ليبيا: تصاعد حدة التوتر في طرابلس عقب تحشيدات مسلحة

تباين بين «النواب» و«الدولة» حول إحاطة المبعوثة الأممية

دوريات أمنية في طرابلس (داخلية الوحدة)
دوريات أمنية في طرابلس (داخلية الوحدة)
TT

ليبيا: تصاعد حدة التوتر في طرابلس عقب تحشيدات مسلحة

دوريات أمنية في طرابلس (داخلية الوحدة)
دوريات أمنية في طرابلس (داخلية الوحدة)

تزامناً مع انطلاق عملية الاقتراع المؤجلة من المرحلة الثانية لانتخابات المجالس البلدية في ليبيا، اليوم السبت، تصاعدت حدة التوتر الأمني في العاصمة طرابلس، رغم تأكيد وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة استمرار خطتها المشتركة لتأمين طرابلس، ومنع انزلاقها إلى مواجهة جديدة، وسط تباين بين مجلسي «الأعلى للدولة» و«النواب» حول إحاطة المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي.

وشهدت العاصمة طرابلس، منذ مساء الجمعة، حالة من التوتر الأمني، عقب تحشيد آليات مسلحة تابعة لجهاز الأمن العام في منطقة السراج غرب المدينة، حيث تمركزت وحدات أمنية في شارعي الثلاجات والبغدادي، إثر خلاف نشب على خلفية استيلاء مجموعة مسلحة من مدينة الزاوية على سيارة مصفحة تابعة للجهاز، حسب ما أكد شهود عيان، ووسائل إعلام محلية.

ونفى مصدر في كتيبة «رحبة الدروع» أن يكون الاستعراض العسكري، الذي قامت به مجموعته «احتفالاً بذكرى التحرير» موجّهاً ضد أي طرف، وأكد أن ما يُتداول حول استهداف جهاز الردع «عارٍ عن الصحة». وقال موضحاً: «نرفض أي محاولة تجر العاصمة عامة، ومناطقنا خاصة، إلى حرب جديدة»، داعياً إلى تفويت الفرصة على من وصفهم بـ«المتربصين الذين يحصون أيامهم الأخيرة».

من جانبها، أكدت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» استمرار تنفيذ الخطة الأمنية المشتركة، الصادرة عن مديرية أمن طرابلس، عبر تكثيف انتشار الدوريات والتمركزات الأمنية في مختلف الشوارع والميادين، بالتنسيق بين الوحدات والإدارات المختصة. وأوضحت الوزارة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار «فرض الأمن والاستقرار، وضمان سلامة المواطنين، وحماية الممتلكات العامة والخاصة»، مؤكدة جاهزية أجهزتها لمواجهة أي تهديد أمني، والحيلولة دون انزلاق العاصمة إلى مواجهات جديدة.

السايح يتفقد مكاتب الاقتراع في البلديات المؤجلة (مفوضية الانتخابات)

في غضون ذلك، زار رئيس «المفوضية العليا للانتخابات»، عماد السايح، مكتب الإدارة الانتخابية الزاوية، وعدداً من مراكز الاقتراع رفقة عدد من المسؤولين الأمنيين. وشملت الزيارة مكاتب ومراكز الاقتراع في 7 بلديات، تضم 118 مركزاً انتخابياً، وتقع في منطقة الساحل الغربي للبلاد، التي انطلقت بها عملية الاقتراع بعد تأجيلها الأسبوع الماضي، جراء الاعتداء الذي تعرض له مكتب الزاوية أخيراً.

وأكد السايح حرص «المفوضية» على ضمان حقوق الناخبين والمرشحين، وتجسيد التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، بعيداً عن العنف والاعتداءات، مشيداً بجهود موظفي المفوضية والأهالي والأعيان في تذليل الصعاب، ودعم هذا الاستحقاق الوطني.

وكان السايح قد أعلن خلال مؤتمر صحافي، السبت، بحضور ممثلين عن بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من البعثات الدبلوماسية، النتائج الأولية للمرحلة الثانية من انتخابات المجالس البلدية (المجموعة الثانية)، وأكد استئناف عملية الاقتراع في البلديات، التي تأجلت فيها بسبب الاعتداءات، استجابة لمطالبات المواطنين بحقهم في التعبير الديمقراطي. وأوضح أن إجمالي عدد المقترعين في 26 بلدية بلغ أكثر من 165 ألف ناخب، من أصل 228 ألف مسجلين، وذلك بنسبة مشاركة بلغت 72.4 في المائة، واصفاً ذلك بأنه «مؤشر إيجابي على رغبة الليبيين في اختيار ممثليهم محلياً».

مفوضية الانتخابات تعلن نتائج المرحلة الثانية من اقتراع البلديات (المفوضية)

وبعدما طالب بضرورة استشارة المفوضية في التفاصيل الفنية، التي ستتضمنها التعديلات المستهدفة للقوانين الانتخابية بشأن انتخاب مجلس الأمة ورئيس الدولة، دعا السايح مجلس النواب للاضطلاع بدوره في معالجة قصور التشريعات، ذات العلاقة بتنظيم الإدارة المحلية، لافتاً إلى عدم قدرة القانون 59 لعام 2012 المتعلق بالإدارة المحلية على مواكبة النتائج، التي تسبب فيها إسهاب الحكومات المتعاقبة في إصدار القرارات المنشئة للبلديات، دون أي قيود أو معايير.

وندد السايح بالهجمات التي استهدفت مكاتب المفوضية في الزاوية وزليتن والساحل الغربي، معتبراً أنها كشفت عن «الوجه الحقيقي لقوى الفساد والغدر»، مؤكداً أن هذه الأفعال لن تثني المفوضية عن أداء رسالتها الوطنية. ودعا الحكومة لمراجعة قرارات إيقاف العملية الانتخابية في بعض البلديات، وتمكين المفوضية من استكمال مهامها، كما أثنى السايح على إشادة رئيسة بعثة للأمم المتحدة بنجاح انتخابات المجالس البلدية، مؤكداً استعداد المفوضية الكامل للاستحقاقات الرئاسية والنيابية المقبلة، وموجهاً الشكر للمؤسسات الأمنية والإعلامية، والمجتمع المدني على مساهماتهم في إنجاح العملية الانتخابية.

من اجتماع سابق لأعضاء المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

من جهة أخرى، أعرب المجلس الأعلى للدولة، برئاسة محمد تكالة، عن استغرابه لما ورد في إحاطة تيتيه لمجلس الأمن الدولي أخيراً، معتبراً أن ما تضمنته يتناقض مع مساعي الاستقرار، والدفع بالعملية السياسية في البلاد. وأكد بيان للمجلس، مساء الجمعة، أهمية احترام «خريطة الطريق» المتفق عليها، مشدداً على ضرورة التزام المجتمع الدولي بدعم المسار الانتخابي، والوصول إلى الاستحقاقات الوطنية، التي يتطلع إليها الشعب الليبي بكل مكوناته.

وجدد المجلس تمسكه بمسؤولياته الوطنية، ودوره في إنجاح العملية السياسية، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار والسلام في ليبيا، لافتاً إلى أن ما ورد في الإحاطة لا يعكس حقيقة الوضع على الأرض، ولا الجهود المبذولة داخلياً لتقريب وجهات النظر. ودعا جميع القوى الوطنية والسياسية والشبابية إلى تغليب مصلحة البلاد العليا، والابتعاد عن خطاب الفُرقة والخلافات، بما يضمن العبور نحو ليبيا آمنة مستقرة.

في المقابل، رحب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، مصباح دومة، بما جاء في إحاطة تيتيه بشكل عام، وقال فى تصريح مقتضب إنه رغم مما وصفه بـ«الضبابية وعدم الوضوح»، خصوصاً فيما يتعلق بالمسار السياسي، وعدم وجود خطة زمنية، «سنعلق الآمال والأماني عليها، وننتظر 22 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل»، على حد قوله.

بدورها، أعلنت بريطانيا في بيان لوزارة خارجيتها، مساء الجمعة، عن ترحيبها بخريطة الطريق، التي أعلنت عنها تيتيه لإحراز تقدم في العملية السياسية في ليبيا.


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».