن كثرة التعديلات الوزارية «توحي بأن المسألة لا تنبع من استراتيجية مدروسة، بل من تفاعلات ظرفية مع أزمات قطاعية وضغوط شعبية».


مقالات ذات صلة

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

ترأس الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والجزائري عبد المجيد تبون الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بمشاركة وزراء من البلدين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقاء إعلامي مساء السبت (التلفزيون الجزائري)

تبون يوجه رسائل لفرنسا وتحذيرات للمعارضين في الخارج

في لقاء دوري مع وسائل الإعلام، تطرق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى موضوعات شتى، ووجَّه رسائل مبطَّنة إلى فرنسا وأخرى مباشرة، أو تكاد، إلى المعارضين بالخارج

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)

«زلزال» سياسي بالجزائر بعد فضح «فبركة» مرشحين للانتخابات

أحدثت مكالمة مسربة زلزالاً في الساحة السياسية بالجزائر خصوصاً داخل الأحزاب التي تشكل الغالبية الداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون تخص معايير اختيار المرشحين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر تؤكد رعايتها الصحية للوافدين رغم «ثقل الأعباء»

وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
TT

مصر تؤكد رعايتها الصحية للوافدين رغم «ثقل الأعباء»

وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

أكّدت مصر التزامها بتوفير الرعاية الصحية للوافدين، رغم ثقل الأعباء الاقتصادية الناتجة عن استضافة آلاف اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء.

وقال وزير الصحة، خالد عبد الغفار، إن مصر قدّمت أكثر من 351 ألف خدمة رعاية صحية أولية للاجئين والمهاجرين خلال عام 2025، وأشار خلال مشاركته في فعاليات الدورة التاسعة والسبعين لـ«جمعية الصحة العالمية» في جنيف، الخميس، إلى أن «الخدمات الصحية تُقدم للوافدين على قدم المساوة مع المواطنين المصريين».

وبحسب خبراء، فإن مصر تتيح للوافدين الاستفادة من مختلف خدمات الإقامة بالمساواة مع مواطنيها، وأكدوا أنها تستوعب أعداداً كبيرة من جنسيات مختلفة رغم الأعباء الاقتصادية التي تتحملها الموازنة العامة للدولة.

ووفق إحصائيات رسمية، تستضيف مصر نحو 10 ملايين ضيف أجنبي، يمثلون 63 جنسية مختلفة.

وأكّد وزير الصحة أن بلاده «تظل منفتحة على استضافة ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الشديدة التي تواجهها على مواردها». وقال إنها «تقدم لهم الرعاية الصحية، انطلاقاً من تقاليدها الإنسانية العريقة، وإيماناً بأن الصحة حقّ إنساني أساسي لا يرتبط بالجنسية».

وأوضح أن هناك أكثر من 925 ألف لاجئ وطالب لجوء من 63 دولة سجلتهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر حتى العام الماضي.

وأضاف أن مصر قدّمت أيضاً خدمات وقائية وعلاجية مجانية للأطفال دون الخامسة، إضافة إلى تقديم نحو 69 ألف خدمة رعاية صحية أولية في الربع الأول من 2026 فقط عبر 9 محافظات.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

وحصل أكثر من ألفي سيدة من اللاجئات والمهاجرات على خدمات تنظيم الأسرة والمشورة الطبية المجانية في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، بحسب وزير الصحة، الذي شدّد على أن بلاده «تتحمل عبئاً ثقيلاً مع ضغوط على النظام الصحي والموازنة العامة للدولة، في ظل محدودية تقاسم الأعباء الدولية».

وفي وقت سابق، قدّرت الحكومة التكلفة المباشرة لاستضافة الأجانب بأكثر من 10 مليارات دولار سنوياً.

وقال عضو مجلس النواب، فريدي البياضي، إنه «لا يوجد تقدير صحيح بحجم الإنفاق المصري على استضافة ملايين الوافدين»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة «لا تميز في المعاملة بين الوافدين عبر تخصيص معسكرات لجوء لهم، لكن تستقبل الأجانب وتتيح لهم الاستفادة من الخدمات العامة بالبلاد».

وأشار إلى أن الحكومة تدير ملف اللاجئين وفق مواد «قانون اللجوء» الذي أقره البرلمان عام 2024، والذي نظم إجراءات تقنين إقامة الأجانب والاستفادة من الخدمات العامة، مضيفاً أن هناك شريحة من الوافدين «تمتلك أعمالاً واستثمارات في مصر، وبالتالي تحقق عائداً اقتصادياً».

وأقرّ مجلس النواب نهاية عام 2024 قانون «تنظيم لجوء الأجانب»، الذي يقضي بإنشاء «لجنة دائمة» تختص بكافة شؤون اللاجئين، وتنظم حقوقهم والتزاماتهم.

جانب من مشاركة وزير الصحة المصري في فعاليات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

وبحسب عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، تصل الأعباء الاقتصادية لاستضافة أعداد كبيرة من الوافدين إلى نحو 10 في المائة من إنفاق الموازنة العامة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الأجانب يحصلون على نفس السلع المدعمة بالأسواق، ومنها الوقود المدعم والكهرباء والغاز»، موضحاً أن هذه الأعباء تدفع مصر للمطالبة بدعم مستمر من الجهات المانحة.

ويرى جاب الله أن هناك «ازدواجية» في تقدير المنظمات والجهات المانحة للوافدين بمصر، مشيراً إلى أن «الدعم الذي يقدَّم للحكومة يقتصر على المسجلين في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهو عدد لا يعبر عن العدد الحقيقي للأجانب في البلاد».

وقال وزير الصحة إن الحديث عن الأعباء التي تتحملها مصر نتيجة استضافة الأجانب ليس «شكوى»، لكنه «دعوة لشراكة دولية صادقة وفعالة تترجم إلى تمويل مستدام ومرن وعادل للدولة المستضيفة».


مصر: حجب حسابات «مسيئة» لمؤسسات الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي

مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)
مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)
TT

مصر: حجب حسابات «مسيئة» لمؤسسات الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي

مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)
مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)

قررت النيابة العامة المصرية، الخميس، حجب حسابات 12 شخصاً من منصات التواصل الاجتماعي داخل البلاد، بعد ثبوت استخدامهم تلك المنصات في نشر «محتوى مسيء» لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية تثير الفتنة بين المصريين.

وبحسب بيان صادر عن النيابة المصرية، شملت الحسابات الواردة بقرار الحجب حسابات كل من: إيدي كوهين، وهو إعلامي إسرائيلي دائم الهجوم على مصر، إلى جانب معارضين مصريين مقيمين خارج البلاد بينهم عمرو واكد، ويحيى السيد إبراهيم موسى، وسامي كمال الدين، وهيثم أبو خليل، وأسامة جاويش، وخالد السرتي، وشريف عثمان، وهشام صبري، ومحمد ناصر، وعبد الله الشريف.

وتضمن القرار حجب حسابات قائمة الأشخاص المحددة من النيابة على منصات «فيسبوك» و«يوتيوب» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» و«تلغرام» أو إيقافها، إلى جانب «منع وصول المستخدمين إليها داخل القطر المصري، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة».

وطالبت النيابة المصرية الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بموافاتها بقرار الحجب لمخاطبة المواقع المسؤولة عن إدارة المنصات.

وجاء القرار من نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال، وفق القوانين المصرية ونصوص اتفاقية الأمم المتحدة بشأن مكافحة الجريمة السيبرانية، حسب بيان النيابة العامة.

ولاقى القرار ردود فعل وانتقادات من الأسماء الوارد أسماؤهم في قرار الحجب في منشورات على حساباتهم الشخصية.

وبصدور قرار الحجب، تتخذ السلطات المصرية إجراءات لتنفيذ القرار مع إدارة منصات التواصل الاجتماعي، وفق سكرتير شعبة الاتصالات بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية تامر محمد الذي قال: «الإجراءات المتبعة في هذه الحالة تتمثل في قيام السلطات المصرية بإخطار المنصات، باعتبار أن هناك قراراً قضائياً صادراً بحجب الحسابات داخل مصر».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن القرار القضائي بحجب الحسابات «جاء من منطلق ضررها على الأمن الداخلي بمصر»، مشيراً إلى أن الإجراءات التقنية الجاري اتخاذها من إدارة المنصات تكون بعدم ظهور حسابات تلك الأشخاص داخل مصر، وليس إغلاقها بالكامل.

ووفق قرار النيابة العامة، فإن قرار الحجب جاء عقب الاطلاع على المحاضر المحررة من قبل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ورصد هذه الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث «ثبت قيامهم بنشر محتوى مسيء لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية تثير الفتنة والكراهية بين أطياف الشعب، وإذاعة معلومات مغلوطة، متجاوزين بذلك حدود الرأي والتعبير التي تجيزها تلك المنصات».


«طمأنينة مؤقتة» لم تهدئ مخاوف المصريين من ارتفاع جديد لأسعار الوقود

اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
TT

«طمأنينة مؤقتة» لم تهدئ مخاوف المصريين من ارتفاع جديد لأسعار الوقود

اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)

لم يتوقف الجدل في مصر بعد تصريحات نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، التي تطرقت إلى تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية العام المالي الحالي، أي إلى نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

وفتحت التصريحات الباب أمام تأويلات عديدة، بعضها اعتبرها بمثابة «طمأنة» ولو مؤقتة بشأن ثبات الأسعار، فيما فسرها آخرون على أنها مقدمة لزيادات جديدة مع موعد الاجتماع الدوري لـ«لجنة تسعير المواد البترولية» في يوليو (تموز).

وقال عيسى خلال مشاركته في جلسة نقاشية عقدتها «غرفة التجارة الأميركية في القاهرة»، الثلاثاء، إن «الحكومة لا تعتزم إجراء زيادات جديدة في أسعار الوقود قبل نهاية العام المالي الحالي»، معرباً عن أمله في استمرار استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن الدولة تعمل على احتواء الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، بما يحد من الحاجة إلى تحريك أسعار المنتجات البترولية مجدداً.

وأثار التصريح مخاوف مواطنين توقعوا، في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الحديث عن تثبيت الأسعار يفتح الباب أمام زيادة جديدة في غضون الأسابيع المقبلة، واعتبروا أن التصريح يحمل «رسائل مشفرة»، ولم يبدد مخاوفهم من الاتجاه نحو تحريك أسعار الوقود مرة أخرى هذا العام.

طلب إحاطة

وكانت الحكومة المصرية قد رفعت، في 10 مارس (آذار) الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرار إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول آنذاك.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر من أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة، قبل أن تندلع الحرب الإيرانية لترفع الأسعار بعد أسبوعين تقريباً من بدء النزاع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جلسة سابقة في مجلس النواب (مجلس الوزراء)

وأمام المخاوف الشعبية جراء تصريح المسؤول الحكومي، تقدم عضو مجلس النواب حسن عمار بطلب إحاطة، الخميس، موجه إلى رئيس الحكومة، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزير البترول والثروة المعدنية، مشيراً إلى «أن التصريحات رغم ما تحمله من رسائل طمأنة للمواطنين، أثارت حالة من الجدل والترقب بشأن مصير أسعار المحروقات خلال الفترة المقبلة».

وتساءل عما إذا كان استقرار الأسعار سيقتصر على الفترة حتى نهاية يونيو المقبل فقط، أم أن الحكومة تتجه لتثبيت الأسعار لفترة أطول تمتد حتى نهاية هذا العام، مشيراً إلى «أن الغموض حول مستقبل أسعار الوقود يثير مخاوف ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية».

وتساءل كذلك عن ماهية الأسباب التي لا تجعل الحكومة تتبنى سياسة تثبيت طويلة للأسعار يمكن أن تمتد لثلاث سنوات، موضحاً أن الاعتماد على «الطمأنة المؤقتة» لم يعد كافياً في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، مطالباً بضرورة تبني استراتيجية واضحة ومستدامة لإدارة ملف الطاقة والأسعار.

التقلبات العالمية

أما أمين سر لجنة الطاقة بمجلس النواب، محمد الحداد، فقال إن تثبيت أسعار الوقود في ظل وضع إقليمي مضطرب يبقى صعباً للغاية، في ظل تقلبات أسعار النفط العالمية، وهو ما ينعكس على أعباء الموازنة المصرية ويترك تأثيره المباشر على أسعار الوقود في مصر.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الكثير من دول العالم أقدمت على رفع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب، وهو إجراء أقدمت عليه مصر في مقابل ضمان توفير الاحتياجات وضمان توفر احتياطي يكفي الاستهلاك المحلي في حالات الطوارئ، وبخاصة أن الدولة ما زالت ماضية في استيراد الاحتياجات.

وتواجه الحكومة المصرية ضغوطاً متزايدة في ملف الطاقة نتيجة تقلبات أسعار النفط العالمية، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وارتفاع تكلفة تأمين احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية، حيث اضطرت لرفع مخصصات استيراد الوقود إلى 5.5 مليار دولار خلال شهري مارس وأبريل (نيسان) الماضيين، وفقاً لتقديرات حكومية.

نائب رئيس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى خلال مشاركته في ندوة الغرفة التجارية الأميركية بالقاهرة يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء)

ويرى رئيس اللجنة البرلمانية للحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» بمجلس النواب، محمود سامي، أن المؤشرات تشي بأن هناك زيادة جديدة في أسعار الوقود مع بدء السنة المالية الجديدة، مع تراجع قيمة الدعم الحكومي للمواد البترولية بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن التوجهات الحكومية تستهدف إنهاء الدعم بشكل كامل في غضون عام، وهو أمر من الممكن أن يتحقق حال استقرت الأوضاع في المنطقة وحافظ الجنيه على قيمته أمام العملات الأجنبية.

وخفضت الحكومة مخصصات دعم المواد البترولية لتصل إلى 15.8 مليار جنيه (نحو 298 مليون دولار)، مقارنة بـ75 مليار جنيه في موازنة العام المالي السابق، بانخفاض يقارب 79 في المائة، وفقاً لمشروع الموازنة الجديد الذي عرضته وزارة المالية.

وقال سامي لـ«الشرق الأوسط» إن اتجاه الحكومة نحو خفض قيمة الدعم، ومن ثم زيادة أسعار الوقود، قد لا يحقق أثراً اقتصادياً إيجابياً في المجمل «لأنها قد تضطر إلى توسيع دائرة الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً، وقد يفوق ذلك إجمالي مخصصات الدعم، إلى جانب الآثار التضخمية السلبية المترتبة على رفع أسعار الوقود».

آلية التسعير

ويقول الخبير في أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، إن مصر تعتمد على «آلية التسعير التلقائي» التي تحدد الأسعار بناء على سعر خام برنت وسعر صرف الدولار وتكلفة الإنتاج والنقل وفقاً لما كانت عليه خلال ثلاثة أشهر سابقة لموعد انعقاد اللجنة، وإن الاتجاه العام للجنة يبقى نحو الزيادة باستثناء تثبيت الأسعار مرة واحدة، متوقعاً اتخاذ قرارات زيادة جديدة مع خفض قيمة الدعم في مشروع الموازنة الجديد.

وهو يرى أن على الحكومة تغيير آليات التسعير بحيث تكون آنية وفقاً لمعادلة تعتمد بالأساس على سعر خام برنت؛ رافضاً في الوقت ذاته فكرة التثبيت لفترات طويلة.

فيما بشّر النائب الحداد المواطنين بإمكانية توقف زيادات أسعار الوقود عند ظهور آثار مسارات موازية تسلكها الدولة نحو التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتقديم تسهيلات تركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل، إلى جانب افتتاح محطة «الضبعة» النووية في عام 2028، ما سيقلل من الاعتماد على الوقود في المستقبل القريب.