«سلام» الكونغو ورواندا... رهانات دولية على الاتفاق وسط مخاوف من عراقيل

واشنطن استضافت أول اجتماع تنفيذي بحضور قطري - أفريقي

أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)
أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)
TT

«سلام» الكونغو ورواندا... رهانات دولية على الاتفاق وسط مخاوف من عراقيل

أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)
أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

عادت الكونغو الديمقراطية ورواندا لطاولة المحادثات مجدداً لتعزيز اتفاق سلام توصل إليه البلدان الأفريقيان قبل نحو شهر برعاية أميركية، وسط مخاوف من تعثر يعيد الصراع الممتد منذ عقود إلى الواجهة مرة أخرى.

واحتضنت واشنطن أول اجتماع بحضور قطري - أفريقي لبحث تنفيذ اتفاق السلام الذي وقع في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما يراه خبير في الشؤون الأفريقية ضمن الجهود الدولية، لا سيما من الولايات المتحدة، لطي صفحة النزاع المعقد رغم المخاوف التي لا تزال قائمة لأسباب منها «تشابك المصالح الإقليمية والدولية، ووجود جماعات مسلحة مدعومة من أطراف خارجية لم تدخل ضمن الحوار».

وأفادت قطر التي تلعب دور وساطة في تلك المحادثات بأن ممثلين عن الكونغو الديمقراطية ورواندا بمشاركة مراقبين من الولايات المتحدة وقطر وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، عقدوا الخميس «الاجتماع الأول للجنة الإشراف المشتركة لاتفاق السلام بين البلدين، الذي تم توقيعه في العاصمة واشنطن في 27 يونيو الماضي، وبحث التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاق»، حسب بيان لـ«الخارجية القطرية»، الجمعة.

ووفقاً للاتفاق، تعهد البلدان الأفريقيان بتنفيذ اتفاق عام 2024 الذي ينص على انسحاب القوات الرواندية من شرق الكونغو في غضون 90 يوماً، وأن يشكل البلدان آليةً مشتركةً للتنسيق الأمني في غضون 30 يوماً، بجانب تنفيذ خطة اتُفق عليها العام الماضي لمراقبة انسحاب الجنود الروانديين، والتحقق من الأمر في غضون ثلاثة أشهر، وفق ما نقلته «رويترز»، الجمعة.

المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن هناك رهانات دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة، على تنفيذ اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، وهذا يعكس إدراكاً متزايداً لحجم التهديد الذي يمثله استمرار النزاع في منطقة البحيرات الكبرى على الأمن الإقليمي والدولي. وأضاف: «لكن نجاح هذا الاتفاق ليس مضموناً، رغم الزخم السياسي والدبلوماسي المحيط به، فتاريخ المنطقة حافل بمحاولات سابقة للسلام لم تُفضِ إلى نتائج دائمة، بسبب تعقّد المشهد الميداني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، والاتهامات المتبادلة، ووجود جماعات مسلحة مدعومة من أطراف خارجية، وضعف الثقة بين الحكومات».

وأكد عيسى لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك العراقيل «تجعل أي اتفاق هشّاً ما لم يُدعّم بخطوات تنفيذية حقيقية وآليات رقابة صارمة»، لافتاً إلى أن «الولايات المتحدة، ومعها شركاء دوليون وإقليميون مثل قطر والاتحاد الأفريقي، قد تملك أدوات الضغط والتأثير، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الواقع على الأرض، خصوصاً في ظل غياب سلطة مركزية قوية في المناطق المتنازع عليها في الكونغو، واستمرار الدعم الخفي لبعض الجماعات المسلحة».

وشدد المحلل السياسي التشادي على أن «النجاح يظل ممكناً، لكنه مرهون بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات حقيقية، وبتوافر بيئة إقليمية مساندة، وبوجود التزام طويل الأمد من المجتمع الدولي يتجاوز البيانات الدبلوماسية، إلى خطوات عملية تشمل الدعم الاقتصادي، وتعزيز قدرات الدولة، ومحاسبة من يعطلون عملية السلام»، مستدركاً: «من دون ذلك، قد يصبح الاتفاق مجرد محطة أخرى في سلسلة مبادرات لا تكتمل».

عنصر من حركة «23 مارس» المسلحة يسير إلى جانب السكان في أحد شوارع غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

وأواخر يونيو (حزيران) الماضي، وقعت كيغالي وكينشاسا، اتفاق سلام، في واشنطن، ينص على إنشاء هيئة تنسيق أمني مشتركة لرصد التقدم، وتعهدتا فيه بوقف الدعم للمتمردين بالبلدين، لا سيما «القوات الديمقراطية لتحرير رواندا»، وحركة «23 مارس» التي حققت تقدماً سريعاً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، واستولت على بلدات رئيسية وأراضٍ شاسعة في اشتباكات أسفرت عن مقتل الآلاف.

واستكمالاً لهذا الاتفاق، رعت الخارجية القطرية في 19 يوليو (تموز) الماضي، إعلان مبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«تحالف نهر الكونغو - حركة 23 مارس» بعد جهود امتدت لأشهر قليلة، حسب بيان قطري.

كما سيتم توقيع اتفاق سلام نهائي بين الجانبين في موعد أقصاه 18 أغسطس (آب) الحالي، مع شرط أن يتوافق مع اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية في يونيو الماضي، وفقاً لنسخة من الإعلان أوردتها وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

ويستشري العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالموارد والواقعة على الحدود مع رواندا، منذ ثلاثة عقود، وقد تجدد منذ شن متمرّدي الحركة هجوماً نهاية 2021، وتلاه طرح أكثر من 10 اتفاقات هدنة في منطقة شرق الكونغو الديمقراطية، لكن كلّ المحاولات الدبلوماسية لإنهاء النزاع باءت بالفشل.

وفي ضوء ذلك، يرى عيسى أنه «رغم الإصرار الدولي الواضح على تأمين تنفيذ الاتفاق بين الكونغو ورواندا، فإن المخاوف من عراقيل جدية تظل قائمة بقوة، فالتجربة التاريخية في المنطقة أظهرت أن التعهدات السياسية غالباً ما تصطدم بواقع ميداني معقّد تتحكم فيه قوى محلية ومصالح متشابكة، تتجاوز أحياناً قدرة الحكومات المركزية على ضبطها».

ويعتقد أنه «من أبرز العراقيل المحتملة استمرار وجود الجماعات المسلحة، وعلى رأسها (23 مارس) التي تُتهم رواندا بدعمها، مقابل اتهامات متبادلة من كيغالي بوجود تحركات عدائية من أراضٍ كونغولية»، مؤكداً أن «هذا التوتر الأمني المزمن يجعل من الصعب بناء بيئة ثقة، حتى مع وجود مراقبة دولية أو دعم من وسطاء خارجيين».

ولفت إلى أن «انعقاد هذا الاجتماع بعد التوصّل إلى اتفاق بين الكونغو وحركة (23 مارس) المدعومة من رواندا يُعدّ خطوة لافتة في سياق النزاع، لكنه لا يعني بالضرورة أننا أمام مسار سلام شامل بالمعنى الكامل للكلمة، فالاتفاق مع الحركة يشير إلى تقدم جزئي ومحدود في معالجة أحد أوجه الصراع، لكن لا يغلق كل ملفات النزاع المفتوحة والمعقدة في شرق الكونغو».

ونبه إلى أن «حركة 23 مارس ليست الفاعل الوحيد في المشهد، بل هي واحدة من عشرات الجماعات المسلحة التي تنشط في المنطقة، بعضها يتلقى دعماً من أطراف خارجية، وبعضها ينخرط في صراعات محلية تغذيها الانقسامات الإثنية والتنافس على الموارد»، مؤكداً أن «التفاهم مع هذه الحركة يُعدّ اختراقاً مرحليّاً لا أكثر، ما لم يتبعه مسار شامل يشمل بقية الجماعات والجهات المتورطة».


مقالات ذات صلة

مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

تحليل إخباري الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

تصعيد جديد من قِبل رئيس ولاية غوبالاند، أحمد مدوبي مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، حيث «توعد بإقامة انتخابات منفردة» إذا انقضت مهلة تصل لنحو 20 يوماً.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة ومقديشو.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

خاص وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
TT

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

أكد مجلس النواب الليبي رفض أي «مساومة» على الأموال المجمدة، واعتبرت «لجنة التحقق ومتابعة الأموال الليبية المجمدة بالخارج» في مجلس النواب، خلال زيارة رسمية إلى اليونان، أن حماية هذه الأرصدة «تمثل مسؤولية وطنية كبرى»، وأنها «لن تسمح بأي شكل من أشكال التلاعب، أو سوء الاستغلال، أو الاستخدام غير المشروع للأموال الليبية المجمدة».

وشددت اللجنة، السبت، على أن هذه الأصول ليست محلاً للتصرف أو المساومة؛ بل هي ثروة سيادية يجب الحفاظ عليها وإدارتها وفق أعلى المعايير الدولية، وبما يضمن حقوق الأجيال الليبية القادمة. وقالت إنها ناقشت مع مسؤولين في البرلمان اليوناني جهود الدولة الليبية لتعزيز الشفافية والرقابة الدولية على هذه الأصول، ومن بينها التقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يهدف إلى تكليف مكتب مراجعة دولي مستقل لمراجعة وتدقيق كافة الأموال الليبية المجمدة بالخارج، بما يعزز الثقة، ويمنع أي ممارسات تضر بالمصلحة الوطنية الليبية.

كما شددت «اللجنة» على تطلعها إلى تعاون بنَّاء من جميع الدول المعنية بحفظ الأصول الليبية، مؤكدة أن حماية هذه الأموال «ليست شأناً ليبياً داخلياً فحسب؛ بل مسؤولية دولية تفرضها القوانين والقرارات الأممية، ومبادئ احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها في ثرواتها».

وأدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية، وترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية، والعمل مع الشركاء الدوليين لضمان صون هذه الأصول من أي عبث أو استغلال».

سفير مالطا خلال اجتماعه مع المبعوثة الأممية (السفير)

في غضون ذلك، قال سفير مالطا، فرانكلين أكويلينا، إنه بحث مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، نيكوليتا جيوردانو: «تعزيز سبل التعاون في مجالات العودة الإنسانية الطوعية، والرعاية الصحية للمهاجرين، وإدارة الحدود، دعماً لجهود الهجرة الآمنة والإنسانية». كما بحث مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري «خريطة طريق الأمم المتحدة» والحوار المهيكل، وأهمية دعم المؤسسات الليبية كمسار نحو الاستقرار والمصالحة، لافتاً إلى تجديد مالطا التزامها بالبقاء كشريك بناء لدعم عملية سياسية، تيسِّرها الأمم المتحدة، ويقودها ويملك زمامها الليبيون، بما يخدم مصلحة الشعب الليبي.

في شأن آخر، أشاد الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بما وصفه بالدور الفرنسي البارز في مكافحة الإرهاب، لافتاً -خلال لقائه، مساء الجمعة، في قصر الإليزيه بالعاصمة الفرنسية باريس، مع فنسنت جيرو، رئيس الأركان الخاص للرئيس الفرنسي، ومبعوثه الخاص بول سولير- إلى مستوى التعاون القائم بين الطرفين على مدى السنوات الماضية، والذي أسفر عن نتائج إيجابية ومثمرة على صعيد دعم الاستقرار في ليبيا، ومواجهة التهديدات الأمنية المختلفة.

مجلس النواب خلال اجتماعات لجنة متابعة الأموال الليبية في اليونان (المجلس)

وأكد صدام في أول زيارة عمل رسمية إلى فرنسا، منذ توليه مهام عمله نائباً للمشير حفتر، رغبة قيادة «الجيش الوطني» في تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية مع فرنسا، والارتقاء بها على كافة الصُّعد، ولا سيما في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتطوير العسكري، وتبادل الخبرات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية دعم الجهود الدولية لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها كأولوية قصوى.

وأوضح صدام أن اللقاء ناقش أيضاً آخر المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، ووجهات النظر حول التحديات الأمنية الراهنة؛ مشيراً إلى التأكيد على ضرورة استمرار التشاور والتنسيق المشترك؛ خصوصاً في مكافحة الإرهاب والعصابات العابرة للحدود، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

إلى ذلك، أعلنت إدارة مطار الكفرة الدولي في جنوب البلاد، أنه تقرر إغلاقه مؤقتاً بدءاً من الاثنين القادم، لمدة شهر كامل، لإجراء أعمال صيانة شاملة لمهبط الطائرات، مشيرة إلى أنها ستعلن لاحقاً عن موعد إعادة فتح المطار، فور الانتهاء من أعمال الصيانة.

وأوضحت الإدارة، السبت، أن هذا الإجراء يأتي في إطار الحرص على السلامة الجوية، ورفع كفاءة البنية التحتية للمطار، بما يضمن جاهزيته لاستقبال الرحلات وفق المعايير المعتمدة.


هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
TT

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا حول مجلس مفوضية الانتخابات مزيداً من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة البعثة على المضي قدماً في تنفيذ بنود «خريطة الطريق» المُعطّلة، والانتقال إلى «خيارات بديلة».

وخلال الأسبوع الماضي، صعّد المجلس الأعلى للدولة من إجراءاته بانتخاب رئيس وأعضاء جدد لمجلس المفوضية، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ مباشر لقرار مجلس النواب، القاضي بالإبقاء على مجلس إدارة المفوضية الحالي برئاسة عماد السايح.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة الليبي (المجلس)

ويرى سياسيون أن ما يجري من تنازع حول مجلس المفوضية «يمثّل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المسار الأممي على الصمود، والانتقال إلى «خيارات بديلة»، بعد تعثّر المفاوضات المتكررة بين المجلسين المنوط بهما التوافق على القوانين الانتخابية وشاغلي «المناصب السيادية»، ولذا يرى رئيس «حزب التجديد» الليبي، سليمان البيوضي، أن البعثة «لن تنتظر طويلاً توافق النواب والدولة».

وتوقع البيوضي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح البعثة آلية جديدة للمضي قدماً في خريطتها، بعد السعي إلى تنسيقها مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى إقليمية فاعلة»، وقال إن «العقبة الحقيقية أمام البعثة ليست المجلسين بقدر ما هي التوافق الدولي حول هذه الآلية البديلة».

من إحاطة هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن بخصوص الأوضاع السياسية في ليبيا (المجلس)

وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد لوّحت في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باللجوء إلى «آلية بديلة» في حال فشل المجلسين في إنجاز استحقاقات المرحلة الأولى، والمتمثلة في استكمال مجلس المفوضية، والتوافق على الإطار القانوني للانتخابات.

غير أن غموض هذه الآلية البديلة وغياب تفاصيلها إلى الآن «عزز الشكوك بشأن جدواها»، وفي هذا السياق قال المحلل السياسي، فرج فركاش، إن الحديث عن «آلية غير محددة يعكس غياب توافق دولي بشأنها».

وحمّل فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، البعثة مسؤولية حالة الجمود الراهنة، مشيراً إلى أن «خريطتها فقدت قابليتها للتنفيذ لاعتمادها من البداية على مجلسين؛ يعرف الجميع مسار الخلاف المتجذر، خصوصاً بشأن ملفي القوانين والمناصب السيادية ومنها المفوضية، بينهما».

وسلط المحلل السياسي الضوء على مفارقة أن الخلاف اليوم «يدور حول مجلس المفوضية، في حين كانت جميع الأطراف راضية عن تشكيله خلال محاولة إجراء انتخابات 2021».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وفي مقابلة إعلامية أجريت مؤخراً، استعرض رئيس المفوضية، عماد السايح، أسباب «القوة القاهرة» التي عرقلت انتخابات 2021، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية التي أقرها البرلمان، لا سيما ما يتعلق «بالطعون على المرشحين» للرئاسة، مؤكداً أن «المفوضية طالبت بتعديلها دون استجابة».

وهنا يحذر فركاش من أن استمرار الخلاف الحالي قد يؤدي إلى انقسام المفوضية، ما يفقد أي قوانين انتخابية مستقبلية قيمتها التنفيذية، مشدداً على أن الأولوية «كان ينبغي أن تُمنح من البداية للتوافق على الإطار القانوني وتوحيد الحكومتين، بما يمهّد لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتهيئة مناخ انتخابي قائم على حد أدنى من الثقة المفقودة بالساحة».

وتعيش ليبيا معضلة انقسام سياسي، يتمثل في وجود حكومتين متنافستين على السلطة؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

في المقابل، قلّل نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، من خطورة ما يجري على مستقبل «الخريطة الأممية»، مشيراً إلى أن البعثة سبق أن رفضت تقسيم المفوضية.

ورأى المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البعثة «قد تكون بصدد إطلاق حوار سياسي جديد، يضم مزيجاً من أعضاء النواب و(الأعلى للدولة) ونخب سياسية ومدنية وشخصيات ذات ثقل اجتماعي وقبلي، يعهد إليه بحسم ملف المفوضية والقوانين الانتخابية، وربما تشكيل حكومة موحدة تمهد للاستحقاق».

ويحذّر سياسيون من خطورة تمحور خلاف المجلسَين حول المفوضية المنوطة بتنفيذ الانتخابات المؤجلة، التي يعلّق عليها الليبيون آمالاً واسعة لإنهاء حالة الانسداد.

من جانبه، دعا القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، البعثة الأممية إلى «تجاوز دور المجلسين»، معتبراً «أن تبادل الخلافات بينهما حول المسار الانتخابي يعزز الشكوك باستهداف عرقلته، بما يخدم استمرارهما في المشهد، دون اكتراث بتداعيات الانقسام على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لليبيين».

ورغم إقراره بانشغال الشارع الليبي بأزماته المعيشية، حذر الحاراتي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من أن «إدراك الشارع بأن جوهر هذه الأزمات يظل مرتبطاً باستمرار الانقسام، ووجود حكومتين تنفقان دون رقابة، وهو ما يعني تحميله كل الأطراف والسلطات، بما فيها البعثة، مسؤولية ما يعانيه».


إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
TT

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي والكتيبة «166»، التي أكدت تورطه ضمن تشكيل عصابي امتهن تنظيم أفعال الهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر في مدينتي الكفرة وإجدابيا.

وذكر مكتب النائب العام، في بيان أوردته وكالة الأنباء الليبية (وال)، السبت، أن إجراءات الاستدلال جاءت بمشاركة مأموري الضبط القضائي، وأسفرت عن تحرير 195 مهاجراً كانوا محتجزين قسرياً، وتعرضوا لشتى أنواع التعذيب، بهدف إرغام ذويهم على دفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

وحسب المكتب، فقد جرى تعيين محل دفن 21 جثة تعود لمهاجرين استضعفوا وقتلوا أثناء نشاط التشكيل العصابي.

وواجه وكيل النيابة المتهم بالوقائع المنسوبة إليه، وأبلغه بالجرائم الثلاث المرفوعة ضده سابقاً، شاملة جرائم قتل المهاجرين، وجرائم المتاجرة بالبشر، تمهيداً لإرساله إلى القضاء للفصل في القضايا.

وتابع المحققون جمع عينات البصمة الوراثية من الجثث، وإجراء متطلبات تشريحها، ووجهت الضابطة القضائية باتخاذ التدابير اللازمة لتفكيك التشكيل العصابي، وملاحقة بقية أفراده، في إطار جهود النيابة العامة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وحماية حقوق المهاجرين، وضمان محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.