ليبيا: سباق بين مجلسي النواب و«الدولة» لإنهاء سلطة الدبيبة

وسط تساؤلات بشأن قدرتهما على تشكيل «حكومة جديدة»

صالح مستقبلاً المشري في يوليو الماضي (مكتب صالح)
صالح مستقبلاً المشري في يوليو الماضي (مكتب صالح)
TT

ليبيا: سباق بين مجلسي النواب و«الدولة» لإنهاء سلطة الدبيبة

صالح مستقبلاً المشري في يوليو الماضي (مكتب صالح)
صالح مستقبلاً المشري في يوليو الماضي (مكتب صالح)

احتضنت العاصمة الليبية، مقر حكومة «الوحدة» المؤقتة التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، اجتماعاً ضم خالد المشري، أحد المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وعدداً من المرشحين لرئاسة «حكومة جديدة»، سبق أن عرضوا برامجهم على مجلس النواب قبل أشهر قليلة.

خالد المشري أحد المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للدولة (الأعلى للدولة)

ورغم التخوفات من تعرض المشاركين لمضايقات أمنية من قبل حكومة «الوحدة»، فإن الاجتماع مر بسلاسة، ما جدّد التساؤلات حول مدى قدرة كل من المشري ورئيس البرلمان، عقيلة صالح، على إزاحة الدبيبة من منصبه، وتدشين «حكومة جديدة» للبلاد، التي يستمران في الترويج لها منذ فترة.

* حكومة جديدة

وسط سباق وسعي الطرفين لإنجاز هذه المهمة، اعتبر المرشح لرئاسة الحكومة سلامة الغويل أن مصير «الحكومة الجديدة» اقترب من مرحلة الحسم الفعلي، في ظل «تصاعد الرفض الشعبي لحكومة الدبيبة».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية المؤقتة (الوحدة)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال الغويل إن «بعض القوى الأمنية وفّرت التسهيلات للاجتماع، واستقبلت المرشحين بمطار معيتيقة، وهو ما يدل على دعم ضمني للمشروع الوطني لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بتشكيل حكومة جديدة، ينتهي عبرها الانقسام الحكومي الراهن، ويتم التمهيد لإجراء الانتخابات».

وأكد الغويل، وهو وزير سابق للشؤون الاقتصادية بحكومة «الوحدة الوطنية»، أن ميزان القوى في الغرب الليبي بدأ يميل لصالح القوى الرافضة لبقاء حكومة الدبيبة في السلطة، ما قد يعزز فرص ولادة حكومة بديلة لها، تحظى أيضاً بدعم إقليمي ودولي.

أسامة حماد رئيس الحكومة الموازية في شرق ليبيا (الاستقرار)

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية»، والأخرى مكلفة من البرلمان وتحظى أيضاً بدعم الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، وتدير مناطق الشرق وأجزاء من الجنوب.

ورغم إعلان البعثة الأممية في ليبيا عن قرب طرحها خريطة طريق جديدة لحل الأزمة السياسية، يرى الغويل أن جهود مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتشكيل حكومة جديدة «لا تتعارض مع مسار المنظمة الأممية، بل تسعى للتنسيق معها»، وتحدث عن توجه البرلمان لعقد جلسة مشتركة مع «المجلس الأعلى» قصد «اختيار رئيس الحكومة الجديدة، بحضور البعثة الأممية، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي»، لكنه لم يحدد موعدها.

المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي (الجيش الوطني)

ورغم صمت القيادة العامة للجيش الوطني، وعدم إعلانها أي موقف واضح بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، رفض الغويل اعتبار ذلك «رسالة مبطنة من المؤسسة العسكرية برفض تلك الحكومة»، كما يروج البعض، وقال إن الجيش «فضل النأي عن التصريحات والسجالات السياسية»، مشيراً إلى ما يُرصد من «حراك وانفتاح واسع من قبل القيادة العامة للجيش على عواصم إقليمية وغربية، بما في ذلك الخصوم السابقون كتركيا، وهو ما يمكن الاستفادة منه وتعزيز فرص الاعتراف الدولي بتلك الحكومة».

* «تحركات أحادية»

في المقابل، يرى رئيس لجنة الشؤون السياسية بالمجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن «ملف العملية السياسية وكل ما يتعلق به، من تشكيل حكومة تشرف عليه البعثة الأممية؛ والجميع يترقب الإحاطة المرتقبة لرئيسة تلك البعثة هانا تيتيه، منتصف الشهر المقبل».

ورأى معزب أنه «لا أحد حتى الآن يعرف تفاصيل الخريطة السياسية المرتقبة، وهل ستدعو لانتخابات برلمانية أولاً ثم تشكيل حكومة، أو تأسيس لجنة حوار سياسي جديدة؟».

ووفقاً لرؤية معزب، فإن تحركات عقيلة والمشري على هذا النحو لا تعدو كونها «تحركات أحادية لا تجدي نفعاً»، موضحاً أن عقيلة صالح «يكرر الحديث عن تشكيل حكومة منذ عام تقريباً، فيما يسعى المشري لتثبيت شرعية رئاسته للمجلس الأعلى للدولة، عبر الاجتماع مع المرشحين والتقاط الصور معهم».

من اجتماع سابق لأعضاء المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وفي هذا السياق يقول معزب: «الجميع يعلم أن المجلس الأعلى للدولة يعاني انقساماً منذ نحو عام جراء الخلاف، الذي لم يُحسم على نتائج انتخابات رئاسته ما بين المشري ومحمد تكالة»، مضيفاً أن «تزكيات المرشحين التي صدرت من بعض أعضاء المجلس الأعلى بشكل فردي يمكن الطعن فيها».

من جهته، وصف عضو مجلس النواب سليمان سويكر مسار تشكيل «الحكومة الجديدة» بأنه «لا يزال محفوفاً بالتعقيدات، رغم بعض المؤشرات الإيجابية»، مثل اجتماع طرابلس، ومشاركة مرشحين محسوبين على الشرق الليبي.

وقال سويكر لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه المؤشرات تبقى شكلية، ما لم تتحول إلى اتفاق سياسي واضح يحدد مَن يحكم، ومَن يموّل، ومَن يضمن التنفيذ». وشدد على أن غياب التوافقات العميقة في الساحة الليبية سيجعل أي محاولة لتشكيل حكومة جديدة مجرد ترتيبات مؤقتة تعيد إنتاج الصراع نفسه، ما يعني ترسيخ الانقسام بدل تجاوزه، تحت عناوين جديدة، دون معالجة حقيقية لجذوره السياسية والمؤسساتية.

وكانت حكومة «الوحدة» قد شنّت قبل شهرين عملية أمنية قالت إنها تستهدف تفكيك تشكيلات مسلحة «خارجة عن القانون، وتغولت على الدولة»، ما أسفر عن اندلاع اشتباكات بين قواتها وقوات «جهاز الردع»، المسيطر على مناطق حيوية بطرابلس، بينها مطار معيتيقة.

ورغم إعلان التهدئة بين الجانبين، فقد خرجت مظاهرات على مدار أسبوعين حينذاك، طالب المشاركون فيها من سكان العاصمة برحيل حكومة الدبيبة، كما ندّدوا بتغول الأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة.


مقالات ذات صلة

ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

شمال افريقيا جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)

ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

اقتحم ليبيون أغلبهم من فئة الشباب الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في غرب ليبيا، تزامناً مع احتجاجات أخرى أمام مقر «مفوضية اللاجئين» وإغلاقه بسواتر رملية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الليبي مرعي العرفي الذي تتهم أوساط سياسية واجتماعية الدبيبة بتسليمه إلى واشنطن (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

بعد «أبو عجيلة» و«البكوش»... اتهامات للدبيبة بتسليم ليبي مطلوب إلى واشنطن

التزمت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة الصمت إزاء ما تم تداوله بشأن تسليم المواطن مرعي العرفي الملقب بـ«بنزينة» إلى الولايات المتحدة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا من احتجاجات الليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)

«البطاقة الحمراء» في وجه «التوطين»... ليبيون يغلقون «مفوضية اللاجئين» بالرمال

هتف ليبيون "لا لا للتوطين... ليبيا لليبيين"، رافعين بطاقات حمراء، وذلك خلال احتشادهم أمام مقر "مفوضية اللاجئين" بطرابلس الخميس رفضاً لــ"توطين المهاجرين".

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

طعنت حكومة «الاستقرار» المكلّفة من مجلس النواب في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد فيما ورد بتقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن مواطنين، ومؤسسات ليبية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مصر تشدد على رفض «أي إجراءات أحادية» تمس وحدة الصومال

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تشدد على رفض «أي إجراءات أحادية» تمس وحدة الصومال

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

شدَّدت مصر على رفضها الكامل «أي إجراءات أحادية» تمس وحدة الأراضي الصومالية، أو تنتقص من سيادة الدولة، مؤكدة دعمها الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية.

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، تناول تطورات الأوضاع في الصومال، وسبل تعزيز العلاقات الثنائية، والتنسيق المشترك بين البلدين.

وأكدت مصر حرصها على متابعة التطورات الجارية، لا سيما في العاصمة مقديشو، مُشدِّدة على أهمية الحفاظ على أمن واستقرار الصومال.

والأربعاء الماضي، شهدت العاصمة مقديشو اشتباكات بين قوات الشرطة وعناصر مسلحة، وذلك على خلفية أزمة سياسية منذ قرار الرئيس حسن شيخ محمود تمديد ولايته، وعشية مظاهرة معارضة له.

وذكرت الشرطة الصومالية، في بيان لها الأربعاء، أن «عملية أمنية واسعة النطاق نفَّذتها قوات الأمن في العاصمة تقترب من نهايتها»، مشيرة إلى أنَّها تهدف إلى ضرب «ميليشيات مسلحة شنَّت هجمات بقذائف الهاون على بعض أحياء العاصمة الصومالية».

من جانبه، أشاد وزير الخارجية الصومالي بالدعم المصري المتواصل للصومال على المستويات السياسية والتنموية والأمنية، مثمناً المواقف المصرية الثابتة الداعمة لوحدة وسيادة الصومال، وسلامة أراضيه.

وأكد الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور مع مصر بشأن مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك بما يحقِّق المصالح المشتركة.

وكان عبد العاطي قد التقى عبد السلام عبدي علي، على هامش الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي الأسبوع الماضي، وفي ذلك الحين شدَّد وزير الخارجية المصري على مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون بين البلدين في شتى المجالات الأمنية والتجارية بما يحقِّق تطلعات الشعبين، ويعزِّز الاستقرار والتنمية.

وأشار وزير الخارجية المصري إلى أهمية الإسراع بالإفراج عن البحَّارة المصريين المختطفين وضمان سلامتهم، والعمل على إطلاق سراحهم، حسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، الاثنين الماضي.

وأعلنت «الخارجية المصرية» في بيان، الشهر الماضي، تعرُّض ناقلة نفط على متنها 8 بحَّارة مصريين للاختطاف قرب سواحل الصومال، بعد أيام من إعلان السلطات اليمنية تعرُّض سفينة للقرصنة على متنها 12 بحاراً مصرياً وهندياً، دون أن يتم الإفراج عنهم إلى الآن.


بعضهم هتف: «الله ومعمر»... ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)
جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)
TT

بعضهم هتف: «الله ومعمر»... ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)
جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)

عاشت البعثات التابعة للأمم المتحدة لدى ليبيا، الخميس، يوماً مضطرباً، إثر اقتحام مواطنين الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية بمدينة جنزور (غرباً) مساء الخميس، تزامناً مع احتشاد محتجين آخرين أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة، وإغلاق أبوابه بالرمال تنديداً بـ«توطين المهاجرين».

متظاهرون هتفوا خلال المظاهرات: «الله ومعمر وبس» (إ.ب.أ)

وسعت الأجهزة الأمنية الموجودة بمحيط البعثة لثني المقتحمين، الذين هتف بعضهم: «الله ومعمر وبس»، عن مواصلة اقتحام الأسوار الداخلية للمقر، في حين تولّى محمود شيبة، آمر الكتيبة «137 مشاة» المكلّفة بحماية المقر، عملية التفاوض مع المحتجين.

وهذه ليست المرة الأولى التي يهتف فيها مواطنون باسم القذافي؛ فقد سبق أن هتفت جماهير كرة القدم باسمه عقب خروجهم من «استاد طرابلس الدولي» بعد هزيمة منتخب بلدهم أمام نظيره البنيني في تصفيات التأهل لـ«أمم أفريقيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

ويأتي اقتحام مقر البعثة الأممية بعد ساعات من التظاهر أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنطقة السراج بالعاصمة في ظل أجواء متوترة بغرب البلاد، وصفها مصدر مقرب من حكومة «الوحدة» بأنها «يوم مضطرب تعيشه البعثات الأممية في ليبيا»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «بعثة المفوضية تحسبت لهذه الأجواء، ولم تذهب إلى المقر الخميس، وهي في أمان».

عدّ رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا أن حادث اقتحام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يمثل «تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي» (أ.ف.ب)

وعدّ الدكتور عبد المنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، أن حادث اقتحام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يمثل «تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي»، ورأى أنه يمكن وصفه بـ«انتهاك الحصانات الدبلوماسية؛ إذ تشكل هذه الأفعال خرقاً واضحاً للقوانين والأعراف الدولية، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة».

وقال الحر في تصريح صحافي الخميس إنه «يقع على عاتق الدولة المضيفة التزام قانوني صارم بحماية مقار البعثات وموظفيها، ومنع أي اقتحام أو إساءة إليها»، لافتاً إلى أن البعثة الأممية «تمثل المظلة الدولية لتيسير الحوار والوصول إلى توافق وطني، واستهداف مقرها يعطل قنوات التواصل الدبلوماسي، ويهدد استمرارية جهود المصالحة الوطنية، وتوفير بيئة مستقرة للعملية السياسية».

جانب من المظاهرات أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة (أ.ف.ب)

وأوضح الحر أن الحادث «يعكس ضعف السيطرة الأمنية للمؤسسات الرسمية في حماية المقار الحيوية، مما قد يدفع المنظمات الدولية الأخرى والبعثات الدبلوماسية إلى إعادة النظر في وجودها داخل العاصمة، وهو ما يعمق العزلة الدولية لليبيا»، مشيراً إلى أن «الحق في التجمع السلمي والتظاهر مكفول بموجب المواثيق الدولية، إلا أنه ينتهي تماماً عند اللجوء إلى العنف، أو اقتحام المقار المحمية بموجب القانون الدولي، أو تعطيل عمل المنظمات الإنسانية التي تقدم خدمات حيوية لإنقاذ الأرواح».

وبشأن إغلاق مقر المفوضية السامية للاجئين بطرابلس، قال الحر إن الأمر «سواء كان نتيجة لظروف أمنية فرضتها الاحتجاجات أو بقرار تنفيذي، يترتب عليه تداعيات إنسانية وقانونية مباشرة»، منها «تعليق الحماية والخدمات الأساسية»، لافتاً إلى أنه «ينتج عن ذلك توقف فوري لعمليات تسجيل طالبي اللجوء، وتقديم المساعدات الإغاثية والطبية الطارئة، وإجراءات إعادة التوطين في بلد ثالث».

وانتهى الحر إلى أن هذا الإجراء «يترك آلاف الفئات المستضعفة، خاصة المهاجرين واللاجئين، في حالة انكشاف قانوني وأمني تام».

ويرى ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد بعملية بركان الغضب»، أن الهتاف باسم القذافي أمام مقر البعثة الأممية «لم يكن مجرد استرجاع للماضي، بل هو صرخة ألم ورفض لواقع مرير»، وقال: «عندما يهتف المتظاهرون باسم القذافي في وجه مشاريع التوطين، فإنهم لا يستحضرون شخصاً، بل يستدعون مفهوم الدولة، التي كانت تملك سيادتها، وتغلق حدودها، وتحمي ديمغرافيتها، ولا تُملى عليها القرارات الدولية».

وأضاف عمار في تصريح صحافي الخميس: «يحنّ الشارع اليوم لزمن الأمان والسيادة الوطنية، وغياب الميليشيات، والعيش الكريم»، ورأى أن «العودة إلى هذا الشعار هي رسالة واضحة للداخل والخارج: الشعب الليبي يرفض بيع وطنه تحت أي اسم، ويبحث عن الاستقرار المفقود في ركام الفوضى الحالية».

وصف أحمد عبد الحكيم المواطنين الذين اقتحموا سور مقر البعثة الأممية بأنهم «خارجون عن القانون ومشاغبون ومثيرو الفوضى» (أ.ف.ب)

من جانبه، وصف أحمد عبد الحكيم حمزة رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، المواطنين الذين اقتحموا سور مقر البعثة الأممية بأنهم «خارجون عن القانون ومشاغبون ومثيرو الفوضى»، متسائلاً: «أليست الدعوة التي دعتهم للتظاهر كانت لرفض التوطين، وكانت محصورة في مقر مفوضية اللاجئين في السراج؟! مَن الذي وجّه المظاهرات إلى مقر البعثة الأممية في جنزور؟ وما علاقة البعثة الأممية بمظاهرات (رفض التوطين)؟».

ويعتقد حمزة في تصريح صحافي أن «الهدف سياسي، والأمر مسيّس»، والغايات التي وصفها بـ«المشبوهة» من هذا الحراك «المشبوه» قد «باتت واضحة، ويجب البحث في خلفيات وتوجهات من قادوا الحراك وحرصوا عليه».

وحمّل حمزة وزارة الداخلية «المسؤولية القانونيّة حيال عدم توفير الحماية لمقرات البعثات الدبلوماسية، وخاصةً مقر بعثة الأمم المتّحدة للدعم في ليبيا، ويجب التحقيق في فشلها في أداء مهام عملها، وعدم قدرتها على ضبط الأمن وحماية حتى مقر بعثة دبلوماسية».

وسبق لمحتجين محاولة اقتحام مقر البعثة الأممية من قبل العام الماضي؛ ففي أغسطس (آب) 2025 قالت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إنها تمكنت من إفشال محاولة لاستهداف مقر البعثة، وأعلنت حينها أن الأجهزة الأمنية «تمكنت من رصد المحاولة والتعامل معها بسرعة، وضبط المركبة التي كانت مجهزة بصواريخ إضافية وقاعدة الإطلاق».


هل تنجح مبادلة «الديون» في تقليص الطلب على الدولار بمصر؟

اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
TT

هل تنجح مبادلة «الديون» في تقليص الطلب على الدولار بمصر؟

اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)

تخطط الحكومة المصرية للتوسع في برنامج مبادلة استثمارات «بالديون» في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، وتنمية المهارات، ما يثير تساؤلات حول مدى نجاح تلك الخطوة في تخفيف الأعباء المالية، وتقليص الطلب على الدولار.

ووفق خبراء قد يساهم التوسع في «مبادلة الديون» في تقليل الضغط على العملة الصعبة في مقابل الجنيه، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «استبدال استثمارات بالديون الخارجية المستحقة على الحكومة، يُعد من المسارات المهمة لتخفيف الأعباء المالية، والاقتصادية». لكنهم رهنوا «نجاح الخطوة» بحجم الديون التي سيتم تحويلها إلى استثمارات.

وتحدث وزير المالية، أحمد كجوك عن «اتجاه مصر للتوسع في برنامج مبادلة الاستثمار بالديون في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والقطاعات ذات الأولوية»، وقال على هامش زياته للعاصمة البريطانية لندن، الخميس، إن «هذه الخطوة تأتي ضمن توجه أوسع لربط إدارة الدين العام بأهداف التنمية المستدامة، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر أولوية وتأثيراً على النمو الاقتصادي».

وتشكل الديون الخارجية عبئاً على الاقتصاد المصري، حيث ارتفعت لنحو 163 مليار دولار وفق البنك المركزي المصري، وتستهدف الحكومة «خفض خدمة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 78 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2027»، حسب وزارة المالية.

وأشار كجوك إلى أن «الحكومة تعمل بالتعاون مع شركاء دوليين ومؤسسات مالية على تطوير نماذج مبتكرة لمبادلة الديون، بما يتيح تحويل جزء من الالتزامات المالية إلى استثمارات تدعم التنمية، وتعزز رأس المال البشري».

وبحسب عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله: «يعد برنامج (مبادلة الديون) مساراً اقتصادياً مهماً لتخفيف أعباء الدين على الاقتصاد المصري»، ويقول إن «تطبيق البرنامج يمكن أن يخفف من الأعباء والالتزامات المالية على الاقتصاد المصري، خصوصاً إذا كانت نسب التحول للاستثمارات عالية»، موضحاً أن «تأثير هذا المسار مرهون بحجم الاستثمارات التي سيتم تدشينها من خلاله».

ويضيف جاب الله أن «الحكومة لها تجربة سابقة في (مبادلة الديون) مع دول أوروبية، مثل ألمانيا، وإيطاليا»، مشيراً إلى أن «تأثيرها كان محدوداً، نظراً لأن أرقام الاستثمارات لم تكن كبيرة».

كما يوضح أن «مصر تمتلك اتفاقيات لمبادلة الديون مع دول عديدة، منها الصين، وأيضاً مع دول خليجية، مثل الكويت»، قائلاً إن «المهم تفعيل هذه الاتفاقيات»، مشيراً إلى أن «نجاح التجربة مرهون بإرادة جميع الأطراف، وبتقدير قيمة الاستثمارات التي سيتم تدشينها».

وزير المالية المصري خلال لقائه بمستثمرين في لندن الخميس (وزارة المالية المصرية)

فيما يلفت الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد إلى أن «مبادلة مشروعات استثمارية بالديون تساهم في تحقيق مكاسب اقتصادية عديدة»، ويقول إن «من بين المكاسب تقليل حجم الالتزامات المالية على الحكومة، وبالتالي تحسن التصنيف الائتماني لها»، إلى جانب «تقليل الضغط على الدولار في مقابل الجنيه، وبالتالي تحسن سعر العملة المحلية» (الدولار يساوي 51.8 جنيه).

ويرى السيد أن «من فوائد مبادلة الديون تقليل أعباء الديون على الموازنة العامة، وفوائدها»، إلى جانب «زيادة معدلات التشغيل، وتقليل معدل البطالة، وبالتالي زيادة الإنتاج»، مشيراً إلى أن «زيادة الاستثمارات من الحلول الناجزة للمشكلات الاقتصادية في مصر».

«هناك نوعان من الديون تسعى مصر لسدادها»، وفق السيد، منها «ديون تتحملها الموازنة العامة للدولة، وقيمتها تقارب نصف الديون المستحقة على البلاد، ونوع آخر مرتبط بديون الشركات، والهيئات الاقتصادية».

ويشير إلى أن «ما تستطيع الحكومة مبادلة استثمارات به، الديون المرتبطة بالموازنة العامة في الدولة»، ويوضح أن «من نماذج مبادلة استثمارات بالديون كانت صفقة (رأس الحكمة) مع صندوق أبوظبي الاستثماري بنحو 35 مليار دولار، بينها 11 مليار دولار كانت ودائع إماراتية في البنوك المصرية»، حسب رأيه.

ويبلغ حجم دين قطاع الموازنة في مصر نحو 77.5 مليار دولار، وفق وزارة المالية. ووقعت مصر عقد تطوير مشروع «رأس الحكمة» على ساحل البحر المتوسط شمال البلاد بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024.