الجزائر: الكاتب بوجدرة يدخل على خط التصعيد المتفاقم ضد فرنسا

هاجم بحدة الكاتبين صنصال وداود واتهمهما بـ«تشويه ذاكرة الأمة»

الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً الكاتب رشيد بوجدرة (الرئاسة)
الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً الكاتب رشيد بوجدرة (الرئاسة)
TT

الجزائر: الكاتب بوجدرة يدخل على خط التصعيد المتفاقم ضد فرنسا

الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً الكاتب رشيد بوجدرة (الرئاسة)
الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً الكاتب رشيد بوجدرة (الرئاسة)

هاجم الروائي الجزائري المشهور، رشيد بوجدرة، خلال حوار مع التلفزيون الحكومي، الكاتب المسجون بوعلام صنصال، والروائي البارز كمال داود، وذلك إثر استقبال خصّصه له الرئيس عبد المجيد تبون. وحمل هذا المشهد بالنسبة لعدد من المراقبين رسائل سياسية تصعيدية ضد فرنسا، في سياق التوترات المتواصلة بين البلدين منذ عام كامل.

الروائي رشيد بوجدرة (متداولة)

وليس من عادة الكاتب الثمانيني بوجدرة أن يحظى باهتمام من قبل السلطات العليا في البلاد، أو من وسائل الإعلام المملوكة للدولة، بمناسبة صدور مؤلف جديد له. فرغم رصيده الحافل بعشرات المؤلفات، أغلبها مثير للجدل فيما يتعلق بالدين والهوية، لم يسبق أن جرى تكريمه بشكل رسمي.

لكن أمس، استقبله في «قصر المرادية» الرئيس تبون، وفق بيان رئاسي أشار إلى صفتة بوجدرة كـ«مجاهد»، شارك في حرب التحرير (1954–1962)، و«كاتب روائي كبير»، دون توضيح سبب المناسبة. وفي اليوم نفسه أجرى التلفزيون العمومي مقابلة مع بوجدرة، قال مقدمها في بدايتها إنها ستدور حول صدور نسخة جديدة من رواية له عنوانها «مزوّرو التاريخ».

الكاتب المسجون بوعلام صنصال (متداولة)

وأوضح رشيد بوجدرة أن إعادة نشر هذا العمل، الذي صدر لأول مرة قبل سبع سنوات، «تأتي في إطار مسعى لكشف ما يُحاك من محاولات لتشويه التاريخ الوطني، وتنبيه الجزائريين إلى خطر التلاعب بالذاكرة الجماعية»، مؤكداً أن «التاريخ المجيد للجزائر يتعرض لحملة تزوير منظمة، يقودها بعض الكتّاب الذين يسعون لتحقيق مكاسب شخصية، سواء كانت مادية أو معنوية، من خلال التقرب من دوائر ثقافية مرتبطة بالمستعمر السابق».

وهاجم بوجدرة الكاتبين الفرنسيين الجزائريين، الملاحقين من طرف القضاء الجزائري، بوعلام صنصال وكمال داود، حيث وصفهما بأنهما «يحملان توجهات آيديولوجية متطرفة، وهناك انتهازية فكرية نابعة من عقدة المستعمر تحركهما». وعدّ أن ما يصدر عنهما من مؤلفات وتصريحات ومواقف «يعكس حالة من الانفصال النفسي والثقافي عن الجزائر، شعباً وهوية وتاريخاً».

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما أشار بوجدرة إلى أن كمال داود «لا يعدو أن يكون كاتباً متوسطاً، دأب على الإساءة إلى الشعب الجزائري في مقالاته، من خلال تمجيد الاستعمار والتقليل من شأن الثورة». أما بخصوص بوعلام صنصال، فقد قال إنه «يتبنى خطابات خطيرة لا تستند إلى أي أساس، مدفوعاً بعلاقات مشبوهة مع أطراف محسوبة على اليمين المتطرف في فرنسا».

وأكد بوجدرة أن «مثل هذه الأسماء لا تمثل سوى ظواهر عابرة، مصيرها التلاشي»، مشدداً على أن «المجتمع الفرنسي نفسه سيلفظهم عاجلاً أم آجلاً». كما اتهم «بعض الدوائر الصهيونية في أوروبا بدعم هذه الأصوات، في إطار استمرار مساعي المستعمر القديم إلى بسط نفوذه الثقافي عبر قنوات جديدة».

ودعا صاحب رواية «التطليق» الشهيرة (1969) المثقفين الجزائريين إلى «الاصطفاف دفاعاً عن الذاكرة الوطنية، وشن حرب القلم ضد المحاولات الرامية إلى تشويه التاريخ». كما شدد على «ضرورة مراجعة مناهج التعليم المتعلقة بالتاريخ والهوية، من أجل تحصين الأجيال المقبلة ضد أي خطاب مشكك، أو مشوِّه لذاكرة الأمة».

والمعروف أن بوجدرة من الكتّاب الذين يُقاطعهم الإعلام الحكومي، بسبب مواقفه وتصريحاته، التي كثيراً ما تُوصَف بازدراء الدين الإسلامي، فضلاً عن تصنيف بعض رواياته على أنها «منافية للأخلاق». غير أن توافق النسخة الجديدة من «مزورو التاريخ» مع السردية الرسمية تجاه الكاتبين صنصال وداود أعاده إلى الواجهة، بعد فترة من التغييب، وأخرجه من دائرة النسيان.

عام من التوترات بين الجزائر وفرنسا (متداولة)

يشار إلى أن الروائيين، مزدوجي الجنسية، يوجدان في قلب التوترات الحادة الجارية بين الجزائر وفرنسا، والتي اندلعت بعد إعلان «الإليزيه» دعمه خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء، نهاية يوليو (تموز) 2024، وبوجه خاص بوعلام صنصال (76 سنة)، الذي أجج الخلافات بعد اعتقاله في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إثر عودته من باريس، حيث كان أدلى بتصريحات صحافية استفزت الجزائريين، أكد فيها أن محافظات كاملة من الغرب الجزائري «تعود تاريخياً إلى المغرب»، وأن فرنسا «هي من اجتزأتها منه، خلال استعمارها شمال أفريقيا في القرنين الـ19 والـ20». وفي رواياته ومداخلاته الإعلامية، كثيراً ما يعبّر عن تشاؤمه من مستقبل الجزائر، ويصفها بأنها «فاشلة»، أو «غير قابلة للإصلاح». كما أن زيارته إلى إسرائيل عام 2012 ولقاءاته بمسؤوليها، أثقلت «ملفه» في المحكمة، حين دانه القضاء بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ.

ويحظى صنصال بتضامن واسع في فرنسا، حيث دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إطلاق سراحه، عادّاً «سجن كاتب مسن يعاني المرض أمراً لا يشرّف الجزائر». كما أن أوساط اليمين الفرنسي المتطرف، التي يعد صنصال مقرَباً منها، هاجمت الجزائر بشدة عبر الإعلام الموالي لها.

وأصدرت السلطات القضائية الجزائرية مذكرتي توقيف دوليتين بحق الروائي كمال داود خلال العام الحالي، على خلفية ما اعتُبر «تجاوزاً قانونياً وأخلاقياً» مرتبطاً بمضامين روايته الأخيرة «حوريات» (جائزة غونكور الأدبية 2024). وهي الرواية، التي تتناول فترة «العشرية السوداء»، تضمنت، بحسب الجهات الرسمية خروقات لقانون «المصالحة الوطنية» المعمول به في الجزائر منذ 2005، والذي يجرّم إعادة فتح ملفات الصراع الداخلي بطريقة قد تمس بالسلم الأهلي، أو تهدد وحدة الوطن.

كما وُجهت إلى داود شكاوى إضافية تتعلق بـ«انتهاك الخصوصية والتشهير»، خصوصاً من طرف سيدة جزائرية، اتهمته باستخدام ملامح من حياتها الشخصية في العمل الأدبي دون إذن، إلى جانب تصريحات إعلامية أثارت جدلاً واسعاً في الداخل الجزائري، بسبب انحيازه لإسرائيل في عدوانها على غزة.

وبسبب إقامته الدائمة في فرنسا ورفضه المثول أمام القضاء الجزائري، فعّلت محكمة جزائرية مذكرتي توقيف عبر «إنتربول»، ما أضفى على القضية طابعاً دولياً تجاوز البعد الأدبي إلى القضائي والدبلوماسي. ويحظى داود أيضاً بدعم واسع من الحكومة والطيف السياسي الفرنسي، فيما يتعلق بالمشاكل التي يواجهها مع السلطات الجزائرية.


مقالات ذات صلة

تلفزيون الجزائر يحصل على حقوق بث 11 مباراة في كأس العالم 2026

رياضة عربية التلفزيون الجزائري سيقوم بنقل 11 مباراة (التلفزيون الجزائري)

تلفزيون الجزائر يحصل على حقوق بث 11 مباراة في كأس العالم 2026

أعلن التلفزيون الجزائري الرسمي، مساء اليوم الخميس، أنه اقتنى حقوق بث مباريات منتخب «الخُضر» في نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من لقاء مسؤولي خارجيتي الجزائر وسوريا (الخارجية الجزائرية)

ملفات «مهمة وثقيلة» تتصدّر مباحثات مسؤولي الجزائر وسوريا

يبحث وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، بالجزائر، منذ الأربعاء، ملفات مهمة مع المسؤولين الجزائريين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية فضيحة خيخون تعدّ واحدة من أسوأ ذكريات كأس العالم (د.ب.أ)

فضيحة «خيخون» التي غيّرت قوانين الـ«فيفا» للأبد

في تاريخ كأس العالم، هناك مباريات صنعت أمجاداً خالدة، وأخرى أنجبت أساطير لا تُنسى. لكن مباراة واحدة فقط بقيت حاضرة في ذاكرة الجماهير لأنها تحولت إلى رمز للخداع.

فاتن أبي فرج (بيروت)
شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية البوسني فلاديمير بيتكوفيتش مدرب المنتخب الجزائري (رويترز)

خلاف مالي يؤجل حسم تجديد عقد بيتكوفيتش مع الجزائر

لا تزال مسألة تجديد عقد المدرب البوسني فلاديمير بيتكوفيتش مع المنتخب الجزائري لكرة القدم تنتظر الحسم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

سجّلت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً، بتوصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تُمهّد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي للحكم الديمقراطي، عقب مداولات استمرت يومين.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتُباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضمّ «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني. وأكّد البيان أهمية وقف الحرب ضمن 3 مسارات؛ إنسانية وأخرى أمنية.

ويُعدّ هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب، مثل تحالف «صمود»، و«الكتلة الديمقراطية» الداعية لاستمرارها.

وشارك في الاجتماعات وفد من تحالف «تأسيس» وهو من أذرع «الدعم السريع»، غير أنه لم يكن ضمن الاتفاق بسبب اعتراضات بعض أعضاء «الكتلة الديمقراطية».ورجّح مراقبون أن تكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في الاجتماع جاءت بضوء أخضر من قادة الجيش السوداني. كما تمت الموافقة على استبعاد التيار الإسلاموي ممثّلاً في حزب «المؤتمر الوطني» المعزول من أي مشاركة في العملية السياسية.


توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

حققت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً بعد توصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تمهد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي نحو الحكم المدني الديمقراطي، عقب مداولات استمرت عدة أيام.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية أخرى وشخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.

وأكد البيان توافق الأطراف على مسار سياسي جديد يهدف إلى تحقيق سلام شامل وإنهاء الحرب، ووضع أسس حل سلمي يحافظ على وحدة السودان وسيادته. ويُعد هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب (تحالف صمود) و«الكتلة الديمقراطية» التي تُعد أكبر تحالف سياسي داعم للجيش السوداني.

وسلمت القوى السودانية، فجر الجمعة، «الآلية الخماسية» الدولية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، مسودة الرؤية التي تم التوصل إليها بالإجماع.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

وجاء الاتفاق بعد تعذر انعقاد الاجتماع الرسمي الذي دعت إليه «الآلية الخماسية»؛ ما دفع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط في مشاورات جانبية مكثفة للتوافق على أسس عملية سياسية جديدة. وقالت القوى الموقعة إن هذا التوافق يعكس إرادة سياسية ومدنية مشتركة لوضع حد للاقتتال، وفتح الطريق أمام تسوية سلمية شاملة.

وشاركت في الاجتماعات إلى جانب الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن المفاوضات التي جرت كانت بين الكتلة الديمقراطية وتحالف «صمود»، حيث رفض أعضاء في الكتلة الديمقراطية الجلوس مع وفد «تأسيس».

وشدد البيان المشترك على ضرورة تصميم عملية سياسية متكاملة تتصدر أولوياتها معالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار الوطني. كما أكد أهمية المحاسبة على جرائم الحرب وتحقيق العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها النزاع.

لجنة لصياغة الأجندة

واتفقت الأطراف على تشكيل لجنة تحضيرية لا يتجاوز عدد أعضائها 40 عضواً وعضوة، تمثل مختلف أطراف العملية السياسية، مع مراعاة التعدد السياسي والتوازن الجغرافي والتمثيل الاجتماعي والمهني والنسوي والشبابي، فضلاً عن تمثيل المتأثرين بالحرب من النازحين واللاجئين.

وستتولى اللجنة تحديد أطراف العملية السياسية، وفق معايير متوافق عليها، وصياغة أجندة الحوار ومبادئ الحل السياسي ومرتكزاته، والإشراف على إجراءات تهيئة المناخ، إضافة إلى وضع منهجية الحوار، وتحديد زمان ومكان انعقاده وتنسيق العلاقة مع الوسطاء والضامنين الإقليميين والدوليين.

وتتضمن الرؤية 3 مسارات متزامنة للعملية السياسية. ففي المسار الإنساني، دعت القوى إلى فك الحصار عن المدن والمعسكرات في دارفور وكردفان وغيرها من المناطق المتضررة، وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، مع التزام الأطراف المتحاربة بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود.

البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

أما في المسار الأمني، فقد اشترطت التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار يستند إلى بنود «إعلان جدة»، وتحت رقابة إقليمية ودولية وأممية، بالتزامن مع انطلاق العملية السياسية، بما يمهد للوصول إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار.

وفي المسار السياسي، نصت الرؤية على إطلاق حوار سوداني شامل بين القوى السياسية والمدنية لمعالجة جذور الأزمة الوطنية والوصول إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس للتحول المدني الديمقراطي.

كما دعت الوثيقة إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة قبل بدء العملية السياسية، تشمل إطلاق سراح المحتجزين والأسرى والمختطفين، وإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية، وضمان حرية النشاط السياسي والمدني، ووقف المحاكمات المرتبطة بالحرب ذات الطابع السياسي.

وأكد المشاركون في اجتماعات أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على استبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة، بوصفه أحد الثوابت التي حظيت بإجماع واسع بين الأطراف المشاركة.

وأكد المشاركون في الاجتماعات التي جرت في أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على إبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول بثورة 2018، وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية.

ولا يستبعد على نطاق واسع أن يكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في اجتماع أديس أبابا، وما تم التوصل من توافق، كان بإيعاز من من قادة الجيش السوداني.

ومن بين المبادئ التي تضمنتها الرؤية التأكيد على وحدة السودان وسيادته، والربط بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن حزمة متكاملة تقود إلى إنهاء الحرب، واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين (إكس)

وكانت «الآلية الخماسية» قد دعت القوى السودانية، بما في ذلك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، إلى اجتماع استكشافي يهدف إلى تقريب وجهات النظر، وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد. وبحث إمكانية تشكيل آلية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين.

وقال مبارك أردول، رئيس «التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية» وأحد أبرز قيادات «الكتلة الديمقراطية»، إن المشاورات التي جرت في أديس أبابا تمثل خطوة كبيرة منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المشاركين توصلوا إلى موقف مشترك بشأن اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، مع التمسك برفض مشاركة تحالف «تأسيس» في العملية السياسية.

وتضم «الكتلة الديمقراطية» عدداً من الحركات المسلحة والقوى السياسية، من أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إلى جانب مكونات سياسية أخرى.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب «الأمة» القومي، الواثق البرير، إن لقاء أديس أبابا استهدف التوافق على أسس وآليات التحضير لعملية سياسية سودانية شاملة، مؤكداً تمسك حزبه برفض عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.


مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
TT

مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)

لا يزال مقترح تطبيق نظام «الدعم النقدي» في مصر يثير انتقادات لدى قطاعات من المستفيدين، وسط مخاوف من حرمان «الفئات الأولى بالرعاية» من «الدعم الحكومي».

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال في مؤتمر صحافي، مساء الخميس، إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

ورهن خبراء نجاح المقترح الجديد بـ«توافر قاعدة بيانات دقيقة لـ(الفئات الأولى بالرعاية)»، إلى جانب «آلية رقابية تضمن حصول المستحقين على الدعم الحكومي، وتحديث البيانات بشكل دقيق حتى لا تُستبعد فئات مستحقة».

وتطبق الحكومة منظومة لدعم السلع الضرورية منذ عقود طويلة، بهدف خفض نفقات المعيشة لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، ويحصل المواطن على السلع المدعمة من خلال منظومة البطاقات التموينية.

وتشكو الحكومة باستمرار من الأعباء الاقتصادية لمنظومة الدعم على الموازنة العامة، خصوصاً بعد التوسع في السلع المدعمة خلال السنوات الماضية.

وبحسب رئيس الوزراء المصري، فإن «بدء تطبيق نظام الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل، سيشكّل نقلة نوعية في أسلوب تقديم الدعم للمواطنين»، وقال إن حكومته «تركز على معالجة أوجه القصور في منظومة الدعم الحالية، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستفادة القصوى من الموارد المخصصة للدعم».

وأشار مدبولي، الخميس، إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف»، وقال إن «الحكومة تعمل على تصميم آلية تضمن استمرار الدعم بصورة عادلة ومتوازنة مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية المختلفة».

و«رفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة التي ستطبق بداية من يوليو المقبل إلى 832.3 مليار جنيه»، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 51.7 جنيه).

الحكومة تدرس التحول إلى نظام «الدعم النقدي» بدلاً من «العيني» (وزارة التموين)

وكيل «لجنة الخطة والموازنة» بمجلس النواب مصطفى سالم، يرى أن «الحديث عن حوكمة ملف الدعم وضمان وصوله للمستحقين الحقيقيين من الأهداف الإيجابية»، غير أنه أشار إلى أن «التحول للنظام النقدي يحتاج إلى دراسات واستعدادات مستفيضة لضمان تحقيق هدفه بالفعل».

وأوضح سالم لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام النقدي يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة بأسماء المستحقين للدعم، مع نظام مميكن يضمن وصول الدعم لـ(الفئات الأولى بالرعاية)»، وقال إن «الحكومة لم تعلن أي إجراءات بشأن المنظومة الجديدة»، مشيراً إلى أنه من الأفضل «التطبيق التدريجي لبعض فئات الدعم، وفي محافظات معينة، لضمان تلافي أي أخطاء قد تثير غضب المواطنين».

وأبدى متابعون على منصات التواصل الاجتماعي، الجمعة، مخاوفهم من تطبيق «الدعم النقدي»، وانتقدوا مقترح الحكومة في هذا الشأن، وطالبوا بـ«استمرار النظام القديم (الدعم السلعي) مع زيادته بصورة أكبر بدلاً من إلغائه».

ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني بمصر، حسب وزارة التموين.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن «هناك مخاوف من آليات تطبيق الدعم النقدي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التحدي الأساسي أمام الحكومة هو توفير منصة تجمع كل شرائح المستحقين للدعم»، إلى جانب «آلية دقيقة للرقابة على إجراءات توزيع الدعم النقدي».

الحكومة المصرية تشكو باستمرار من الأعباء الاقتصادية لمنظومة الدعم على الموازنة (وزارة التموين)

ويرى بدرة أن «القبول المجتمعي بالمنظومة الجديدة مرهون بشكل أساسي بإجراءات تطبيقها بشكل آمن ودقيق دون أخطاء تؤدي لاستبعاد مستحقين للدعم». ويقول إنه «يجب توافر مجموعة من الضوابط لإنجاح التحول للدعم النقدي، تتضمن تحديد فئة المستحقين للدعم، ومن سيحصل عليه، هل الأسرة أو كل فرد على حدة، وقيمته... ».

وتعمل الحكومة بصورة شبه يومية لإنهاء الدراسات الخاصة بملف التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بحسب مصطفى مدبولي، قائلاً إن «هذا الملف يخضع لمناقشات موسعة مع مختلف الجهات المختصة والخبراء لضمان الوصول إلى أفضل آلية للتنفيذ»، وأضاف أنه «يتم دراسة كافة الملاحظات والآراء المطروحة بشأن الدعم النقدي، خاصة ما يتعلق بتأثيرات التضخم، وكيفية الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين».

في حين عدّ الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن مقترح الحكومة تطبيق الدعم النقدي «ضرورة في ظل الأعباء الاقتصادية التي تواجهها البلاد»، مشيراً إلى أن «الحكومة في حاجة لتحرير الدعم من الموازنة العامة كإصلاحات اقتصادية مطلوبة من المؤسسات الدولية التي من بينها صندوق النقد الدولي».

ويضيف النحاس لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة ستضطر إلى خفض عدد المستحقين للدعم مع تطبيق النظام النقدي»، حسب قوله.