مصدر مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: مصر ستتصدى لأي تحرك يهدد أمنها المائي

بعد إعلان أديس أبابا عزمها بناء سدود أخرى

سد النهضة الإثيوبي على الرافد الرئيسي لنهر النيل (أرشيفية - أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي على الرافد الرئيسي لنهر النيل (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مصدر مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: مصر ستتصدى لأي تحرك يهدد أمنها المائي

سد النهضة الإثيوبي على الرافد الرئيسي لنهر النيل (أرشيفية - أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي على الرافد الرئيسي لنهر النيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

رداً على إعلان جديد من جانب إثيوبيا بأنها لن تكتفي بـ«سد النهضة» الذي تقيمه على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وأنها ستشرع في بناء سدود أخرى، أكد مصدر مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط» أن بلاده «ستتخذ ما يلزم لحماية حقها التاريخي في مياه نهر النيل وفق القوانين الدولية والمعاهدات الدولية التي تنظم هذا الأمر».

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته، أن مصر تدرك أن إثيوبيا تخطط لبناء سدود ومشروعات أخرى على نهر النيل والمنابع المؤدية له، «لذلك حرصت منذ البداية وما زالت تحرص على ضرورة التوصل لاتفاق ملزم، ليس بشأن منع أضرار سد النهضة عن دول المصب فقط، لكن أيضاً لتنظيم أي مشروعات مستقبلية على نهر النيل».

ونوَّه إلى أن بلاده «مصرة على الدفاع عن أمنها المائي، وستدافع عنه بكل قوة حال تضرره، لأن نهر النيل بالنسبة للمصريين مسألة حياة»، مضيفاً أنه «ستتم مراقبة ما إذا كانت السدود التي تقصدها إثيوبيا ستقام على نهر النيل أو منابعه أو أنهار أخرى، ووقتها سيكون لكل حادث حديث».

ويوم الأربعاء، قال الرئيس التنفيذي لمكتب تنسيق سد النهضة الإثيوبي، أريجاوي برهي، في حديث أمام وسائل الإعلام الإثيوبية، إن مشروع سد النهضة «خطوة أولى ضمن مسار طويل من التنمية الذاتية التي تقودها البلاد في قطاع المياه والطاقة»، مؤكداً أن إثيوبيا «لا يمكنها الاكتفاء بسد واحد فقط».

وأشار إلى الحاجة إلى إنشاء سدود إضافية تخدم أغراضاً حيوية، على رأسها دعم القطاع الزراعي باعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي، معتبراً أن إثيوبيا تأخرت في استغلال مواردها المائية مقارنة بدول أخرى سبقتها.

لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية-الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

وواصل المسؤول الإثيوبي قائلاً: «لن نتوقف عند سد واحد فقط؛ بل نحتاج إلى سدود تخدم أغراضاً أخرى، بما في ذلك الزراعة». واعتبر أن مشروع سد النهضة «هو بداية تصحيح هذا المسار، وخطوة استراتيجية نحو اللحاق بركب التنمية».

وشدد على أن سد النهضة أُنجز بتمويل داخلي كامل دون الاعتماد على قروض أو مساعدات أجنبية، وذلك رداً على ما ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إنشاء السد بتمويل الولايات المتحدة.

«مسألة وجود»

ووصف عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري التصريحات الإثيوبية بـ«الاستفزاية»، وتأتي في وقت تحتدم فيه أزمة سد النهضة دون التوصل لاتفاق بشأنها.

وأضاف: «يبدو أن أديس أبابا تريد فرض الأمر الواقع، وكأن مسألة سد النهضة أصبحت في حكم الماضي وهي الآن تتحدث فيما بعدها».

وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعي منذ البداية أن إثيوبيا تسعى لإقامة عشرات السدود الأخرى بخلاف سد النهضة بدعوى التنمية والزراعة، ولكن في حقيقة الأمر أهدافها معروفة، وهي منع المياه عن مصر في إطار مخططات معروفة».

ومضى قائلاً: «مصر لن تقبل تهديد وجودها، لأن منع الماء بالنسبة لمصر مسألة وجود، وعلى إثيوبيا أن تراجع نفسها قبل احتدام الموقف».

وتأتي التصريحات الإثيوبية الجديدة عن خطط بناء سدود أخرى بعد حديث متكرر للرئيس الأميركي ترمب حول سد النهضة وضرره على مصر، وقوله إن بلاده تسعى لحل الأزمة، وهي تصريحات أشاد بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي معولاً على الدور الأميركي للتوصل لاتفاق ينهي أزمة السد الإثيوبي ويحافظ على الاستقرار بالمنطقة.

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قد أعلن في بداية يوليو (تموز) الحالي، عن اكتمال بناء سد النهضة، وحدد شهر سبتمبر (أيلول) المقبل موعداً لتدشينه رسمياً، مؤكداً أنه «لن يضر أحداً»، ووجّه الدعوة لمصر والسودان للمشاركة في حفل التدشين الرسمي.

وردّت مصر على ذلك بالرفض القاطع لما وصفته بـ«استمرار إثيوبيا في فرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية تتعلق بنهر النيل».

طبيعة «لا تصلح للزراعة بالري»

من جانبه، قال الدكتور رأفت محمود، الخبير المصري في الشؤون الأفريقية وموارد المياه، إن «ما تدعيه إثيوبيا بأنها ستقيم سدوداً أخرى بدعوى الزراعة والتنمية غير حقيقي، لأن الطبيعة الجغرافية للأراضي الإثيوبية لا تصلح معها الزراعة بالري العادي، بل بالري عن طريق الأمطار لطبيعتها الوعرة، لأنها عبارة عن هضبة واستصلاحها للري الطبيعي يحتاج أموالاً ضخمة ليست في حوزة إثيوبيا التي عانت ولا تزال من أجل إكمال سد النهضة».

وأضاف: «خطط إثيوبيا لإقامة سدود على نهر النيل أو في منابعه أو على أنهار أخرى قديمة ومعروفة، وهدفها ليس التنمية بل فرض نفسها كقوة أفريقية، وطبيعي أن تضغط على القوة التي تنافسها وهي مصر؛ كما أنها تناور أيضاً للضغط من أجل قبول القاهرة بوصول أديس أبابا للبحر الأحمر وبناء أسطولها البحري الذي تحلم به».

وقال إن الوضع الطبيعي هو أن تنتظر مصر «إلى حين وجود ضرر حقيقي واقعي تجاه المياه التي ترد إليها، وهو لم يتحقق حتى الآن. وحينئذ وفق المشروعية الدولية، سيكون لمصر الحق في التدخل لمنع الضرر الوجودي».

وواصل حديثه قائلاً: «القاهرة تدرك أن الكثير من التصريحات الإثيوبية، سواء عن سد النهضة أو سدود أخرى أو تحقيق تنمية، غرضها دغدغة مشاعر الشعب الإثيوبي بشكل كبير بعيداً عن الواقع».


مقالات ذات صلة

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

تحليل إخباري رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

أثارت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)

رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

جددت القاهرة موقفها الرافض لنفاذ إثيوبيا، الدولة الحبيسة بأفريقيا، إلى البحر الأحمر، نافية قبولها ذلك مقابل مرونة من أديس أبابا بشأن «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح «سد النهضة» في سبتمبر الماضي (حسابه على إكس)

«سد النهضة»: مصير غامض للوساطة الأميركية وسط تشدد مصري - إثيوبي

رغم مرور نحو شهر على عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب وساطته بين القاهرة وأديس أبابا، فإن التباين لا يزال واضحاً في مواقف البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
TT

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

بعد أسابيع من معاناته من تداعيات الحرب الإيرانية، التي بدأت برفع أسعار المحروقات ثم قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة، يأمل المصري إبراهيم زايد (47 عاماً) أن تحمل الهدنة بدايةً لانحسار هذه الآثار، بعدما تراجع دخله إلى النصف.

يملك زايد محلاً لصيانة وتركيب شبكات البث الهوائي (الدِّش) في إحدى قرى محافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتأثر دخله بشدة نتيجة القرارات الحكومية الأخيرة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن قرار الإغلاق يُطبق في ذروة فترة عمله.

وأضاف: «الآن أعمل 4 ساعات بدلاً من 8، وتوقفت عن التعاون مع بعض الفنيين لقلة العمل والدخل»، مشيراً إلى أنه لن يستطيع الصمود في ظل هذه الظروف، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار، وتساءل: «هل ستتحسن الأوضاع ونعود للأوقات الطبيعية بعد الهدنة؟».

وتوصلت الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، صباح الأربعاء، إلى هدنة لمدة أسبوعين، يُفتح خلالهما مضيق هرمز، وتُجرى مفاوضات مباشرة في إسلام آباد بدايةً من الجمعة، لوقف الحرب.

وشهد عديد من المؤشرات الاقتصادية تحسناً مع بدء سريان الهدنة، فتراجع سعر برميل النفط عالمياً بنحو 16 في المائة، ليباع بنحو 93 دولاراً بعدما كان قد جاوز 110 دولارات، كما انخفض الدولار في السوق المصرية إلى نحو 53 جنيهاً مصرياً بعدما تجاوز 54 جنيهاً.

ورغم استبشار المصريين بقرار الهدنة، فإنهم انقسموا إلى فريقين؛ الأول متفائل إزاء تحقيق الحكومة وعدها السابق بتحسن الأوضاع بعد وقف الحرب، على اعتبار أن إجراءاتها كانت استثنائية لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، والفريق الآخر لا يتوقع انخفاضاً، ويرى أن وقف الحرب يعني عدم الانزلاق لمزيد من التدهور وليس تحسناً سريعاً ملحوظاً.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

كانت الحكومة المصرية قد قررت بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وانعكس ذلك على أسعار بقية السلع والخدمات.

تلافي الآثار... يحتاج إلى وقت

تدعم سارة محمود، التي تعمل في مجال خدمة العملاء وتسكن في منطقة دار السلام بجنوب العاصمة، رأي الفريق الثاني، وقالت: «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مهما تغير الظرف الذي أدى إلى ارتفاعها بالأساس، خصوصاً السلع المعمرة».

وتجد سارة صعوبة في استكمال شراء لوازم إتمام زيجتها في ظل ارتفاع الأسعار وإغلاق المحال مبكراً والذي يعوق جولاتها للشراء بعد انتهاء عملها.

كانت الحكومة قد قررت تبكير إغلاق المحال التجارية بدايةً من 28 مارس (آذار) الماضي، ولمدة شهر، ليصبح في التاسعة مساءً يومياً وفي العاشرة يومي الخميس والجمعة، وذلك لترشيد استهلاك الكهرباء. وربطت تجديد القرار باستمرار الحرب أو وقفها.

وعلى العكس من سارة، ما زال لدى زايد، وهو أب لأربعة أبناء، بصيص من أمل في تحسن الأوضاع، وطالب بالعودة عن قرار تبكير إغلاق المحال فوراً نظراً «لتأثيره الكبير على الناس» على حد قوله. وبخصوص الأسعار، قال: «قبل الحرب كنت أشتري أسطوانة الغاز بسعر 240 جنيهاً، أما الآن فقد قفز سعرها إلى 350 جنيهاً».

سوق اليوم الواحد (وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية)

وتستبعد أستاذة علم الاقتصاد في جامعة القاهرة، شيرين الشواربي، أن تشهد مصر تراجعاً سريعاً في القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بسبب الحرب الإيرانية، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حدوث الضرر لا يحتاج إلى وقت طويل، عكس تلافي آثاره، فإنه يحتاج إلى وقت».

وأضافت: «الحكومة لن تتسرع في العودة عن قراراتها وتجعل الناس تأمل في عودة الأوضاع لسابق عهدها قبل الحرب، بينما المفاوضات ما زالت جارية، ولم يحدث وقف للحرب بل تعليق لها».

واستطردت: «حتى لو توقفت الحرب، فآثارها ستمتد، خصوصاً في ظل نمط تكرار الأزمات والضربات الاقتصادية عالمياً».

القدرة على امتصاص الصدمات

وتلقي الحكومة المصرية باللوم على الأزمات الخارجية في التأثير على اقتصادها، بدايةً من الحرب الروسية - الأوكرانية التي تسببت في أزمة عالمية بالقمح، ثم جائحة كورونا، ثم حرب غزة التي تسببت في خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار نتيجة تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وانخفاض إيرادات قناة السويس، ثم الحرب الإيرانية الأخيرة.

وتعلق د. شيرين قائلةً: «في ظل عالم تتكرر فيه الحروب والأزمات، هناك اقتصاديات قوية تمتص الصدمات، وأخرى تتأثر بها؛ لذا يجب على الحكومة العمل على بناء اقتصاد قوي لا يتأثر بكل أزمة عالمية».

واتسمت لغة حكومة مصر ورئيسها بتأكيد إدراك وتقدير معاناة المواطنين في ظل آثار الحرب والقرارات التي اتخذتها اضطراراً. وتمثل أحدث هذه القرارات في زيادة أسعار الكهرباء على الفئات العليا والمحال التجارية بنسب تراوحت بين 16 و20 في المائة، وتجنب زيادتها في الشرائح الأقل التي تندرج فيها النسبة الكبرى من المواطنين.

Your Premium trial has ended


ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
TT

ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)

لا تزال تداعيات تقرير أممي حول شبهات فساد في التعاقدات النفطية تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي، في ظل مطالب سياسيين في «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، بفتح تحقيق دولي، بالتنسيق مع السلطات القضائية الليبية، حول عقود قطاع الطاقة وما شابها من شبهات فساد.

وفي خطاب موجَّه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لقي اهتماماً إعلامياً واسعاً، دعت «كتلة التوافق الوطني»، التي تضم 61 عضواً من أصل 140 بالمجلس، إلى «تفعيل الآليات الدولية الخاصة بتتبع واسترداد الأموال المنهوبة»، إلى جانب «تقديم دعم فني واستشاري لمكتب النائب العام والجهات الرقابية، بما يُعزز قدرتها على مباشرة التحقيقات، وملاحقة المتورطين محلياً ودولياً».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

كما شدد الساسة الليبيون على «ضرورة الإسراع بنشر التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على مضامينه»، وذهبوا إلى أن «ما ورد في مسودته يعكس تفشياً غير مسبوق لشبهات الفساد في قطاع الطاقة، بما يُهدد مقدرات الدولة واستقرار مؤسساتها».

وتزامناً مع تداول رسالة «كتلة التوافق الوطني»، استقبل رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عدداً من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، تصدّرت أجندته «متابعة عمل اللجنة الرئاسية المعنية بمراجعة وتدقيق عقود النفط والكهرباء، المُشكّلة منذ أغسطس (آب) الماضي، في ضوء ما أثير من شبهات، تستدعي المعالجة القانونية والرقابية»، وفق بيان الرئاسي.

وتزامنت هذه التحركات مع استمرار الجدل حول مسودة تقرير مسرّب لفريق خبراء الأمم المتحدة، أشار إلى وقائع فساد طالت مسؤولين وقيادات عسكرية، وزعماء تشكيلات مسلحة، على خلفية ملف شركة «أركنو» النفطية الخاصة التي يُشتبه في تحويلها نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات خارج ليبيا بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، قد وجّه أخيراً بإنهاء ما وصفه بـ«اتفاقية التطوير» مع الشركة، فيما خاطب رئيس المجلس الرئاسي في رسالة إلى المؤسسة الوطنية للنفط بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج في الحقول القائمة، إلى حين مراجعة الجوانب القانونية والفنية والاقتصادية ذات الصلة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية (الوحدة)

وفي الملف الاقتصادي أيضاً، اقترحت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، والمنسقة المقيمة، أولريكا رتشاردسون: «إعادة استثمار إيرادات وثروات ليبيا بشكل مثمر في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية»، وتحدّثت خلال نقاش عبر الإنترنت عن المسار الاقتصادي للحوار المُهيكل عن ضرورة اتباع «نهج أكثر توازناً وشفافية لإعادة استثمار الإيرادات في جميع أنحاء البلاد».

والحوار المهيكل، المنعقد حالياً في العاصمة الليبية طرابلس، هو أحد بنود خريطة طريق عرضتها مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس الماضي، وقد أقرها أعضاؤه.

هانا تيتيه (غيتي)

وتزامن الحديث عن الملف الاقتصادي مع تصعيد أمني لافت في منطقة الساحل الغربي (غرب)، إثر هجوم مسلح في مدينة العجيلات، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، الثلاثاء، وسط حالة من التوتر والتحشيد بين تشكيلات محلية.

وذكرت مصادر أن الهجوم استهدف منزلاً في منطقة جنان عطية، ما أدى إلى مقتل شابين وإصابة ثالث، في واقعة تُضاف إلى سلسلة من الجرائم التي شهدتها المدينة منذ مطلع العام.

وفي ظل غياب موقف رسمي واضح، تتصاعد مطالب الأهالي في العجيلات وصبراتة والجميل بعودة الأجهزة الأمنية النظامية، ونزع سلاح التشكيلات المسلحة، في حين أعرب أعيان صبراتة عن رفضهم إقامة مقر أمني لإحدى الكتائب داخل المدينة، على خلفية اتهامات بسوابق جنائية لعناصرها.

ويُعزى التدهور الأمني في الساحل الغربي إلى تراكمات ما بعد 2011، وفي مقدمتها تنافس المجموعات المسلحة على النفوذ والموارد، وضعف مؤسسات الدولة، رغم محاولات متقطعة للحد من التهريب، عبر عمليات أمنية وغارات جوية، حسب محللين.


أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
TT

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

نظم أهالي من بلدة دلقو، في مدينة حلفا، أقصى شمال السودان، وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة المحلية، رفضاً لاستقبال نازحين في مناطقهم، في وقت أعربت فيه حكومة إقليم دارفور، عن إدانتها الشديدة لأي محاولات أو دعوات تستهدف إخراج النازحين من أي منطقة لجأوا إليها في السودان.

وتدفَّق عشرات الآلاف من النازحين الجدد الفارّين من مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى شمال السودان.

وأثار اعتراض أهالي المنطقة جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

نازحون سودانيون من الفاشر في بلدة طويلة شمال دارفور 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وسلَّم المحتجون المدير الإداري في السلطة المحلية، مذكرة ترفض السماح بإقامة معسكرات للنازحين في محليات حلفا.

ويؤوي «مخيم العفاض» في مدينة الدبة، بالولاية الشمالية، أكثر من 25 ألف شخص فروا من القتال الدائر في ولايتي دارفور وكردفان، وهم يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية جراء نقص الإيواء والغذاء.

وقالت حكومة إقليم درفور، التي يرأسها قائد «حركة جيش تحرير السودان»، مني أركو مناوي، في بيان صحافي: «إن ما يتعرض له النازحون من مضايقات أو محاولات إقصاء في بعض المناطق، يُعدّ امتداداً لمخطط خبيث يستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني».

وأضافت: «إن هذا النهج يشبه ما دأبت عليه (قوات الدعم السريع) في تأجيج الصراعات القبلية، وبث خطاب الكراهية والانقسام لخدمة أجندتها الرامية إلى إضعاف وتقسيم البلاد».

وذكر البيان أن النازحين «أجبروا على مغادرة مناطقهم بسبب القتل والترويع وحرق قراهم، والآن يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد».

وحذر من الانسياق وراء هذه الدعوات، مؤكداً أن حكومة الإقليم «ستقاضي أي جهة أو فرد يشارك في التحريض أو ممارسة أي شكل من أشكال التمييز ضد النازحين، ولن تتساهل مع أي تجاوز يهدد السلم الاجتماعي».

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بـ«مخيم أدري» الحدودي في تشاد (رويترز)

وجددت الحكومة التأكيد على «التزامها الكامل بالقيام بمسؤولياتها بالتنسيق مع السلطات في الحكومة الاتحادية، وكافة الشركاء لتوفير الحماية والرعاية اللازمة للنازحين في كل المناطق بالبلاد».

واستنكر نشطاء مدنيون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشدة، احتجاج بعض سكان الولاية الشمالية على استقبال النازحين في وطنهم، في وقت فتحت دول الجوار أبوابها أمام الآلاف من اللاجئين السودانين، ودعوا إلى «عدم التساهل مع أي دعوة أو خطاب يبث الكراهية بين السودانيين».