تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

في أول انعقاد لسادس حكومة منذ توليه الرئاسة في 2019

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
TT

تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)

عندما سُئل الأمين العام لأكبر حزب في الجزائر، وأهم حليف سياسي للرئيس عبد المجيد تبون، عن سبب غياب أي إطار من حزبه في التشكيل الحكومي السادس المعين حديثاً، أجاب: «تشكيل الحكومة من صلاحيات رئيس الجمهورية، وفي جميع الأحوال يملك الحزب خزّاناً من الكفاءات القادرة على تقديم الإضافة للبلاد».

ويُظهر هذا الموقف، حسب مراقبين، حجم الثقة التي يوليها حلفاء الرئيس لاختياراته، رغم اعتماده على الكفاءات نفسها تقريباً للمرة السادسة منذ توليه الحكم، وتفضيله عدم إشراك السياسيين الذين يدعمونه.

رفض عبد الكريم بن مبارك الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني»، خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة الأحد، الخوض في موضوع غياب الحزب عن كل الحكومات التي شكلها تبون رغم تأييده المطلق لسياساته، وهذا منذ وصوله إلى الحكم في نهاية 2019.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» عبد الكريم بن مبارك مع الرئيس تبون (إعلام حزبي)

وحسب أطر في الحزب الأول في البرلمان والمجالس البلدية، فإن قيادته كانت تتوقع تطعيم الطاقم الجديد المعَّين في 14 من الشهر الجاري، بعناصر منه «لإثبات قدراتهم في تسيير الشأن».

وكما يبدو، فإن تبون عازف عن الاستعانة ببقية حلفائه في حكوماته المتعاقبة، ومنها أحزاب «حركة البناء الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، التي تُبدي رضاها عن هذا الأمر، رغم اعتباره غير عادي من قِبل قطاع من المراقبين.

«بيان نيات»

بعد تنصيب طاقمه الحكومي الجديد بقيادة الوزير الأول سيفي غريب الذي خلف نذير العرباوي، عرض تبون يوم الأحد، في أول انعقاد لمجلس وزراء منذ التعديل الحكومي الأخير، خريطة طريق أقرب إلى «بيان نيات سياسي» منها إلى برنامج جديد فعلي، وفق فاعلين سياسيين.

ففي الاجتماع تلقى أعضاء الجهاز التنفيذي التوجيهات المعتادة بشأن «الفعالية»، و«العمل الميداني»، و«التنسيق»؛ وهي شعارات تتكرر منذ بداية الولاية الرئاسية الأولى، بينما مر عام بالتحديد على الولاية الثانية (2024 - 2029).

وتركزت توجيهات تبون في كلمته بمجلس الوزراء على «أولوية خدمة المواطن» وعلى ضرورة اعتماد «تسيير ذكي من شأنه أن يدفع بالجزائر إلى مصاف الدول الصاعدة»؛ في خطاب سبق وأن طُرح في التعديلات الحكومية السابقة، التي جاءت بوتيرة تقارب حكومة كل عام، دون أن تُترجم تلك الوعود إلى تحولات هيكلية ملموسة، حسب مراقبين، لتسيير الشأن العام.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء يوم الأحد (الرئاسة)

وتأتي الحكومة الجديدة في ظرف اجتماعي واقتصادي صعب، يتسم بتراجع القدرة الشرائية، وسقوط مستمر لقيمة الدينار، وتطلعات قوية لدى المواطنين في مجالي التشغيل والقدرة الشرائية. ومع ذلك، لم يتضمن خطاب الرئيس أي أرقام محددة أو جدول زمني دقيق، مكتفياً بطلب «خطط قطاعية» للاجتماعات المقبلة، كما جرت العادة مع كل تشكيل حكومي جديد.

أما تأكيد تبون على الدور المحوري للوزير الأول، باعتباره حلقة الوصل أو منسق الفريق الحكومي وفق تعبيره، فيعكس رغبة في تعزيز الانسجام والانضباط داخل الجهاز التنفيذي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة في نمط الحوكمة، الذي لا يزال يواجه صعوبة في تثبيت فرق حكومية مستقرة وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وفق تقدير وزير سابق، تحدثت معه «الشرق الأوسط».

وقال الوزير السابق، طالباً عدم نشر اسمه: «يهدد تكرار التعديلات والتعليمات العامة بتحويل خريطة الطريق الرئاسية إلى مجرد قائمة نيات دون مضمون عملي أو أثر ملموس».

نمو اقتصادي وصورة متناقضة

على المستوى الاقتصادي، تُظهر بعض المؤشرات نوعاً من التحسن، لكن بشكل غير مستقر.

ففي عام 2023، حققت الجزائر نمواً اقتصادياً بلغ 4.1 في المائة. وفي الربع الأول من عام 2025، ارتفع النمو إلى 4.5 في المائة، مدفوعاً بشكل خاص بالقطاع غير النفطي الذي سجّل ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة مقابل 4.3 في المائة في الفترة نفسها من العام السابق، وفق أرقام البنك المركزي.

ورغم هذه الأرقام، يبقى معدل البطالة مرتفعاً، إذ بلغ 12.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حسب «الديوان الوطني للإحصائيات»، في حين تُشير بعض الدراسات إلى 9.7 في المائة، وهو رقم محل جدل.

أما التضخم، وبعد أن بلغ ذروته بنسبة 9.3 في المائة خلال 2022 - 2023، فقد تراجع قليلاً إلى 5.3 في المائة في 2024، ثم إلى 5.2 في المائة في 2025 حتى الآن، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

وتُبرز هذه المعطيات، حسب خبراء الاقتصاد، تناقضاً. فنمو الاقتصاد فعلي، لكنه غير محسوس لدى غالبية السكان، وسوق العمل لا تزال عاجزة عن امتصاص الطلب، خصوصاً لدى فئة الشباب.

وقال وزير من عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، رفض هو الآخر الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التحسن الظاهر في بعض المؤشرات الاقتصادية الكبرى، فإن أثره يبقى محدوداً على الواقع الاجتماعي، سواء من حيث تحسين القدرة الشرائية، أو تقليص نسب البطالة، أو معالجة التفاوت بين المناطق».

ولفت إلى أن كثرة التعديلات الوزارية «توحي بأن المسألة لا تنبع من استراتيجية مدروسة، بل من تفاعلات ظرفية مع أزمات قطاعية وضغوط شعبية».


مقالات ذات صلة

تصريحات الرئيس الجزائري حول «أمن تونس» تُشعل جدلاً بين نخب البلدين

شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والتونسي (الرئاسة الجزائرية)

تصريحات الرئيس الجزائري حول «أمن تونس» تُشعل جدلاً بين نخب البلدين

أثارت تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حول تهديدات محتملة ضد تونس عبر الإرهاب، سجالاً حاداً بين نخب سياسية من البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقاء إعلامي (التلفزيون الجزائري)

رئيس الجزائر: تعيين الوزراء يكون على أساس الكفاءة وليس الانتماء

اعتبر أن الحكم على نسبة المشاركة من قبل المحللين السياسيين «ينبغي أن يشمل كافة الجوانب وليس فقط ضعف الخطاب السياسي».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة الدول السبع الكبرى في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

الرئيس الجزائري يحسم جدلاً محتدماً حول التأشيرات مع فرنسا

أكَّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه «لم يطلب قط حصصاً للتأشيرات» من فرنسا، في رد مباشر وصريح على جدل فرنسي حول مشروع لمنح ربع مليون تأشيرة للجزائيين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس الحكومة الإسبانية يوم الاثنين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر: زيارة رئيس وزراء إسبانيا محطة مفصلية تعيد رسم العلاقات الثنائية

بحث رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارة رسمية للجزائر، الاثنين، في ملفات اقتصادية مهمة يُرتقب أن تُتوج مسار إعادة الدفء للعلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع كبار المسؤولين خلال ذكرى الاستقلال (الرئاسة)

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة «أعداء وخصوم» الجزائر الذين ينكرون ما تحقق من مشاريع خدمية مهمة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.


تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
TT

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا، بعدما أُعلن عن مساعدة السلطات في شرق البلاد، الخاضعة لسيطرة قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، في تأمين إطلاق سراحه، وسط تضارب حول طبيعة الدور الذي لعبته قواته.

وتباينت الروايات التي نقلتها وكالة «رويترز» بشأن الدور الليبي في العملية، لتتحول القضية سريعاً إلى سجال بين مؤيدي حفتر ومعارضيه، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد بين شرق البلاد وغربها.

وتمسك معسكر المؤيدين للجيش الوطني برواية «رويترز»، التي نقلت عن مصدر عسكري، أن «قوة نخبة من الجيش الوطني نفذت مداهمة داخل الأراضي المالية، قبل نقل رايدوت جواً إلى بنغازي».

ورغم أن الوكالة لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تفاصيل الرواية، فإن الإعلام الموالي للقيادة العامة ركز عليها، باعتبارها مؤشراً على قدرة قوات حفتر على تنفيذ عمليات تتجاوز الحدود الليبية.

وقال الناشط السياسي عمر بوسعيدة، المقرب من القيادة العامة، إن الإفراج عن الرهينة يجعل المواطن الليبي «يفتخر بجيشه»، في تعبير عن الاحتفاء بالرواية التي نسبت العملية إلى قوات حفتر.

القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

في المقابل، تمسكت أوساط معارضة للجيش الوطني بروايات أخرى، نقلتها «رويترز»، بينها أن الجهود الأخيرة لتأمين الإفراج عن رايدوت قادها شريف ولد طاهر، وهو رجل أعمال مالي من أصول عربية، تربطه صلات بجماعات مسلحة وشبكات تهريب في المنطقة. وقالت إحدى الروايات إن «الجانب الليبي دفع فدية مقابل إطلاق سراحه، بينما لم يتضح ما إذا كان قد جرى تبادل أموال، أو أي مقابل آخر».

وشكك الناشط فيصل الشريف، أحد معارضي القيادة العامة، في رواية تدخل قوات خاصة تابعة لحفتر، مستبعداً أن تكون قوة ليبية «تخطت النيجر وحررت رهينة أميركياً في مالي». وهكذا لم تعد قضية رايدوت مجرد عملية لتحرير رهينة، بل تحولت إلى اختبار لروايات متنافسة حول مدى نفوذ حفتر وقدرته على التحرك خارج الحدود.

وبينما تصاعد السجال، التزمت المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا الحذر. وامتنع مسؤول عسكري بارز في الجيش الوطني عن التعليق لـ«الشرق الأوسط» على قضية الإفراج عن المبشر الأميركي، متحفظاً على الخوض في ملابساتها.

وقد يكون هذا الصمت من جانب «الجيش الوطني» مقصوداً أكثر مما يبدو، وفق محللين، رأوا أنه إذا كانت العملية تفاوضية، فإن كشف تفاصيلها قد يضر بشبكات الوساطة، التي أتاحت الوصول إلى الخاطفين. أما إذا كانت عسكرية بالفعل، فإن تأكيد تنفيذ قوة ليبية عملية داخل الأراضي المالية يفتح أسئلة سياسية وقانونية وعسكرية، تتجاوز قضية الرهينة نفسها.

وينظر إلى أهمية القضية بالنسبة إلى حفتر في علاقته بواشنطن. فهو يسعى منذ سنوات إلى تقديم قواته باعتبارها شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وقد أصبح، بحسب رواية «رويترز»، طرفاً في تحرير مواطن أميركي، كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب تعدُّ استعادته أولوية أمنية.

وإذا تأكد الدور العسكري، فإن العملية ستعني، حسب مراقبين، أن القدرات الأمنية والعسكرية وشبكات العلاقات، التي بناها حفتر في جنوب ليبيا ومنطقة الساحل، تجاوزت نطاق الصراع الليبي الداخلي إلى ملف ذي صلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي. أما إذا كان الإفراج قد تم عبر وسطاء، فإن ذلك يكشف بدوره عن شبكة علاقات غير رسمية، يمكن أن تمنح حفتر نفوذاً يتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية.

وفي الحالتين، يرى مراقبون أن طريقة تحرير الرهينة تبدو أكثر حساسية من النتيجة نفسها. فعملية عسكرية داخل دولة أخرى تحمل دلالات قانونية وسياسية مختلفة تماماً عن اتفاق جرى عبر وسطاء محليين، كما أن كشف تفاصيل أي مسار تفاوضي قد يضر بقنوات الاتصال، التي أدت إلى إطلاق سراحه.

وكان رايدوت قد اختُطف في النيجر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في أثناء توجهه إلى مطار نيامي، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة».

وسبق أن وضعت إدارة ترمب استعادته بين أولوياتها في منطقة الساحل، واتخذت واشنطن خطوات لتسهيل عمليات البحث عنه، من بينها رفع عقوبات عن مسؤولين ماليين كبار، بهدف تأمين مرور الطائرات الأميركية في المجال الجوي المالي.

ولم تؤكد الولايات المتحدة دور حفتر في العملية، واكتفى ترمب بالإعراب عن تطلعه إلى الترحيب بعودة رايدوت إلى بلاده، بينما امتنعت وزارة الخارجية الأميركية عن التعليق، ولم يرد «البيت الأبيض» على طلب للتعليق بشأن مشاركة قوات حفتر، وفق ما أوردت «رويترز».

ولم يكن رايدوت مجرد مواطن أميركي وقع ضحية اختطاف عابر؛ فقد عاش في النيجر قرابة عقدين مع أسرته، وعمل طياراً لدى منظمة إنجيلية، ونقل فرقاً تبشيرية بين نيامي ومناطق أخرى، كما شارك مع زوجته في مشروعات إنسانية، شملت حفر الآبار وتوفير المياه، ومساعدة اللاجئين وبرامج محو الأمية.

وخطف ثلاثة مسلحين رايدوت من خارج منزله في نيامي، واقتادوه باتجاه منطقة تيلابيري غرب البلاد، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، ووقع في أيدي جماعة مرتبطة بـ«داعش».