«مسجد باريس» يستنكر التحريض ضد المسلمين ومعاداة لغتهم

يواجه حملة شديدة بسبب تمويله الجزائري ودور مزعوم في التوترات بين البلدين

مسجد باريس الكبير (صفحة المسجد على فيسبوك)
مسجد باريس الكبير (صفحة المسجد على فيسبوك)
TT

«مسجد باريس» يستنكر التحريض ضد المسلمين ومعاداة لغتهم

مسجد باريس الكبير (صفحة المسجد على فيسبوك)
مسجد باريس الكبير (صفحة المسجد على فيسبوك)

بينما يواجه «مسجد باريس الكبير» اتهاماً في فرنسا بأنه «تحوّل إلى نقطة توتر في العلاقات مع الجزائر»، خصوصاً عندما تُثار مسألة تمويله من الحكومة الجزائرية بشكل مباشر، طالب عميده شمس الدين حفيظ من «الحكومة الفرنسية التصدي لخطاب التطرف والكراهية الذي يواجهه مسلمو فرنسا».

وأدانت المؤسسة الدينية الإسلامية الأبرز في فرنسا، في بيان وقعه مسؤولها الأول المحامي مزدوج الجنسية شمس الدين حفيظ، بأشد العبارات تصريحات في وسائل الإعلام الفرنسية وصفت اللغة العربية بأنها «لغة المسلمين بل وحتى لغة إسلامية متطرفة».

وأكد البيان أن «هذه التصريحات خطيرة للغاية، فهي تختزل عالماً ثقافياً ولغوياً كاملاً في تهديدٍ مزعوم. هذا النوع من الخلط يُرسّخ في الرأي العام فكرة خاطئة وخطيرة مفادها بأن كل ما يتعلق بالإسلام يشكل مشكلة أمنية».

وكانت قناة «بي إف إم تي في» التلفزيونية المحسوبة على اليمين المتطرف، نظمت الاثنين الماضي، نقاشاً حول المسلمين في فرنسا و«مشكلة اللغة والاندماج في المجتمع الفرنسي وعدم احترام قوانين الجمهورية من طرف الأجانب»، وهو ما أثار حفيظة «مسجد باريس الكبير»، الذي أشار إلى أن «رهاب الإسلام، أو ما يعرف بالإسلاموفوبيا، بات أمراً عادياً، وسينتهي الأمر بأن تطال هذه الكراهية جميع الفرنسيين المسلمين، بمن فيهم غير الممارسين للشعائر الدينية».

جانب من باحة مسجد باريس (فليكر)

ووفق البيان ذاته، أظهرت دراسة أجراها المسجد بالتعاون مع «المعهد الفرنسي للرأي العام» أن 66 في المائة من الفرنسيين المسلمين صرحوا بأنهم تعرضوا لسلوك عنصري خلال السنوات الخمس الماضية، مقابل 20 في المائة فقط من عموم السكان. هذا الفارق، حسب شمس الدين حفيظ، «مثبت بأرقام لا يمكن إنكارها، وهو يكشف عن واقع غير مقبول: هؤلاء المواطنون يتعرضون للتمييز بمعدل ثلاث مرات أكثر من غيرهم من أبناء وطنهم من أتباع ديانات أخرى»، مبرزاً أن «سماع مثل هذه التصريحات على قناة وطنية، في ظل الارتفاع الحاد في الأعمال المعادية للمسلمين، يُعد إشارة سلبية للغاية. فبدلاً من أن تسهم وسائل الإعلام في التنوير، تصبح وسيلة لنشر الكراهية، ما يُعد خطأ مهنياً وأخلاقياً فادحاً».

الرئيس الجزائري مستقبلاً عميد مسجد باريس بقصر الرئاسة في 10 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

وأعلن حفيظ في بيانه رفع بلاغ إلى «الهيئة العليا لتنظيم الإعلام السمعي البصري والرقمي في فرنسا»، المعروفة اختصاراً بـ«أركوم»، «لضمان عدم مرور هذا الانحراف دون عواقب». مؤكداً أن حرية التعبير «تحمي حق انتقاد الأديان، لكنها لا تبرر أبداً استهداف أو إهانة أو التمييز ضد الأشخاص بسبب عقيدتهم. هذا الخط الأحمر تم تجاوزه مرة أخرى، في تجاهل صارخ لكرامة ملايين المواطنين الفرنسيين».

وتابع أن «مكافحة رُهاب الإسلام ليست مطلباً طائفياً، ولا نقاشاً سياسياً حزبياً، بل هي واجب جمهوري. وعلى الجمهورية أن تتحمل مسؤوليتها في حماية جميع أبنائها من الفرنسيين المسلمين، بمن فيهم غير الممارسين، من الوصم الإعلامي والسياسي الذي يستهدفهم».

والمعروف أن «مسجد باريس الكبير» تابع للجزائر من ناحية تمويله (له موازنة بمليوني يورو سنوياً)، لكن تسييره الإداري يتم وفق القوانين الفرنسية. كما أن رئاسته وأغلب مسؤوليه تختارهم الجزائر، وفي الغالب يتحدرون منها.

ومنذ اندلاع الأزمة السياسية بين فرنسا والجزائر في صيف 2024، أصبح المسجد هدفاً لهجومٍ حادٍّ من سياسيين ووسائل إعلام فرنسية، لا سيما من قناتي «بي إف إم تي في» و«سي نيوز».

رموز اليمين الفرنسي المتطرف يتهجمون على مسجد باريس منذ اندلاع التوترات مع الجزائر (متداولة)

وتستند هذه الهجمات إلى اتهامات مفادها بأن الجزائر «توظف المسجد في صراعها مع باريس»، وذلك على خلفية تصريحات أطلقها شمس الدين حفيظ في وسائل الإعلام، إضافة إلى بيانات تحدّثت عن «تضرّر المهاجرين الجزائريين من هذه الأزمة».

وتعود جذور هذه الأزمة إلى اعتراف فرنسا بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء، ما أدى إلى تفجّر الخلاف بين البلدين، وتطور لاحقاً إلى سحب الجزائر لسفيرها من باريس، ثم تبادل طرد الدبلوماسيين بين الجانبين.

ووصف سفير فرنسا السابق في الجزائر كزافييه دريانكور، في مقال نشره حديثاً في صحيفة «لوفيغارو»، عميد الجامع بأنه «يعمل وكأنه سفير غير رسمي للجزائر». وفي مقالات أخرى ربط تمويل الجامع وأصول الشيخ بهذا التصور. بالإضافة إلى ذلك، شهد «إفطار السفراء» السنوي الذي نظمه المسجد في رمضان الماضي مقاطعة وزير الداخلية الفرنسي، على غير العادة، بسبب العلاقات المباشرة بين الجامع والحكومة الجزائرية.

الدبلوماسي الفرنسي كزافييه دريانكور في نشاط بالجزائر حيث كان سفيراً بين 2017 و2020 (متداولة)

ووجهت انتقادات لحفيظ بعدم مناشدته الإفراج عن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال المسجون في الجزائر منذ 10 أشهر، والذي يعد حلقة بارزة في التوترات بين البلدين.

وفي بداية 2025 وجه النائب الفرنسي بالبرلمان الأوروبي، فرنسوا كزافييه بيلّامي سؤالاً مكتوباً إلى المفوضية الأوروبية، محذراً فيه من احتكار «مسجد باريس الكبير» لمنح شهادات «حلال» للمنتجات المصدّرة نحو الجزائر، مشيراً إلى أن هذه الأنشطة «تدرّ أرباحاً كبيرة وقد تُستخدم أداة نفوذ سياسي»، مؤكداً أن «هذا التمويل قد يشكل تهديداً أمنياً مقلقاً في ظل التوترات السياسية بين فرنسا والجزائر».

من جانبها، نفت إدارة الجامع ورئيسه هذه الاتهامات، ووصفاها بالتشهير، واستنكرا «حملة إعلامية» ضده، وشددا على «شفافية التمويلات المتعلقة بشهادات الحلال، واستخدامها في تمويل الشعائر الدينية».

ورفض حفيظ توصيف الجامع بأنه يلعب دوراً سياسياً أو دبلوماسياً، مشيراً في مقابلة تلفزيونية إلى أن الجامع «ليس سفارة بديلة، بل مؤسسة دينية تمثل جزءاً من الإسلام في فرنسا».


مقالات ذات صلة

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

يزور وفد من منظمة أرباب العمل الفرنسية، الجزائر، الخميس، بقيادة رئيسها باتريك مارتن، وبمشاركة نحو 40 من كبار رؤساء الشركات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب كمال داود (أ.ب)

الجزائر: السجن الغيابي 3 سنوات بحق الكاتب كمال داود

أدانت محكمة جزائرية الكاتب كمال داود، المقيم في فرنسا، بالسجن غيابياً ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق علي عون (الوزارة)

الجزائر: السجن لوزير الصناعة السابق وابنه في ملف «الحديد والخردوات»

اتخذت الملاحقات منحى تصاعدياً لم يتوقف عند حدود محاسبة رموز الحقبة السابقة؛ بل امتدت لتطول مسؤولين بارزين وهم في قمة هرم السلطة الحالي...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.